القول فى البيان والمجمل والمبين وما يتصل بذلك ويتفرع عليه.
قال أبو بكر الصيرفى: البيان إخراج الشىء من حيز الإشكال إلى حيز التجلى١.
وذكر الشافعى البيان فى الرسالة فقال البيان اسم جامع لأمور متفقة الأصول متشعبة الفروع.
واعترض عليه أبو بكر بن داود وقال البيان أبين من التفسير والذى فسرته وهذا لا يصح لأن الشافعى ﵀ لم يقصد بقوله حد البيان وتفسير معناه وإنما أراد به أن البيان اسم عام جامع لأنواع مختلفة من البيان فهى متفقة فى أن الاسم البيان يقع عليها ومختلفة فى مراتبها فبعضها أجلى وأبين من البعض لأن من البيان ما يدرك معناه من غير تدبر وتفكر فيه ومنه ما يحتاج إلى تدبر وتفكر فيه ولهذا قال النبي ﷺ: "إن من البيان لسحرا" ٢ فأخبر أن بعض البيان أبلغ من البعض ويدل على ذلك أن الله ﵎ خاطبنا بالنص والعموم والظاهر ودليل الخطاب وفحواه وجميع ذلك بيان وأن اختلفت مراتبها.
وقال أبو بكر الدقاق البيان هو البيان الذى يبين به العلوم.
وقيل أن البيان هو الأدلة التى يتبين منها الأحكام وبهذا قال الأشعرى والجبائى٣ واختار القاضى أبو الطيب الطبرى الحد الذى ذكره أبو بكر الصيرفى وقد اعترض عليه من وجهين.
أحدهما أن البيان المبتدأ من قبل الله تعالى لا يدخل فى هذا الحد وأن كان بيانا فإنه ربما ورد من الله تعالى بيان لما لم يخطر ببال أحد فلا يكون مخرجا لشىء من حد الإشكال إلى حد التجلى.
_________________
(١) ١ انظر إحاكم الأحكام ٣/٣٢. ٢ أخرجه البخاري الطب ١٠/٢٤٧ ح ٥٧٦٧ ومسلم الجمعة ٢/٥٩٤ ح ٤٧/٨٦٩ وأبو داود الأدب ٤/٣٠٣ ح ٥٠٠٧ والترمذي البر والصلة ٤/٣٧٦ ح ٢٠٢٨. ٣ وعزاه الآمدي إلى أبي هاشم وأبي الحسين البصري واختاره الآمدي انظر إحاكم الأحكام ٣/٣٢ المعتمد ١/٢٩٣.
[ ١ / ٢٥٨ ]
والثانى أن لفظ البيان أظهر من قوله أنه إخراج الشىء من حيز الإشكال إلى حيز التجلى.
ومن حق الحد أن يكون أظهر من المحدود.
وقد قال القاضى أبو الطيب ما كان إيضاحا لمعنى وإظهارا له فهو بيان له وما دون ذلك فلا يكون بيانا والذى يبينه الله تعالى ابتداء إيضاح لما جهله الناس وما لم يتبينوه فيجوز أن يدخل تحت حد البيان.
والذى قالوا: أنه أغمض من البيان المعروف فليس بشىء لما ذكرناه من دليله.
وحكى القاضى أبو الحسن الماوردى عن جمهور الفقهاء أن البيان إظهار المراد بالكلام الذى لا يفهم منه المراد إلا به وهذا الحد أحسن من جميع الحدود لأن البيان فى اللغة هو الظهور والكشف من قوله بان الهلال إذا ظهر وأبان ما فى نفسه إذا أظهر ويعترض الحد الذى ذكره المتكلم فيقال أن الله تعالى قد قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] فى الكتاب دليل فدلت الآية أن البيان غير الدليل.
وقول أبى بكر الدقاق فى الحد حسن أيضا.
وإذا عرفنا الحد فاعلم أن النص والظاهر والعموم ودليل الخطاب والفحوى كل هذا بيان وقد ذكرنا من قبل حد العموم وحد دليل الخطاب وفحواه فنذكر الآن معنى النص والظاهر وحدهما فنقول.
النص ما رفع فى بيانه إلى الحكم غايته ومنه منصة العروس ترتفع عليها على سائر النساء وتتكشف لهن بذلك.
ومما روى عن رسول الله ﷺ أنه كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص معناه رفع فى السير على ما كان يسير من قبل.
