القول في القياس وما يتصل به
اعلم أن أحكام الشرع مأخوذة من وجهين: وجه سمع ووجه معقول.
فأما السمع فعلى ثلاثة أضرب كتاب وسنة وإجماع وقد استقصينا شرح أقسامها وأحكامها.
وأما المعقول فالقياس وقد قيل: إن القياس على ضربين عقلى وشرعى.
فالقياس العقلى ما استعمل في أصول الديانات
والقياس الشرعى ما استعمل في فروع الديانات ومعنى ذلك ما ورد التعبد من الأحكام.
وقد ذكر كثير من أصحابنا في ابتداء الكلام في القياس مسألة في القياس العقلى وذكروا الخلاف في هذه المسألة بين الأصوليين وبين عامة المجتهدين أهل الرواية وأهل السلامة من الفقهاء فالأصوليين من المتكلمين وسائر من تبعهم أثبتوا القياس العقلي وأمروا به وزعموا أنه معرفة أهم الأشياء وزعموا في حده أنه رد غائب إلى شاهد ليستدل به عليه وأما أهل الرواية وعامة أئمة الحديث وكثير من الفقهاء اختاروا السلامة في هذا الباب وسلكوا طريقة السلامة ونهوا عن ملابسة الكلام وطلبوا الحق بطريقة وزعموا له علم يحدث وفن يخترع بعد انصرام زمن الصحابة والتابعين وأنكروا قول أهل الكلام في أن أول ما يجب على الإنسان النظر. وقالوا: إن أول ما يجب على الإنسان هو معرفة الله تعالى على ما ورد به الإخبار ولو قال الكافر: أمهلونى لأنظر وأبحث فإنه لا يمهل ولا ينظر ولكن يقال له أسلم في الحال وإلا فأنت معروض على السيف ولا أعرف في هذا خلافا بين الفقهاء ونص عليه ابن سريج وقد ذكرنا في كتاب الانتصار لأصحاب الحديث واخترنا طريقة السلف وما كانوا عليه في هذا الباب ونقلنا عن عامة الأئمة ما يوافق ما اخترناه وذكرناه أيضا أنا لا ننكر من النظر بقدر ما أذن فيه الشرع على ما يوافق الكتاب والسنة وهذا الكتاب إنما قصرناه على محض أصول الفقه وليست هذه المسألة من باب أصول الفقه فلا معنى لذكرها فيها رجعنا إلى الكلام في القياس الشرعى فنقول قبل أن نشرع في إثباته: ان اثبات الشئ إنما يكون بعد معرفة معناه نذكر أولا الكلام فيما أخذ منه القياس من حيث اللغة ثم نذكر حده أما الكلام
[ ٢ / ٦٨ ]
فيما أخذ منه القياس فنقول في اللغة وفى قول بعضهم: مأخوذة من الإصابة من قولهم: قست الشئ إذا أصبته فسمى القياس قياسا لأن القائس يصيب به الحكم وقال بعضهم: إنه مأخوذ في اللغة من المماثلة من قولهم: هذا قياس هذا أي ومثله وسمى القياس قياسا لأنه الجمع بين المتماثلين في الحكم١.
