وذهب بعض الأصوليين إلى التوقف وهو اختيار أبى الحسين البصرى صاحب المعتمد٢.
ومثال التقييد بالاستثناء قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ يتناول الكبيرة العاقلة وأول الآية عام فى الصغيرة والكبيرة والعاقلة والمجنونة.
ومثال التقييد بالصفة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ إلى أن قال: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] تعنى الرغبة فى مراجعتهن وهذا خاص فى الرجعة وأول الآية عام فى الرجعية والبائنة.
ومثال التقييد بحكم قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ثم قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] وهذا لا يكون إلا فى الرجعية أيضا وأول الآية عام فى البائنة والرجعية.
ومثال الشرط قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] فقوله تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ خاص وقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ عام والتقدير واللائى يئسن من المحيض من نسائكم فعدتهن ثلاثة أشهر وأن ارتبتم فالأول على عمومه وأن عقبه بشرط يخص البعض دون البعض.
_________________
(١) ١ ثبت في الأصل "ينافي" ولعل الصواب ما أثبتناه. ٢ وهو مذهب قاضي القضاة وقال صاحب المعتمد والأولى عندنا التوقف في ذلك انظر المعتمد ١/٢٨٣.
[ ١ / ٢٠٤ ]
ووجه ما ذكرنا أن اللفظ العام يجب إجراره على عمومه إلا أن يضطرنا شىء إلى تخصيصه وكون آخر الكلام مخصوصا لا يضطر إلى تخصيص أوله فإن ادعى المخالف لهذا ضرورة وقال أن الكناية ترجع إلى جميع ما تقدم لأن قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ معناه إلا أن يعفوا النساء اللوائى طلقتموهن ولو أن الله تعالى صرح بذلك دل ذلك أن النساء المذكورات فى أول الكلام هن اللوائى يصح منهن العفو.
ألا ترى أن من قال من دخل الدار من عندى ضربته إلا أن يتوبوا انصرف ذلك إلى جميع العبيد وجرى مجرى أن نقول إلا أن يتوب عبيدى الداخلون الدار والجواب أن هذا كله لا يوجب ضرورة لأن الضرورة المخصصة هى وجود التنافى بين ظاهر العموم وبين الدليل المخصص ومعلوم قطعا أنه لا ضرورة فى مثل هذا فى مسألتنا لجواز أن يريد المخاطب الاستيعاب من أول الآية ثم يعقبه باستثناء أو صفة تخص تعيين من أريد بالاستيعاب وهذا غير ممتنع بوجه ما فلم تثبت المنافاة وإذا لم تثبت المنافاة يظل التخصيص وأجرى الكلام الأول على عمومه وقد قال من يقول: بالوقف أن هذا العموم المقدم يقتضى الاستغراق فظاهر الكناية يقتضى الرجوع إلى كل ما تقدم فليس التمسك بظاهر العموم والعدول عن ظاهر الكناية بأولى من التمسك بظاهر الكناية والعدول عن ظاهر العموم وإذا لم يكن أحدهما بأولى من الآخر وجب التوقف والجواب عن هذا بالطريق الذى سبق وهذا لأن اللفظ الأول ظاهر فى العموم وما نرى لما ذكروا من الكناية ظاهرا يمكن التوقف فى الظاهر الأول.
مسألة المعطوف لا يجب أن يضمر فيه جميع ما يمكن إضماره مما فى المعطوف عليه بل إنما يضمر مما فى المعطوف عليه بقدر ما يفيد ويستقل به.
وعند أصحاب أبى حنيفة يضمر فيه جميع ما سبق مما يمكن إضماره ومثال هذا الاستدلال بقوله ﷺ: "لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد فى عهده" ١ فعندنا يضمر ولا يقتل ذو عهده على معنى المنع من القتل وعندهم يضمر ولا يقتل ذو عهد فى عهده بكافر٢ فعلى هذا قالوا: أن الكافر الذى لا يقتل به ذو العهد هو الحربى فيكون قوله.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود الديات ٤/١٧٩ ح ٤٥٣٠ والنسائي القسامة ٨/١٨ باب القود بين الأحرار والمماليك في النفس وابن ماجه الديات ٢/٨٨٧ ح ٢٦٦. ٢ انظر المعتمد ١/٢٨٥.