ومنه قول امرىء القيس:
وجيد كجيد الريم ليس بفاحش إذا هن نصته ولا بمعطل
وقال القاضى أبو حامد النص ما تعرى لفظه عن الشركة ومعناه عن الشبهة وقيل ما استوى ظاهره وباطنه وقيل كل لفظ مقيد لا يتطرق إليه تأويل١.
_________________
(١) ١ النص لغة: بلوغ الشيء ومنتهاه وعند الأصوليين يطلق بإطلاقين: أحدهما: ما دل على معناه من كتاب أو سنة وثانيهما: ما دل على معناه من غير احتمال والمراد بالنص هنا هو الإطلاق. انظر نهاية السول ٢/٦٠، ٦١ والمحصول ١/٤٦٢ انظر البرهان ١/٤١٢، ٤١٣ روضة الناظر ١٥٦، ١٥٧ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/١٦.
[ ١ / ٢٥٩ ]
والألفاظ قريبة بعضها من بعض والأول حد حسن والأول عندى هو الأولى واعترض بعضهم على ذكر اللفظ وقال الفحوى نص وليس بلفظ ونحن نقول أن الفحوى ليس بنص ولكنه مقتضى له١.
وقد ذكر أبو زيد من أربعاتة التى ذكرها فى أصوله ونقصد إيراد أربعة أوجه فى كل فصل بذكره إيراد من لا ينظر إلى معنى وإنما ينظر إلى صورة عدد تورده ويكون قصده بلوغ العدد المقصود لا غير فقال فى أقسام الثابت بالظاهر دون الظاهر والرأى هذه الأحكام أقسام أربعة الثابت بعين النص والثابت بدلالة النص والثابت بإشارة النص والثابت بمقتضى النص وزاد غيره فقال والثابت بضم النص.
فالثابت بعين النص يكثر.
وأما الثابت بدلالة النص فذكر قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] فثبت من دلالة النص ملك الكفار أموال المسلمين لأنه جعل لهم أموالا ثم سماهم فقراء والفقير هو عديم الملك لا البعيد من الملك لأنه ضد الغنى والغنى من ملك لا من أصابه بيده.
قال وكذلك قوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الاحقاف: ١٥] فيه دلالة على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وقد اختص بفهمه عبد الله بن عباس ﵄.
وكذلك قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] فيه دلالة على أن الجنابة لا تضاد الصوم لأنه تعالى أباح الجماع إلى مدة الصباح ثم أمره بإتمام الصوم ومن ضرورة إباحة الجماع إلى مدة الصباح وجود الجنابة بعد الصبح وذكر من هذا الجنس مسائل.
وأما إشارة النص فهو مثل قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الاسراء: ٢٣] فيه دلالة على تحريم الشتم والضرب.
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] فلما أوجب القضاء إذا أفطر بعذر ففيه دلالة أنه إذا أفطر بغير عذر يوجب.
_________________
(١) ١ اختاره إما الحرمين انظر البرهان ١/٤١٣.
[ ١ / ٢٦٠ ]
عليه القضاء.
وكذلك ما روى أن ماعزا زنا فرجم١ صار رجم ماعز ثابتا بالنص ورجم غيره ثابتا بدلالة النص وذكر أمثلة لهذا أيضا منها الأكل مع الوطء فى نهار رمضان وغير ذلك وخرج عليه مسألة اللواطة مع الزنا وذكر أنها دونه ومسألة القتل بالمثقل وذكر أنه دون القتل بالسيف وهذه أشياء قد ذكرت في خلافيات الفروع وقد تكلمنا على ذلك.
قال وأما الثابت بمقتضى النص فهو زيادة على النص لا يتحقق مع النص بدونها فاقتضاها النص حتى يتحقق معناه ولا يلغو وصار المقتضى مضافا إلى النص مثل حكمه وشبه هذا بشرى الأب٢ فإنها إعتاق حكما وأن لم توجب العتق بنفسه بل بزيادة الملك ولكن لما ثبت الحكم بالشرى صار حكمه وهو العتق مع الملك حكمين للشرى قال وهذا لا خلاف فيه وهو إنما مثل قوله أعتق عبدك عنى على ألف فالملك يقتضى هذا النص ثم أنه ذكر أنه لا عموم للمقتضى.
قال وعند الشافعى ﵀ له عموم واحتج لنفسه وقال المقتضى ساقط من النص بعينه فى الأصل لا حكم له وإنما أثبتنا ضرورة أن يصير الكلام مفيدا فإذا ثبت بقدر ما صار به الكلام مفيدا زالت الضرورة فيسقط ثبوته كالميتة حكمها الحرمة فى الأصل والحل ثبت ضرورة فيعذر تقديرها وهو قدر سد الرمق دون ما سواها من التمول والجمل والشبع.