وأما حد القياس فقال بعضهم: هو حمل معلوم على معلوم في أيجاب بعض أحكامه بأمر يجمع بينهما وقال بعضهم: حمل شىء على شيء في بعض أحكامه بوجه
_________________
(١) ١ اعلم أن القياس في اللغة كما قال الآمدي والأسنوي: عبارة عن التقدير ومنه قست الأرض بالقصة وقست الثوب بالذراع أي قدرته به قال الأسنوي: يقال قاس الثوب بالذراع يقيسه قيسا وقياسا إذا قدرته به. والتقدير يستدعي التسوية وذكر الآمدي أنه يستدعي أمرين يضاف أحدهما إلى الآخر بالمساواة وإضافة بين شيئين لأن التقدير معرفة قدر الشيء بشيء آخر مساوو له ولو بالتضعيف ولكونه يستلزم المساواة يستعمل فيها المساواة مجازا لغويا ولهذا يقال في اللغة: فلان يقاس بفلان ولا يقاس به أي: يساويه أو لا يساويه. وعلى هذا اكون المساواة لازمه للتقدير واستعمال القياس في المساواة مجاز لغوي من إطلاق اسم الملزوم على اللازم. وقال بعض الأصوليين: إنه حقيقة عرفية في المساواة. القياس يطلق لغة على أمور ثلاثة: أ- التقدير: تقول قست الثوب بالذراع أي: قدرته به. ب- المساواة: وهي قد تكون حسية أو معنوية. فالحسية مثل قولهم: قست النعل بالنعل ساويته به والمعنوية كقولك: فلان لا يقاس بفلان أي لا يساويه في فضله وشرفه والمساواة المعنوية هي المرادة للأصوليين إذا قالوا: القياس مساواة أو فيه مساواة فرع الأصل في علة حكمه. جـ- ويطلق على التقدير والمساواة معا - أي المجموع منهما إذا قصد الدلالة على التقدير وثبوت المساواة عقيب التقدير ومثال ذلك: قست النعل بالنعل أي/ قدرته به فساواه. وعلى هذا فيكون القياس مشتركا لفظيا بين هذه الثلاثة التقدير والمساواة والمجموع أو المركب من التقدير والمساواة. أنه حقيقة في التقدير فقط وتحته فردان:
(٢) استعلام القدر أي طلب معرفة قدر الشيء مثل: قست الثوب بالذراع.
(٣) التسوية في مقدار مث: قست النعل بالنعل سويتها بها في المقدار انظر إحكام الأحكام للآمدي"٣/٣٦١" نهاية السول "٤/٢" فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت "٢/٢٤٦" الصالح في مباحث القياس عند الأصوليين للشيخ سيد صالح "٥، ٦، ٧".
[ ٢ / ٦٩ ]
من الشبه١ وهذان منقولان عن المتكلمين والفقهاء قالوا: حمل فرع على أصل في بعض أحكامه بمعنى يجمع بينهما وقد بسط بعضهم هذا الحد فقال: القياس طلب أحكام الفروع المسكوت عنها من الأصول المنصوص عليها بالعلل المستنبطة من معانيها ليلحق كل فرع بأصله حتى يشركه في حكمه لاستوائهما في المعنى والجمع بينهما بالعلة ذكره على هذا الوجه القاضي أبو الحسن الماوردى.
وقال بعض المتقدمين: هو اعتبار الشئ بغيره٢.
وقال بعضهم هو موازنة الشئ بالشيء٣.
وحكوا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه لما سئل عن ميقات أهل المشرق فقال ما حاذاه من المواقيت؟ قالوا: قرن. فقال: قيسوا به٤. يعني اعتبروا به وهذان الحدان فيهما إجمال لأنهما لا يعبران عن صفة القياس في أحكام الشريعة والمقصود ها هنا هو
_________________
(١) ١ وقد ذكره الشيخ الآمدي وعزاه للقاضي عبد الجبار وأبطله من وجهين: الأول: أنه غير جامع لأنه يخرج منه القياس الذي فرع معدوم ممتنع لذاته فإنه ليس بشيء. الثاني: أن حمل الشيء على غيره وإجراء حكمه عليه قد يكون من غير جامع فلا يكون قياسا وإن كان بجامع فيكون قياسا وليس في لفظه مايدل على الجامع فكان لفظه عاما للقياس ولما ليس بقياس انظر إحكام الأحكام للآمدي "٣/٢٦٤، ٢٦٥". ٢ وقد ذكره الشيخ الآمدي وعزاه لأبي هاشم وأبطله بالوجهين السابقين أيضا انظر إحكام الأحكام "٣/٢٦٤". ٣ وقد عرفه البيضاي بأنه إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لا شتراكهما في علة الحكم عند المثبت انظر نهاية السول "٤/٢". وقد أورد الشيخ الآمدي عدة تعرفات للقياس: أولا: إنه عبارة عن إصابة الحق. ثانيا: أنه بذل الجهد في استخراج الحق. ثالثا: إن القياس هو التشبيه. رابعا: هو الدليل الموصل للحق. خامسا: هو العلم الواقع بالمعلوم عن النظر. سادسا: قال القاضي أبو بكر: القياس حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عرفه أبوالحسين البصري بأنه تحصيل حكم الأصل في الفرع لا شتباههما في علة الحكم عند المجتهد انظر المعتمد "٢/١٩٥". ٤ أخرجه البيهقي في الكبرى في الحج "٥/٤٠، ٤١" ح "٨٩١٣".