[ ١ / ٢٠٥ ]
لا يقتل مؤمن بكافر المراد به الحربى.
واستدل من ذهب إلى هذا فقال أن النبي ﷺ قال لا يقتل مؤمن بكافر وعطف على ذلك قوله ولا ذو عهد فى عهده بكافر ومعلوم أن ذا العهد يقتل بالذمى ولا يقتل بالكافر الحربى فكان قوله لا يقتل مؤمن بكافر معناه بكافر حربى لأن المضمر فى المعطوف هى المظهر فى المعطوف عليه فإذا كان المضمر فى المعطوف مخصوص فى الحربى فيجب أيضا تخصيص المعطوف عليه بالحربى قالوا: ولا يجوز أن يقال أن الكلام يفيد ويستقل بإضمارنا قوله ولا يقتل فلا يزاد عليه لأن الإضمار لا يقف على ما يستقل عليه الكلام بل يضمر فيه جميع ما سبق.
ألا ترى أن الإنسان لو قال لا يقتل اليهود بالحديد ولا النصارى كان معناه ولا يقتل النصارى بالحديد ولا يقتصر فيه على إضمار القتل فقط وإن كان يستقل به.
وكذلك لو قال رجل لغيره لا تشتر اللحم بالدراهم الصحاح ولا الخبز كان معناه ولا تشتر الخبز بالدراهم الصحاح وإنما كان كذلك لأن العطف يفيد اشتراك المعطوف والمعطوف عليه فى حكم المعطوف عليه وحكم المعطوف عليه فى المثال الأول المنع من القتل بالحديد لا المنع من القتل أصلا وفى المثال الثانى حكم المعطوف عليه هو المنع من شراء الخبز بالدراهم الصحاح لا المنع من الشراء بالدراهم على الإطلاق لأن المنع من الشراء على الإطلاق غير مذكور فلا يتصور فيه مشاركة كذلك هاهنا المنع من القتل ابتداء غير مذكور فلا يتصور المشاركة فيه.
ودليلنا فى أن المعطوف إنما يضمر فيه من المعطوف عليه ما يستقل به ويفيده وهذا لأن فقد استقلاله وعدم فائدته أوجب الإضمار فلا يجب من الإضمار إلا قدر ما يستقل به ويفيده ومعلوم أن قوله ولا ذو عهد فى عهده يستقل ويفيد بإضمارنا قوله ولا يقتل فلا يراد لأنه تكون الزيادة إضمارا من غير حاجة إلى الإضمار يدل عليه أنا إذا أضمرنا الكافر فى قوله ولا ذو عهد فى عهده حتى يكون معناه وال يقتل ذو عهد فى عهده بكافر ثم وجب بدليل أن يكون ذلك مخصوصا فى الحربى ولم يجب أن يكون قوله لا يقتل مؤمن بكافر مخصوص فى الحربى.
ألا ترى أن النبي ﷺ لو صرح وقال: "لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد فى عهده بكافر" ثم علمنا بدلالة أن ذلك مخصوص فى الحربى لم يجب أن يكون أول الكلام مخصوصا فى الحربى فإذا قام مثل هذه الدلالة يكون معنى الأول لا يقتل مؤمن بكافر.
[ ١ / ٢٠٦ ]
بحال ومعنى الثانى ولا يقتل ذو عهد فى عهده بكافر ثم قام الدليل أن المراد من الكافر فى قوله ولا ذو عهد فى عهده كافر حربى وهذا غير مستنكر ولا مستبدع فجاز الحمل عليه كما يجوز إذا ظهر وقام الدليل.
