انه للمباشر حقيقة وفي الاستقبال مجاز وفي الماضي وقد انقطع مختلف فيه فللحنفية مجاز وللشافعية حقيقة واختاره عبد القاهر وأبو هاشم وقليل إن كان معناه ممكن البقاء اشترط بقاؤه للحقيقة والثمرة تظهر في قوله ﵇ المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا فلم يثبت أبو حنيفة ﵀ خيار المجلس بعد انقضاء البيع وحمله على التفرق بالأقوال وأثبته الشافعى وحمله على ما بالأبدان ومنه قوله علم إذا أفلس الرجل أو مات فصاحب المتاع أحق يمتاعه فبعد انقضاء الملكية بالبيع لا يكون أحق عند أبي حنيفة خلافًا له.
لنا: لو كان حقيقة لما صح وصفه بالانتفاء وقد صح بيان اللزوم أن صحة الوصف بالانتفاء وهو المعنى بصحة النفط أمارة قطعيةٌ للمجاز وبيان بطلان اللازم أن وصفه بالانتفاء في الحال يصح فيصح بالانتفاء مطلقًا لأن الوقتية تستلزم المطلقة وبهذا التوجيه سقط وجوه من الاعتراض:
١ - منع بطلان اللازم للقاضين وهو أن الثبوت في الحال أخص من الثبوت فظنه أعم والعام لا يستلزم الخاص لأن خلل فيه قيد للانتفاء.
٢ - القول بموجب العلة أن الاستلزام مسلم ولكن صحة الوصف بالانتفاء مطلقا لا ينافي صحة الوصف بالثبوت مطلقا لأن المطلقتين لا يتناقضان قبل تنافيها لغة للتكاذب بينهما عرفا قلنا ذلك لأجل التوافق العرفي على ارادة الوقتية بالمطلقة تجوزًا من إطلاق العام على الخاص ألا ترى أن من قال للعنب الحلو إنه حامض يعد سخفًا من الكلام فنقول المراد بالانتفاء المطلق اللازم ان كان الانتفاء في جميع الأزمان فاللزوم ممنوع لأن الوقتية لا تستلزم الدائمة وإن كان الانتفاء في الجملة فإن أريد به المفهوم العرفي اللغوي وهو الانتفاء في الحال فهو عين الملزوم فلو كفي في الغرض اكتفى بالملزوم وان أريد الانتفاء في وقت ما فلزومه مسلم لكنه لا ينافي الثبوت في وقت ما لأن المنتشرتين
[ ١ / ١٣٠ ]
كالمطلقتين وإنما سقط لن صحة النفى مطلقًا أمارة المجاز سواء صح الوصف بالثبوت أو لا، نعم يرد على من قال وإذا صح النفى مطلقًا لم يصح الإثبات.
٣ - المعارضة بأنه لو لم يكن حقيقة لما صح وصفه بالثبوت لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة وقد صح لأنه يصح وصفه بالثبوت في الماضي فيصح مطلقًا لأن الوقتية تستلزم المطلقة وإنما سقط لما أشرنا إليه أن صحة النفى أمارة قطعية للمجاز فلا يعارضها طاهر الأصل في إلاطلاق قبل، والجواب الصحيح: أن لزوم صحة الوصف بالانتفاء المطلق لغة ممنوع إذ قد يصح إطلاق المقيد بدون المطلق لغة كالأسد على الشجاع مقيدًا بقرينة لا مطلقًا ولأن من يدعى كونه حقيقة في الماضي كيف يسلم صحة نفيه لغة وأما لزومها عقلا فمسلم لكن لا تنافي كونه حقيقة في الماضي وإنما ينافيه لو صح لغة أيضًا لا يقال قد مرَّ أن أمارة المجاز صحة النفى في نفس الأمر لا لغة لأن معنى ذلك أن الصحة اللغوية لا يكفى بل لا بد أن ينضم إليه الصحة في نفس الأمر. وفيه بحث: لأن صحة الوصف بالانتفاء في الحال لما كانت لغة كانت صحة الوصف بالانتفاء مطلقًا لغةً أيضًا لأن استلزام الخاص للعام ليس أمرا يختص بقوم دون قوم لأنه لما ثبت أن عرف اللغة على إرادة الوقتية بالمطلقة ثبت اللزوم لغة بل العينية وإنما لم يكتف بالملزوم لأن أمارة المجاز في عرفهم كما مر بالنفى المطلق بأي معنى تعارفوه ودعوى أنه يجوز مخالفة للدليل بلا دليل فإن الأصل في الإطلاق الحقيقة وأما الاستناد بالمجاز المقيد بالقرينة فأسقط لأن الكلام في أن معنى ما إذا صدق مقيدا بصدق فطلقًا وما يتغير معناه بالقيد والإطلاق ليس مثله وتوضيحه أن القرينة ليست قيدًا للمعنى المجازي بل صارفًا عن الحقيقة ولنا أيضًا أن وجود المفهوم إما أن يكون قيدًا لكونه حقيقة أو لا والثاني يقتضي كونه حقيقة في المستقبل، فيكون قيدًا ومجازًا في الماضي فإن قيل القيد هو الثبوت المشترك بين الماضي والحال قلنا إن اعتبر دخول الزمانين كان مشتركًا لفظيًا والمجاز أوَّلي ينافيه وينافيه إجماع أهل اللغة على خروج الزمان من مفهوم الصفات وإن اعتبر عروضها فلا طريق إلى معرفته إلا النقل وما ثبت من أربابه نقل وإلا فلا وجه للنزاع وليس الحمق في عدم الاعتراف بعد الدليل أدلى منه في الاعتراف بلا دليل.