[ ٢ / ٧٠ ]
العبارة عن القياس في الأحكام الشرعية١ وهو على التفسير الذي ذكرناه. وقد يقول القائل: قست الأرض معناه ذرعتها بمقياس مهيئ للذرع وبينى وبين فلان قيس رمح أى قدر معتبر بقدر رمح الحد الصحيح ما ذكرناه فيما سبق وقد قال بعضهم: إن القياس فعل القائس وليس هذا بشيء لأنه لو كان ذلك صحيحا لوجب أن يقال: كل فعل يفعله القائس من القيام والقعود والمشي قياس وهذا لا يقوله أحد. فإن قال قائل: ما قولكم في الاجتهاد وهل هو والقياس واحد؟ قيل: نقول أولا: إن الاجتهاد مأخوذ من إجهاد النفس وكدها في طلب الزاد كما أخذ جهاد العدو من إجهاد النفس في قهره وهل هو والقياس واحد وهما مختلفان اختلفوا فيه فقال أبو علي بن أبى هريرة إن الاجتهاد والقياس واحد ونسبة إلى الشافعي وقال أشار إليه في كتاب الرسالة وأما الذي عليه جمهور الفقهاء هو أن الاجتهاد غير القياس وهو أعم لأن القياس يفتقر إلى الاجتهاد وهو من مقدماته وليس الاجتهاد يفتقر إلى القياس واختلفوا في حده فقال بعضهم: هو بذل المجهود في طلب الحق بقياس وغيره قالوا: والقياس ضرب من ضروب الاجتهاد وهو أخص منه وقال بعضهم: الاجتهاد وهو طلب الصواب بالأمارات الدالة عليه والقياس هو الجمع بين الفرع والأصل والحد الأول حسن جدا وقيل إنه يدخل في باب الاجتهاد حمل المطلق على المقيد وترتيب العام على الخاص وأمثال ذلك وليس بشئ من هذا بقياس فإن قال قائل ما قولكم فلا الاستدلال هل هو قياس أم لا قلنا: الاستدلال طلب الحق بدليل معانى النصوص وقيل استخراج الحق وتمييزه من الباطل وقيل كل ما استخرج به الحق حتى يمتاز به عن الباطل وقد حكى عن الشافعى رحمة الله عليه أنه سمى القياس استدلالا لأنه فحص ونظر فإن قال قائل ما قولكم في الأمارة هل هي قياس؟ قيل له: الأمارة من حيث اللغة هى العلامة وقال بعضهم: الأمارة هى التي النظر الصحيح فيها٢ يؤدى إلى الظن واعلم أن الأمارة قد تكون قياسا وقد تكون غير قياس وللأمارة تقسيمات وستأتى من بعد وحين عرفنا القياس وحده فنتكلم الآن في بيان كونه دليلا.
_________________
(١) ١ ثبت في الأصل: "الشريعة". ٢ ثبت في الأصل "فيما" ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ٢ / ٧١ ]
مسألة: ذهب كافة الأمة من الصحابة والتابعين وجمهور الفقهاء إلى أن القياس الشرعى أصل من أصول الشرع:
ويستدل به [على] ١ الأحكام التي لم يرد بها السمع وذهب طائفة إلى إبطال القياس وقالوا: لا يجوز أن يستدل به على حكم في فرع وهذا قول إبراهيم النظام ومن تبعه وهو قول داود بن على ومن تبعه من أهل الظاهر والقاشانى والمغربى والقيروانى وهو قول الشيعة أيضا واختلف هؤلاء في طريق نفيه فقال بعضهم إن التعبد بالقياس قبيح من حيث الفعل وإنما بطل القياس لأن العقل مانع منه ولو لم يمنع منه جاز أن يرد الشرع به وقال بعضهم: لا يقبح من حيث العقل ولكن الشرع منع منه ولو لم يمنع كان جائزا وقال بعضهم: إنما بطل لأن الشرع لم يرد به ولو ورد به كان جائزا وقال بعضهم: إنما بطل القياس لضعف البيان الحاصل به وقال بعضهم إنما بطل لأن [الشرعيات] ٢ مصالح والمصالح لا يعلمها إلا الله ﷿ وهذا قول النظام. وقال بعضهم: إنما بطل لأنه كان حجة ضرورة ولا ضرورة في كون القياس حجة٣.
