الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فقد طلب مني نفر من طلبة العلم، أن أشرح لهم منظومة جدنا السيد، البركة، الإمام، الحجة، شيخ الشيوخ، وعمدة ذوي الرسوخ، شمس الدين، مولاي سيدي: عبد الله بن الحاج إبراهيم بن الإمام العلوي ﵏ ﷾ أجمعين - فأردت أن أجيبهم إلى ذلك، رغم ما أعلمه من قصر الباع، ودواعي الامتناع، مستعينا بالله ﷾ لا رب سواه، ولا فاعل غيره.
وقد رجعت في هذا الشرح الوجيز، والتعليق المقتضب، إلى شرح الشيخ الناظم ﵀ ﷾ فهو علق نفيس، جمع فيه ما تدعو الحاجة إليه في تعلم هذا الفن، مع زيادة فوائد حسنة جدا، وكأنما عناه بقوله في النظم:
أنهيت ما جمعه اجتهادي … وضربي الاغوار مع الأنجاد
مما أفادنيه درس البرره … مما انطوت عليه كتْب المهره
كالشرح للتنقيح والتنقيح … والجمع والآيات والتلويح
مطالعا لابن حلولو اللامعا … مع حواش تعجب المطالعا
وهو حري أن ينشد فيه قول ابن بري - رحمهما الله ﷾:
أوردت ما أمكنني من الحُجج … مما يقام في طلابه حِجج
وإلى شرح الشيخ آب ﵀ ﷾ فهو أحسن الشروح اختصارا للأصل، وأبينها عبارة، وأنفعها للمبتدئين.
وإلى شرح الشيخ اباه - حفظه الله ﷾ فقد تضمن نقولا مفيدة حسنة، لا غنى عنها، تفرد بها عن سائر الشروح، كما اعتنى بالتصحيح والمقابلة بين النسخ، وتوثيق المادة، وذلك مقصد عظيم الأهمية، وكما يعتبر شرحه شرحا للمراقي، يعتبر أيضا حاشية على شرح المؤلف.
[ ١ / ٢ ]
ورجعت كذلك إلى تنقيح الفصول في اختصار المحصول، وشرحه لمؤلفه، شهاب الدين أحمد ابن إدريس القرافي ﵀ ﷾ لكونه من أهم مدارك الشيخ، في المراقي والنشر معا.
وإلى كتاب الإشارة للقاضي أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي ﵀ ﷾.
وإلى حاشية الشيخ الطاهر بن عاشور ﵀ ﷾ على التنقيح، فقد تضمنت تحريرات حسنة، في مواضع كثيرة.
وإلى إرشاد الفحول للشوكاني ﵀ ﷾ فهو من أكثر الكتب المختصرة في هذا الفن استيعابا للأقوال.
وربما رجعت لمقتض إلى غير هذه الكتب، كإبهاج التاج على المنهاج، ورفع الحاجب له على مختصر ابن الحاجب، والبحر المحيط، وغيرها.
وقد سميت هذا التقييد الميمون، بفتح الباقي، على منظومة المراقي.
وسأشرحه - إن شاء الله ﷾ إذا تفرغت بأوفى من هذا.
والله ﷾ وحده المستعان، وعليه وحده التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله تعالى وسلم وبارك على سيدنا، وشفيعنا، وحبيبنا، وقرة أعيننا، محمد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
محمد بن محمد محمود بن محمد المصطفى بن دي.
محروسة كيف غرة شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين.
[ ١ / ٣ ]
قال الناظم ﵀ ﷾:
يقول عبد الله وهو ارتسما … سُمى له والعلوي المنتمى
الحمد لله على ما فاضا … من الجدا الذي دهورا غاضا
وجعل الفروع والأصولا … لمن يروم نيلها محصولا
وشاد ذا الدينَ بمن ساد الورى … فهْو المجلِّي والورى إلى ورا
محمد منوِّر القلوب … وكاشف الكرب لدى الكروب
صلى عليه ربنا وسلما … وآله ومن لشرعه انتمى
هذا وحين قد رأيت المذهبا … رجحانُه له الكثير ذهبا
وما سواه مثل عَنْقا مُغْرِب … في كل قُطر من نواحي المغرب
أردت أن أجمع من أصوله … ما فيه بُغية لذي فصوله
منتبذا عن مقصدي ما ذُكرا … لدى الفنون غيره محررا
سميته مراقي السعود … لمبتغي الرقي والصعود
أستوهب الله الكريم المددا … ونفعه للقارئين أبدا
قوله: ارتسمى معناه: ثبت، وسمى: مثلث السين لغة في الاسم، والاسم يطلق في مقابلة الفعل والحرف، فيتناول الأسماء كلها، ويطلق في مقابلة الكنية واللقب، ويراد به ما وضع علما للشيء وضعا أوليا، وما وضع له بعد ذلك، ينظر فإن دل على ذم أو مدح، فهو اللقب، وإن تصدر بابن، أو أب، أو بنت، أو أخ، أو نحو ذلك، فهو كنية.
