فَمن أفتى وَلَيْسَ على صفة من الصِّفَات الْمَذْكُورَة من غير ضَرُورَة فَهُوَ عَاص آثم لِأَنَّهُ لَا يعرف الصَّوَاب وضده فَهُوَ كالأعمى الَّذِي لَا يُقَلّد الْبَصِير فِيمَا يعْتَبر لَهُ الْبَصَر لِأَنَّهُ بفقد الْبَصَر لَا يعرف الصَّوَاب وضده ﴿أَلا يظنّ أُولَئِكَ أَنهم مبعوثون ليَوْم عَظِيم﴾ ٨٣ ٤ ٣ قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ يلْزم ولي الْأَمر مَنعهم كَمَا فعل بنوا أُميَّة وَمن تصدى للفتيا ظَانّا أَنه من أَهلهَا فليتهم نَفسه وليتق ربه
[ ٢٤ ]
فَإِن الماهر فِي علم الْأُصُول أَو الْخلاف أَو الْعَرَبيَّة دون الْفِقْه يحرم عَلَيْهِ الْفتيا لنَفسِهِ وَلغيره لِأَنَّهُ لَا يسْتَقلّ بِمَعْرِفَة حكم الواقعية من أصُول الِاجْتِهَاد لقُصُور آلَته وَلَا من مَذْهَب إِمَام لعدم حفظه وإطلاعه عَلَيْهِ على الْوَجْه الْمُعْتَبر فَلَا يحْتَج بقوله فِي ذَلِك وَينْعَقد الْإِجْمَاع دونه على أصح المذهبين
وَأَجَازَ أَبُو حنيفَة تَقْلِيده فِيمَا يُفْتِي بِهِ غَيره وَالْحكم بِهِ وَلَا وَجه لَهُ مَعَ جهل الْمُفْتِي وَالْحَاكِم وعاميتهما لما سبق آنِفا وَلَا يجوز للمقلد الْفَتْوَى بِمَا هُوَ مقلد فِيهِ وَقيل إِن جهل دَلِيله
وَقيل يجوز لمن حفظ مَذْهَب ذِي مَذْهَب ونصوصه أَن يُفْتِي بِهِ عَن ربه وَإِن لم يكن عَارِفًا بغوامضه وحقائقه وَقيل لَا يجوز أَن يُفْتِي بِمذهب غَيره إِذا لم يكن متبحرا فِيهِ عَالما بغوامضه وحقائقه كَمَا لَا يجوز للعامي الَّذِي جمع فتاوي الْمُفْتِينَ أَن يُفْتِي بهَا وَإِذا كَانَ متبحرا فِيهِ جَازَ أَن يُفْتِي بِهِ وَالْمرَاد بقول من منع الْفَتْوَى بِهِ أَنه لَا يذكرهُ على صُورَة مَا يَقُوله من عِنْد نَفسه بل يضيفه إِلَى غَيره ويحكيه عَن إِمَامَة الَّذِي قَلّدهُ لصِحَّة تَقْلِيد الْمَيِّت كَمَا سبق فعلى هَذَا من عددناه من أَصْنَاف الْمُفْتِينَ من المقلدين لَيْسَ على الْحَقِيقَة من الْمُفْتِينَ وَلَكِن قَامُوا مقامهم وأدوا عَنْهُم فعدوا مَعَهم وسبيلهم فِي ذَلِك أَن يَقُولُوا مثلا مَذْهَب أَحْمد كَذَا وَكَذَا وَمُقْتَضى مذْهبه كَذَا وَكَذَا أَو نَحْو ذَلِك وَمن ترك مِنْهُم
[ ٢٥ ]
إِضَافَة ذَلِك إِلَى إِمَامَة إِن كَانَ ذَلِك مِنْهُ اكْتِفَاء بالمعلوم من الْحَال عَن التَّصْرِيح بالمقال جَازَ
وَإِذا عرف الْعَاميّ حكم الْمَسْأَلَة ودليلها فَقيل يجوز أَن يُفْتِي بِهِ وَيجوز تَقْلِيده فِيهِ لِأَنَّهُ قد وصل إِلَى الْعلم بِهِ كوصول الْعَالم إِلَيْهِ وَقيل يجوز ذَلِك إِن كَانَ دليلها نَص كتاب أَو سنة وَهُوَ ظَاهر وَظُهُور دلَالَة النقلي بِخِلَاف النظري وَقيل لَا يجوز ذَلِك مُطلقًا وَهُوَ أظهر وَقد سبق نَحوه وَسَيَأْتِي تَمَامه وَلِأَنَّهُ رُبمَا كَانَ لَهُ معَارض يجهله هُوَ فَلَو استفتى عَامي فَقِيها فِي حَادِثَة فأفتاه بِشَيْء فاعتقده مذهبا لم يجز لَهُ أَن يُفْتِي بِهِ وَلَا لغيره أَن يقلده فِيهِ وَإِن كَانَ مُعْتَقدًا لَهُ لِأَنَّهُ غير عَالم بِصِحَّتِهِ لَكِن لَهُ الاخبار بِهِ