_________________
(١) ١ ثبت في الأصل "عن" والصحيح ما أثبتناه. ٢ كشط في الأصل. ٣ قد ذكر المصنف الأدلة ولكننا نصوغها بطريقة أخرى للتسهيل على القارئ: اتفق الأصوليون على أن القياس حجة في الأمور الدنيوية لأنه يفيد الظن بالحكم والظن كاف فيها واختلفوا في كونه حجة في الأمور الشريعة:
(٢) فذهب الجمهور إلى أن التعبد به جائز عقلا ويجب العمل به شرعا فقط.
(٣) وقال القفال الشاشي من الشافعية وأبو الحسين البصري من المعتزلة: إن العمل به واجب شرعا وعقلا لا فرق في المذهبين بين أن يكون القياس منصوص العلة وغير منصوصها ولا بين أن يكون جليا ولا خفبا.
(٤) وذهب القاشاني والنهرواني وداود بن علي الأصفهاني إلى أن التعبد بالقياس واجب شرعا في صورتين وفيما عداهما يحرم العمل به ولا دخل للعقل في الإيجاب ولا في التحريم. يقول الشارع: الخمر حرام للإسكار فيقاس النبيذ عليها. الصورة الثانية: أن يكون الفرع بالحكم أولى من الأصل مثل قياس الضرب على التأفف بجامع الإيذاء ليثبت له التحريم فإن الضرب أقل بالتحريم من التأفيف لشدة الإيذاء فيه.
(٥) وقال ابن حزم الظاهري وأتباعه إن التعبد بالقياس جلئز عقلا ولكن الشرع لم يوجد فيه ما يدل على وجوب العمل به.
(٦) وقال الشيعة الإمامية والنظام في أحد النقلين عنه أن التعبد بالقياس محال عقلا انظر نهاية السول "٤/٧، ٨، ٩ط فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت "٢/٣١٠" المستصفى للغزالي "٢/٢٣٤" المعتمد "٢/٢١٤" المحصول "٢/٢٤٥" روعة الناظر "٢٥١" أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير "٤/١٧، ١٨".
[ ٢ / ٧٢ ]
وإذا عرف هذا فنقدم أولا:
مسألة: بيان حسن التعبد بالقياس عقلا:
ولأنه لا مانع من حيث العقل ثم نذكر ورود التعبد من حيث السمع ونقدم شبههم في الفصلين.
احتج من قال: إن التعبد بالقياس يجوز من حيث العقل قال: لأن الشرعيات مصالح والمصالح لا تعلم إلا بالنصوص فأما بالأمارات المفيدة للظنون لا تعرف لأنها ربما أخطأت وربما أصابت ولا يجوز أن نتعبد الحكيم في المصالح بما يجوز أن يخطئ المصالح وأيضا فإن القياس فعلنا ولا يجوز أن نتوصل إلى المصالح بفعلنا.