ونحن نقول أن المقتضى يجوز أن يدعى فيه العموم لأنه ثابت ضرورة فصار كالثابت نصا ونقول كلما أمكن طلب فائدة العموم منه يجوز أن تطلب لأن الاختصار والحذف عام فى كلام العرب ويعدونه من الفصاحة والبلاغة فصار المقتضى كمضمر الكلام ثم دعوى العموم فى المضمر جائز كذلك فى المقتضى والمضمر مثل قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] معناه أهل القرية وكقوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] معناه اشتعل شعر الرأس شيبا وغير ذلك وقد ذكروا مضمر النص هذا هو الذى قلناه.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه. ٢ قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن الرجل إذا ملك والده أو ولده أنه يعتق عليه ساعة يملكها انظر الأشراف ٣/١٧٩.
[ ١ / ٢٦١ ]
واعلم أن هذا الذى أوردوه ليس فى أكثره ما يعترض عليه وما قالوه على أصولهم فقد أحسنوا فى مواضعه لكن هذه الأقسام ليست بنص إنما النص ثابت بعينه وأما الثابت بعموم ودلالة لا يكون نصا إنما هو دليل مستخرج من النص وإنما المقتضى من الضمير فيجوز أن يقال أنه نص أو بمنزلة النص كما بينا أنه على وفق لسان العرب.
وقد ذكر بعض أصحاب أبى حنيفة أن العموم نص فيما يتناوله من المسميات وقد سمى الشافعى الظواهر نصا فى مجارى كلامه١ والأولى أن لا يسمى العموم نصا لأنه يحتمل الخصوص ولأن العموم فيما يدخل فيه من المسميات ليس بأرفع وجوه البيان ولكن العموم ظاهر.
ونحن نقول حد الظواهر هو لفظ معقول يبتدر إلى الفهم منه معنى مع احتمال اللفظ غيره فعلى هذا العموم ظاهر فى الاستيعاب لأنه يبتدر إلى الفهم ذلك مع أنه يحتمل غيره وهو الخصوص.
وكذلك الأمر يجوز أن يقال هو ظاهر فى الإيجاب لأنه يبتدر الفهم ذلك مع أنه يحتمل غيره وهو الندب والإباحة.
وكذلك صيغة النهى ظاهر فى التحريم ويحتمل غيره من الكراهة والتنزيه وعلى هذا قوله: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" ٢ ظاهر فى نفى الجواز ويحتمل نفى الفضيلة والكمال.
وكذلك قوله لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ظاهر فى نفى الجواز ويحتمل نفى الفضيلة وأمثال هذا تكثر.
ومن ذلك يلقى المفهوم من الخطاب المقيد بالصفة ظاهر فيما يستعمل فيه المفهوم وقد يتبع مثل هذا الظاهر فى الحروف مثل إلى الغاية وغير ذلك.
وهكذا فى الظاهر كل لفظ يحتمل معنيين وأكثر وبعضها أظهر وأولى باللفظ فيحمل على الأولى والأظهر ويكون اللفظ ظاهر فيه وهذا قريب مما ذكرناه من قبل.
_________________
(١) ١ ذكره إمام الحرمين عن الشافعي والقاضي أبو بكر وصححه انظر البرهان ١/٤١٦. ٢ أخرجه أبو داود الصوم ٢/٣٤١ والترمذي الصوم ٣/٩٩ ح ٧٣٠ والنسائي في الصوم ٤/١٦٦ باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر حفصة في ذلك انظر نصب الراية ٢/٤٣٣.
[ ١ / ٢٦٢ ]
وأما المجمل فاعلم أنه قد يعلق المجمل على العموم ومن قولك أجملت الحساب إذا جمعت إفادة له وأن أثبته تحت صيغة جامعة ولكن المجمل على اتفاق الأصوليين مخالف للعموم وقيل المجمل ما لا يفهم منه المراد به وقيل ما عرف معناه من غيره١ فإن قال قائل هلا اكتفى الشرع بالبيان عن الإجمال قلنا أجمل ليتفاضل درجة العلاء بالاجتهاد وبدراسة معانيه.
ثم اعلم أن المحتاج إلى البيان ضربان:
أحدهما ما يحتاج إلى بيان ما لم يركب وهو العموم الذى قصد به الخصوص.