للقائلين بالحقيقة أولًا: إجماع اللغة على صحة ضارب أمس والأصل الحقيقة.
وثانيًا: صحة الحكم بالإيمان على النائم والغافل وإجراء أحكام المؤمنين وجوابهم بعد المعرضة به على صحة ضارب غدًا وعدم صحة الحكم على المؤمن بالكفر لكفره المتقدم أن
[ ١ / ١٣١ ]
يقول التمسك بالأصل إذا لم يعارضه قاطع وهو أنه لو كان حقيقة لكان المؤمن المذكور كافرًا ومؤمنًا حقيقة والمعتق عبدًا وحرًا حقيقة فيرث ولا يرث ويقبل شهادته ولا يقبل إلى غير ذلك من الفساد ولكان أكابر الصحابة كفارًا حقيقة فلم يصح (ليسوا بكافرين) لغة وقد صح بدليل تخطئة اللغوي قائله ولا تغفل عن النكتة وبهذا لا يرد أن عدم صحته شرعي لتعظيمهم فعلم أن الكل مجازًا إما المؤمن في مثل النائم فأما مجازًا وباعتبار أن العقيدة تكون ملكة أو أعطاه الشرع حكم البقاء ما لم يعارضه قاطع لحكم لا تحصى.
وثالثًا: ويصلح للمفصلين أن بقاء المعنى لو اشترط لم يكن مثل مخبر ومتكلم حقيقة
لأن أجزائه حروفٌ تنقضى شيئًا فشيئًا، ولا يجتمع في حين فكيف يبقى معناه.
وجوابه: أن الأجزاء المتعاقبة من أواخر الماضي وأوائل المستقبل عدت حالًا لا الآن المختلف في وجوده فكل مباشرة لم يتخلل بينهما ما يعد عرفًا تركا لها واقعة في الحال إذ لو اعتبر الآن لم يكن أكثر أفعال الحال مثل يضرب ويمشي من مكة إلى مدينة ويكتب القرآن أو فعل الحال مما ذكروه نحو يخير ويتكلم حالا والإجماع يبطله ولئن سلمنا فلا نم اشتراط بقاء المعنى بتمامه بل بقاء جزء منه كما في المصادر السيالة كاف.
وللقائلين بالتفصيل معنى آخر وهو أن المشروط البقاء فيما أمكن وهاهنا متعذر بخلاف ما مر فإن الكافر في الصحابة مجاز بعدم بقائه ممكنًا والمؤمن في النائم حقيقة لبقائه شرعا.
تتمة: هذا النزاع في نحو الضارب أما تسميته بنحو اسم الفاعل حقيقة في أي زمان تحقق معناه لأنه اسم من مصدر عنه الضرب مطلقًا والحكم بالأعمال وعدمه مبني عليه وما قال المنطقيون من أن صدق عنوان الموضوع في أحد الأزمنة بالفعل الحقيقي أو الفرضي أو بالإمكان كاف أمر تعارفوه لتحقيق الكلية لا تعلق له بوضع اللغة فإسناد القول بالحقيقة في الماضي إلى ابن سينا مستدلًا بما ذكر في تحقيق المحصورات سهوٌ وإلا لكان حقيقة في المستقبل أيضًا وهو خلاف الإجماع.