ببينة: أنه لو جاز الحكم في الشرعيات بالظنون عن أمارات لجاز أن نخبر أن زيدا في الدار إذا دلت الأمارة على كونه فيها وحين لم نخبر دلت أن القول بالظن باطل قالوا: ولأن جلى الأحكام الشرعية لا يعرف إلا بالنصوص فلم يجز إثبات خفيها إلا بالنص أيضا لأن ما علم جليه بطريق فخفيه لا يعلم إلا بذلك الطريق كالمدركات لا نعلم جليها وخفيها إلا بإدراك قالوا: ولأنه لو كان للشرعيات علل لكانت كالعلل العقلية في استحالة انفكاكها من أحكامها في كل حال إلا ترى أن الحركة لما كانت علة تحرك الجسم استحال وجود الحركة وليس الجسم المتحرك وإذا لم ينفك من أحكامها كان في ذلك ثبوت الأحكام الشرعية قبل الشرع وقالوا ولأن العقل كالنص في أنه يدل على حكم الحادثة فكما لا يجوز أن يتعبدنا الله تعالى بالقياس المخالف للنص المعين لا يجوز أن يتعبدنا بالقياس المخالف حكم العقل وكل حادثة فلها حكم في العقل فإذا لا يجوز التعبد فيها بالقياس قالوا: ولأن القياس لو كان صحيحا لكان حجة مع النص كالخبر حجة مع الكتاب وحين لم يكن حجة مع النص دل أنه ليس بحجة أصلا قالوا: ولأن أحكام الشرع لو كانت معلومة وجب أن يكون جميعها معلولة كما كان جميعها حجة مشروعة ولما خرج بعضها من التعليل إجماعا دل أن كلها خارج لأن صنعه السمع في جميعها على السواء هذا بعض شبههم من حيث المعقول وسنبين ما يدعون من السمع
[ ٢ / ٧٣ ]
المانع منه ويدخل في ذلك تقرير بعض ما ذكرنا من قبل وتعلقوا بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٥١] فأخبر الله تعالى أن الكتاب كاف فمن لم يكتف به إلا بالقياس فقد خالف وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] والقياس الذى نستنبطه نحن من آرائنا ليس مما أنزل الله تعالى بل ذلك مما ولده رأينا وإنما المنزل كتاب الله وسنة رسوله فإنه ما كان ينطق عن الهوى إنما ما كان ينطق عن الوحى وقال ﷾ في صفة كتابه: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وقال: ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ فأخبر أن الكل بيانه في كتاب الله ﷿ إما في نصه أو في إشارته أو أقتضائه أو دلالته فإن لم يوجد فالابقاء على الأصل الثابت من وجود أو عدم فإن ذلك في كتاب الله تعالى قال الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] الآية فالله تعالى أمر بالاحتجاج بعدم نزول التحريم في كتاب الله تعالى لثبوت الإباحة كالأصلية وقد ذكرنا هذا من قبل فيصير على هذا كل تاأحكام من رطب ويابس بيانه موجودا في كتاب الله تعالى فيبقى الرأى مستعملا لتعرف الحكمة التي فيها علم المصلحة عاقبة وهى مما لا توقف عليها بالرأى والإجماع لأن المصلحة في كل ما شرع الله تعالى من الأحكام التي هى النجاة في الآخرة وبالآراء لا تدرك مصالح الآخرة وإنما تدرك به المصالح العاجلة التي يوقف عليها بالحواس والتجارب. فتعرف نظائرها بالقياس وتعلقوا أيضا بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وقال: ﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ والقياس لا يفيد العلم فيكون قولا باطلا وأما خبر الواحد فأصله كلام النبى ﷺ وهو يوجب العلم يقينا وإنما دخل الشك والاحتمال في الانتقال الينا فلا يبطل أصل الخبر بهذا الاحتمال وكان هذا بمنزلة النص المأول بالرأى من كتاب الله تعالى على بعض ما يقتضيه لسان العرب فإنه حجة ولا يوجب العلم لأنه في أصله موجب وأما القياس في الأصل محتمل فلا يصير حجة مع الاحتمال. قالوا: وليس يدخل على هذا تعرف جهة القبلة وبيان قدر مهر المثل وقيمة المستهلك حيث تعرف١ هذه الأشياء بالرأى لأن معرفة جهات البلدان من مصالح الدنيا ومما يوقف عليه بالحواس وكذلك قيمة الشئ تعرف بمعرفة النظائر وطريق العلم بها حس البصر وهذا كما أن الله تعالى أخبرنا بإهلاك كثير ممن مضى من الأمم وأمرنا بالاعتبار بها وذلك يكون
_________________
(١) ١ ثبت في الأصل "يتعرف" وهذا هو الصواب.