وقوله: وهو ارتسما سما له، معناه أن عبد الله اسم علم له، كما أنه صفة له كغيره، دفع بهذا توهم عدم الاسمية، وأنه إنما أراد الوصف.
قوله والعلوي: نسبة إلى علي بن أبي طالب أو علي آخر من ذريته، كما قال الناظم - رحمه الله تعالى ـ.
والحمد: المدح والثناء، وفاض فَيضا وفُيوضا وفَيَضانا: جرى وتدفق، وفي نسخة: أفاض، بهمزة التعدية.
والجدا - بفتح الجيم مع القصر والمد ـ: النفع والعطاء، من جداه جَدْوا، والجداء بضم
[ ١ / ٤ ]
الجيم: نتيجة الضرب، يقال: ثلاثة في أربعة، جداؤها: اثنا عشر.
والدهور: جمع دهر، ويجمع في القلة على أدهر، يطلق على الزمان قصر أو طال، وعلى الزمان الطويل خاصة، وهو المراد هنا، ويطلق على الدنيا كلها، ويطلق على النازلة.
وغاض غَيْضا ومَغاضا ومَغيضا: نقص، والفروع: جمع فرع، والأصول: جمع أصل، والفرع لغة: أعلى الشيء، والأصل خلافه، ومنه قوله ﷾ جل من قائل: (أصلها ثابت وفرعها في السماء) والفرع في المسائل ما بني على غيره، بأن كان مقيسا عليه - مثلا - أو مدلولا له، والأصل خلافه أيضا.
ويروم: مضارع رام الشيء روْما ومراما: قصده وطلبه، ويأتي بمعنى زال، رَيْما ورَيَمانا، يقال: لم يرم يفعل كذا.
والنيل بفتح النون: مصدر نال مطلوبه إذا أصابه، ومحصولا معناه حاصلا، يقال: محصول كذا أي: حاصله.
وشاد: من شاد البناء شَيدا إذا رفعه، والدين: الملة، وساد: فعل من السيادة، وهي الشرف والرفعة، والورى: الخلق، والمجلي: السابق في الميدان، ووراء بمعنى خلف، ويستعمل أيضا بمعنى أمام.
والمحمد في الأصل: الذي كثرت محامده، قال:
إليك أبيت اللعن أعملتُ ناقتي … إلى الماجد القرم الكريم المحمد
والمنور: اسم فاعل من نور تنويرا إذا أضاء، والكروب جمع كرب: الحزن والغم يأخذ بالنفس.
والصلاة من الله ﷾ على رسوله - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - قيل: زيادة تشريفه ورفع درجته، وقيل: ثناؤه عليه بالملإ الاعلى.
والرب: المالك، والسلام: التحية والأمن، وآل النبي - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - هنا: قرابته، بقرينة قوله: ومن لشرعه انتمى، والشرع: الدين.
وهذا: كلمة ينتقل بها من مقام إلى مقام، والمذهب: الطريق، وأل فيه للعهد، أي: مذهب الإمام مالك ﵀ ﷾.
والرجحان: مصدر رجح، كالرجوح، والمراد قوته، وظهور مداركه، وعنقا مغرب: طائر
[ ١ / ٥ ]
وهمي، يقال في الإخبار على عدم الشيء يقال: حلقت به في الجو عنقاء مغرب، والبغية: الحاجة المطلوبة.
والمراد بذي الفصول: الفروعي، ومنتبذا: اسم فاعل من انتبذ، يقصد تاركا. والمقصد: مصدر ميمي، ومحررا: اسم فاعل من حرره تحريرا إذا ضبطه وهذبه، وهو حال من فاعل أجمع في قوله: أن أجمع من أصوله.
والمعنى أنه ترك - عن قصد - الكلام على الفصول التي جرت عادة بعض أهل الفن بذكرها، مع أنها من علوم أخرى، كمعاني الحروف، وأنواع الدلالة.
والمراقي: جمع مرقاة، وهي الآلة التي يصعد بها، والسعود: جمع سعد، وهو اليمن والبركة، نقيض النحس.
وأستوهب: فعل مضارع من استوهب الشيء استيهابا، إذا طلب أن يوهب له. والمدد: العون، والمراد بالقارءين: الدارسون، والأبد: الزمن الذي ليس بمحدود، وفي المثل طال الأبد على لُبَد، يضرب لكل ما تقادم عهده، ومرت عليه أزمنة كثيرة.