قالوا: أن العطف يفيد اشتراك المعطوف والمعطوف عليه فى حكمه وحكمه هو الذى عناه المتكلم بلفظه وإذا زاده دون ما لم يعنه فلو كان الكافر المذكور فى المعطوف عليه عاما وفى المعطوف خاصا لم يجعل العطف مفيدا اشتراكهما فيما قصده المتكلم لأنه قصد بأول الكلام العموم وبآخره الخصوص.
قالوا: وليس كما لو أظهر وقام الدليل لأن الثانى يصير بمنزلة كلام مبتدأ وهاهنا لا يمكن أن يجعل بمنزلة كلام مبتدأ لأنه غير مستقل بنفسه واعترضوا على الكلام الأول بما ذكرنا فى دليلهم.
والجواب أن الواو يوجب العطف فى اللفظ وجعلنا المعطوف والمعطوف عليه مشتركين فى قوله لا يقتل وإذا اشتركا فى هذا اللفظ أفاد العطف فائدته من الاشتراك ثم بعد ذلك يكون الحكم بحسب ما يقوم عليه الدليل صار هذا كما لو أظهر قوله ولا يقتل ذو عهد فى عهد بكافر ثم قام الدليل أن المراد بالكافر فى قوله ولا ذو عهد فى عهده هو الحربى فلا يوجب ذلك أن يكون المراد لا يقتل مؤمن بكافر هو الحربى فقد جاز هذا الاختلاف مع وجود الواو العاطفة وكان العطف مفيدا للاشتراك فى قوله ولا يقتل وأن اختلف الاختلاف الذى ذكرناه وقوله أن ذلك مبتدأ قلنا إنما جعله مبتدأ لأنه يستقل بنفسه وهاهنا إذا أضمرنا مما سبق قوله لا يقتل قد استقل فلا معنى لإضمار الزيادة.
فإن قيل المتكلم إنما يقصد بالعطف اشتراكهما فى الحكم الذى قصده دون العطف قلنا ولم فهل الخلاف إلا فى هذا فعندنا يجوز أن يكون قصده اشتركهما فى اللفظ المذكور دون حكم المقصود.
فإن قيل كيف يقصد لفظا بلا معنى قلنا صح القصد إلى الاشتراط فى اللفظ وصار بمنزلة المصرح به ثم كل يفيد فائدته وهذا لأن كلا الكلامين لم يخل عن فائدته.
ويمكن أن يجاب عن كلامهم الأول فيقال أن الكلام كان يكون صحيحا على ما ذكروا أن لو كان قال ولا ذو عهد واقتصر عليه فلما قال فى عهده وجب أن.
[ ١ / ٢٠٧ ]
يفيد هذه الزيادة فائدة محدودة وليس ذلك إلا المنع من قتله ابتداء لعهده ونظير هذا أن لو قال القائل لا تقتلوا اليهود بالحديد ولا النصارى فى الأشهر الحرم كان معناه لا تقتلوا اليهود بالحديد ولا النصارى فى الأشهر الحرم أصلا ولا يكون ولا تقتلوا النصارى فى الأشهر الحرم بالحديد.
ببينة: أنه لو قال بدل قوله ولا ذو عهد فى عهده ولا رجل فى عهده لا قتضى أن لا يقتل رجل فى عهده بحال ليكون قوله فى عهده يفيد فائدة محدودة كذلك فى قوله ولا ذو عهد فى عهده يكون المعنى هذا أيضا.
واعلم أن الكلام للخصم ظاهر جدا وهذا الذى قلناه غاية الوضع وتمشيته ممكنة والكلام الذى ذكرناه من قبل أحسن فى التمشية وقد ذكرنا فى الخلافيات أن الخبر قد صح وروده مطلقا برواية على ﵁ من غير هذه الزيادة واحتجاجى فى مسألة قتل المسلم بالذمى وعند ذلك لا نحتاج إلى الخوض فيما قلنا والله أعلم.
[ ١ / ٢٠٨ ]