[ ٢ / ٧٤ ]
بالرأى لأن المقصود من ذلك معرفة هلاك مثله بمثل ذنبه وتلك المعرفة إما بحس العين أو بحس الأذن وكان الاحتراز من مثل سببه من مصالح الدنيا وحل ذلك محل الاحتراز عن تناول ما يتلفه مما وقف على تلف مثله يتناوله ومثل الاحتراز عن سيف يقع عليه لعلمه بقطعته. فلم تكن معرفة هذه الأشياء من أحكام الشرع. قالوا: فالله تعالى قد أكرم الآدمى بالرأى لكن ليستدرك به مصالح عاجلة ليبقى إلى جنبه المضروب له بتدبيره وجعل طريق استدراكه للوقوف على نظير ما عمله سببا من خير أو سوء وكان الرأى حجة للآدمى في أمثال هذا. فأما الشريعة فما شرعت إلا الآخرة وتلك المصالح تثبت على خلاف مصالح الدنيا فلا يكون الرأي فيها حجة ولأنا متى لم نصل إلى تلك المصالح بحواسنا وهى طريق العلم لنا في الأصل لم نقف على نظائرها بالرأى يلزمنا وجوب التأمل في معانى النصوص لأن معانيها لغة من أمور الدنيا وهى مما يوقف عليها بحاسة السماع من أهلها ولم يكن هذا من الشريعة في شئ فإن قيل: فإنها كانت قبل الشرع وإنما أنكر استنباط المعنى الذي يتعلق به حكم الشرع فإنه من أمور الآخرة فثبوت الحكم على ما ثبت من حظر أو إباحة حق الله تعالى وليس هو من معانى اللسان في شيء. قالوا: فتحمل الآيات الوارده بالأمر بالتفكر والاعتبار على هذا القبيل وتحمل النصوص التي نهت عن العمل بالرأى وألزمت اتباع الوحى على أحكام الشرع وعلى هذا تحمل مشاورة النبى صلى الله عليه [وسلم] ١ أصحابه فإن الله تعالى أمره بها في تدبير الحرب وقد شاورهم فيها والوقوف على جهة الغلبة من مصالح الدنيا وما هو بحكم شرعى والنبى صلى الله عليه [وسلم] ٢ ما شاور أحدأ في حكم من أحكام الشرع بحال. هذه الكلمات من الآية المذكورة كلمات ذكرها القاضى أبو زيد في كتابه حجة لهم. رجعنا إلى ما ذكرناه آية الأصوليين لبقاء القياس من الدلائل الشرعية في المنع منه وتعلقوا من الكتاب سوى ما ذكرناه بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] ولم يقل إلى القياس فتضمنت الآية نفيه وقال ﷾: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦] والقياس مفترى وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا
_________________
(١) ١ زيادة ليست في الأصل. ٢ زيادة ليست في الأصل.
[ ٢ / ٧٥ ]
قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] والقياس يحل ويحرم فصار مفتريا على الله تعالى وتعلقوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] والقول بالقياس تقديم بين يدى الله ورسوله وتعلقوا بالأخبار ومنها ما روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبى ﷺ أنه قال: "إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعا ينزعه من الناس ولكن بقبض العلم بقض العلماء فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوسا جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" ١ والفتوى بالرأي فتوى بغير علم لأن الظن لا يكون علما بحال وروى واثلة بن الأسقع أن النبى صلى الله عليه [وسلم] ٢ قال: "لم يزل أمر بنى إسرائيل مستقيما حتى حدث فيهم أبناء السبايا فأفتوا برأيهم فضلوا وأضلوا" ٣.
وروى أبو هريرة أن النبى ﷺ قال: "تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله وبرهة بسنة رسول الله وبرهة بالرأى فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا" ٤.
وروى عوف بن مالك الأشجعى عن النبى ﷺ أنه قال: " تفترق أمتى على بضع وسبعين فرقة أضرها على أمتى يقيمون الأمور بآرائهم فيحللون الحرام ويحرمون الحلال" ٥.
وروى أبو الدرداء ﵁ أن النبى ﷺ قال: "الحلال ما أحل الله والحرام ما حرم الله وما سكت عنه فهو عفو" ٦.
