قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥].
يستنبط من الآية الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب بعث الحكمين للإصلاح؛ لأجل دفع الظلم، وإزالة الشقاق.
قال الشافعي: «فإذا ارتفع الزوجان المخوف شقاقهما إلى الحاكم، فحق عليه أن يبعث حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، ومن أهل القناعة والعقل ليكشفا أمرهما، ويصلحا بينهما إن قدرا» (^٢).
مأخذ الحكم: الأمر في قوله ﴿فَابْعَثُوا﴾، والأصل حمله على الوجوب.
_________________
(١) البناية شرح الهداية (١٠/ ١٢٤).
(٢) الأم (٥/ ١٩٤)
[ ٣٧٤ ]
كما أنَّ الظلم والشقاق حرام، ولا يتم تركه إلا ببعث الحكمين للإصلاح، وترك الحرام واجب، فكان البعث للإصلاح واجبًا.
• الحكم الثاني: أن يكون الحكمان من أهلهما.
قال الموزعي: «والتقييد بكونهما من أهلهما يقتضي أنه لا يجوز أن يكون من غير أهلها، وهو كذلك عند المالكية»، ثمَّ ذكر أنه مستحب غير واجب عند الشافعية (^١).
مأخذ الحكم: تقييد المطلق ﴿حَكَمًا﴾، بأن يكون ﴿مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾.
قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤].
يستنبط من الآية: مشروعية الصلح والحث عليه (^٢).
مأخذ الحكم:
أولًا: كون الاستثناء من النفي إثبات، فنفى المولى سبحانه الخيرة عن كثير من نجواهم، وأثبت بالاستثناء أمورًا، وهي الصدقة والأمر بالمعروف والإصلاح بين الناس.
ثانيًا: قرن المولى سبحانه الإصلاح بالأعمال الصالحة المتفق على صلاحها بواو العطف، ودلالة الاقتران تقوى - هنا - فيكون حكم الإصلاح حكمها من حيث الحث والطلب فيها.
_________________
(١) تيسير البيان (٢/ ٣٨٤)
(٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٨٩).
[ ٣٧٥ ]
تنبيه: الاستثناء في قوله ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾، اختلف فيه هل هو منقطع أو متصل؟
قال الدكتور محمد عبد الخالق عضيمة: «إن كانت النجوى مصدرًا كان الاستثناء منقطعًا، ويمكن اتصاله على حذف مضاف من الأول، أي ذوي نجوى، أو من الثاني، أي: إلَّا نجوى من أمر.
وإن كانت النجوى جمع نجى، فيكون الاستثناء متَّصلًا من غير تقدير حذف» (^١).
قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨].
يستنبط من الآية الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: جواز الإصلاح بين المتخاصمين من الزوجين أو غيرهما.
قال السيوطي: «وهو عام في كل صُلح، أصل فيه» (^٢).
مأخذ الحكم:
أولًا: إذن المولى سبحانه بذلك، بقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾.
ثانيًا: العموم في قوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، حيث عُرِّف الصلح بأل غير عهدية فيعم كل صلح.
_________________
(١) دراسات لأسلوب القرآن الكريم لعضيمة (١/ ٣١٠).
(٢) الإكليل (٢/ ٥٩٢).
[ ٣٧٦ ]
• الحكم الثاني: جواز الصلح على الإنكار أو المجهول.
قال السيوطي: «… واستدل بعموم الآية من أجاز الصلح على الإنكار أو المجهول» (^١).
والصلح على الإنكار: أن يدعي شخص على شخص آخر عينًا، أو دينًا، أو منفعة، فينكر المدعى عليه، وكل منهما يعلم صدق نفسه، ثم يصطلحان (^٢).
مأخذ الحكم: العموم الذي سبق بيانه في الحكم الأول؛ لأن ما فعلاه - على الإنكار أو المجهول - يسمى صلحًا.
قوله تعالى: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١].
يستنبط من الآية: الحث على إصلاح ذات البين.
مأخذ الحكم: الأمر في الآية بقوله ﴿وَأَصْلِحُوا﴾. مع ما ورد في سبب نزولها؛ إذ هي نازلة في الإصلاح بين الصحابة، حين اختلفوا في بعض الغنائم يوم بدر، فيمن هو أحق بها، من حازها، أو من تبع آثار العدو المنهزم، أو من حرس رسول الله ﷺ حتى لا يصيبه العدو منه غِرَّة، فنزلت الآية (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠].
_________________
(١) الإكليل (٢/ ٥٩٢).
(٢) ينظر: الشرح الكبير مع الإنصاف (١٣/ ١٤٩).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٣٧/ ٤١٠ - ٤١١)، برقم (٢٢٧٤٧)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٤٨)، برقم (٢٦٠٨)، وقال الحاكم:» صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه»، وقال الشوكاني في الدراري المضيئة (٢/ ٤٤٩):» أحمد برجال الصحيح».
[ ٣٧٧ ]
يستنبط من الآيتين الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب الصلح بين أهل العدل والبغي (^١).
قال السيوطي: «فيه وجوب الصلح بين أهل العدل والبغي» (^٢).
مأخذ الحكم: الأمر بقوله: ﴿فَأَصْلِحُوا﴾، وقد وردت ثلاث مرات.
فائدة: ذكر العلماء فائدة تكرار الأمر بالإصلاح، وأن لكل موضوع فائدة مقصودة.
فقالوا: الأمر الأول: بعد اقتتالهم لوأد تلك الفتنة. والثاني: بعد امتناع الباغية وقتالها، وقرن الصلح فيها بالعدل ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾؛ إذ هو مظنة للتحامل عليهم. والأمر الثالث، وهو قوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾، أمر عام في الإصلاح في كل فتنة، مع بيان العلة باقترانها بالحكم، وتلك العلَّة لكونهم إخوة في الدين، تأكيدًا لهذه الرابطة الإيمانية، وبيان لحقوقها.
• الحكم الثاني: سقوط تباعات الجراح والدماء.
مأخذ الحكم: إطلاق الآية، وعدم ذكر شيء يترتب على الصلح.
قال الموزعي: «وأطلق سبحانه الصلح ولم يذكر تِباعةٌ في دم ولا مال. قال الشافعي: فأشبه هذا - والله أعلم - أن تكون التباعات في الجراح والدماء، وما كان من الأموال ساقطًا بينهم» (^٣).
قلت: وسيأتي مزيد تفصيل في أحكامها في باب قتال أهل البغي.
_________________
(١) ينظر: الإكليل (٣/ ١١٩٥)، وتيسير البيان (٤/ ١٦٧).
(٢) الإكليل (٣/ ١١٩٥).
(٣) تيسير البيان (٤/ ١٦٧).
[ ٣٧٨ ]