والضرب الثانى ما يحتاج إلى بيان ما فيه وهو المجمل الذى لا يفهم منه المراد ونقول الإجمال قد يكون فى الاسم المشترك مثل القرء٢ ينطلق على الحيض والطهر والشفق يطلق على الحمرة والبياض والذى بيده عقدة النكاح يطلق على الأب والزوج والمراد من اللفظة واحد من هذين فى هذه المواضع.
والاجتهاد داخل فى المراد باللفظ وكذلك يجوز أن يكون الدليل من قرينة تتصل باللفظ وقد يكون الإجمال فى المراد باللفظ مع أن اللفظ فى اللغة لشىء واحد٣ وذلك مثل قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] غير أن البيان فى هذا النوع من المجمل موقوف على الرسول صلوات الله عليه بقول منه أو فعل.
وقد يكون البيان بالاجتهاد مثل قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وقد اجتهد العلماء فى أقل الجزية وقال ﷾: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] أجمل الله تعالى وكذلك ذكر العدد الذى ينعقد به الجمعة حتى اجتهد العلماء فيه وقال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ
_________________
(١) ١ اعلم أن المجمل لغة: هو المجموع يقال: أجملت الشيء جمعته ومنه أجمل الحساب جمعه وفي الاصطلاح عرف بتعريفات كثيرة نقتصر منها على تعريفين: أحدهما: هو ما لم تتضح دلالته أي له دلالة غير واضحة. وثانيهما: اللفظ الذي أطلق لم يفهم منه شيء انظر نهاية السول ٢/٦١ إحكام الأحكام ٣/٩ المحصول ١/٤٦٣/٤٦٤ البرهان ١/٤١٩ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٣. ٢ انظر إحاكم الأحكام للآمدي ٣/١١ المعتمد ١/٣٠٦ نهاية السول ٢/٢٠٩ روضة الناظر ١٥٩ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٩. ٣ انظر إحكام الأحكام للآمدي ٣/١٣.
[ ١ / ٢٦٣ ]
مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] فأجمل الله تعالى نفقة السر وجاءت فى أكثرها وأوسطها وأقلها حتى اجتهد العلماء فى ذلك فهذا وأنواعه من المجمل الذى يوصل إلى بيانه من أصول أدلة الشرع.
فإن قال قائل ما حكم المجمل قبل ورود البيان.
قد قالوا: أن التزام المجمل قبل بيانه واجب والدليل عليه أن النبي ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن قال: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله فإن أجابوك فأعلمهم أن فى أموالهم حقا يؤخذ من أغنيائهم ويرد فى فقرائهم" ١ فقد أوجب عليهم التزامها قبل بيانها.
واختلف أصحابنا فى كيفية التزامها قبل البيان.
فقال بعضهم إنهم يتعبدون قبل البيان بالتزامه بعد البيان.
وقال بعضهم إنهم يتعبدون قبل البيان بالتزامه مجملا وبعد البيان بالتزامه مفسرا ومن وجوه المجمل ما يكون المجمل فى بعض الخطاب فيكون مقتضيا لإجمال صيغة وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] لما كان الحق مجملا صار ما نهى عنه من القتل مجملا ومثل هذا قول النبي ﷺ: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا"٢ لما كان الحرام والحلال مجملين صار المراد بالصلح مجملا.
ومن المجمل ما لا يكون إجمال بعضه مقتضيا إجمال باقيه وهو أن يكون بعضه مستقلا بنفسه وبعضه مفتقرا إلى البيان كقوله تعالى: ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] فالجنب مجمل والغسل مفتقر لا يصير بإجمال الجنابة مجملا ويكون البيان إذا ورد مقصورا على موضع الإجمال.
وأما المفسر فهو المنصوص ومحاويها ومفهوماتها المستقلة بأنفسها فلا تحتاج إلى بيان بظهور معناه بنفسه.
وحد المفسر ما يفهم منه المراد به وقيل ما يعرف معناه من لفظه وكل خطاب استقل بنفسه وعرف المراد به فهو من المفسر الذى يستغنى عن البيان.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه. ٢ أخرجه أبو داود الأقضية ٣/٣٠٢ ح ٣٥٩٤ والترمذي الأحكام ٣/٦٢٥ ح ١٣٥٢ وابن ماجه الأحكام ٢/٧٨٨ ح ٢٣٥٣.
[ ١ / ٢٦٤ ]