وأما الآثار عن الصحابة تعلقوا بما روى عن أبى بكر الصديق ﵁ أنه قال: أي سماء تظلنى وأى أرض تقلنى إذا قلت في كتاب الله برأيى.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: العلم "١/٢٣٤" ح "١٠٠" ومسلم: العلم "٤/٢٠٥٨" ح "١٣/٢٦٧٣". ٢ زيادة ليست بالأصل. ٣ أخرجه ابن ماجة المقدمة "١/٢١" ح "٥٦" في الزوائد: إسناد ضعيف "عن عبد الله بن عمرو ابن العاص" بنحوه والدارمي: المقدمة "١/٦٢" ح "١٢٠" عن عروة بن الزبير بنحوه. ٤ ذكره الحافظ الهيثمي في المجمع "١/١٨٤" وقال: رواه أبو يعلى وفيه عثمان بن عبد الرحمن الزهري متفق على ضعفه. ٥ أخرج الطبراني في الكبير "١٨/٥٠- ٥١" ح "٩٠" وعزاه الحافظ الهيثمي في المجمع "١/١٨٤" إلى البزار –أيضا- وقال: رجاله رجال الصحيح والحاكم في المستدرك "٤/٤٣٠". ٦ أخرجه البيهقي في الكبرى "١٠/٢١" ح "٣٧٥" والدارقطني: سننه "٢/١٣٧" ح "١٢" والحاكم في المستدرك "٢/٣٧٥" وذكره الحافظ الهيثمي في المجمع "١/١٧٦" وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير وإسناده حسن رجاله موثوقون. انظر الدر المنثور "٤/٢٧٩".
[ ٢ / ٧٦ ]
وعن عمر ﵁ أنه قال: إياكم وأصحاب الرأى فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وثقلت عليهم السنن أن يعوها فقالوا برأيهم فضلوا وأضلوا١.
وعن علي ﵁ [قال] ٢: لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أحق بالمسح من ظاهره٣.
وعن ابن عمر ﵁ أنه قال: اتهموا الرأى على الدين فإن الرأى منا تكلف وظن وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا.
وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: إن عملتم في دينكم بالقياس أحللتم كثيرا مما حرم الله تعالى وحرمتم كثيرا مما أحل الله.
وأما الآثار عن التابعين روى عن ابن سيرين أنه قال: أول من قاس إبليس وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس٤.
وقال الشعبى ما حدثوك عن أصحاب محمد صلى الله عليه [وسلم] ٥ فأخبره وما أخبروك به عن رأيهم فألقه في الحش وفى رواية: فبل عليه٦.
وعن مسروق: لا أقيس شيئا إنما أخاف الله تعالى أن تزل قدم بعد ثبوتها٧ وفى هذا المعنى عن التابعين ومن بعدهم كثير.
وذكرنا أكثر من ذلك في كتاب الانتصار واستدل النظام فقال: إن الله تعالى دلنا بموضع الشريعة على أنه منعنا من القياس فإنه تعالى فرق بين المتفقين وجمع بين المتفرقين فأباح النظر إلى الأمة وحرم النظر إلى شعر الحرة وإن كانت شوهاء وأيضا
_________________
(١) ١ ذكره الحافظ ابن حجر في فتح البارئ من طرق الشعبي عن عمرو بن حريث عن عمر فذكره وقال: فظاهر في أنه أراد ذم من قال بالرأي مع وجود النص من الحديث لإغفاله التنقيب عليه فهلا بلام وأولى منه باللوم من عرف بالنص وعمل بما عارضه من الرأي وتكلف لرده بالتأويل وإلى ذلك الإشارة بقوله في الترجمة وتكلف القياس والله أعلم انظر فتح الباري "١٣/٣٠٢- ٣٠٣" "باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس". ٢ زيادة ليست بالأصل. ٣ أخرجه أبو داود: الطهارة "١/٤١" ح "١٦٢". ٤ أخرجه الدارمي: المقدمة "١/٧٦" ح "١٨٩". ٥ زيادة ليست بالأصل. ٦ أخرجه الدارمي: المقدمة "١/٧٨" ح "٢٠٠". ٧ أخرجه الدارمي: المقدمة "١/٧٦" ح "١٩١" بنحوه.
[ ٢ / ٧٧ ]
أباح النظر إلى وجه الحرة وحرم النظر إلى شعرها مع اتفاقهما في معنى الشهوة وربما يكون هيج الشهوة عن النظر إلى الوجه أكثر منه عند النظر إلى الشعر وأوجب الغسل من المنى١ دون البول وحرم الصلاة بالحيض٢ دون الاستحاضة٣ وأوجب على الحائض قضاء الصوم دون الصلاة٤.
ببينة: أن القياس ليس إلا تشبيه الشئ بالشيء.
وقد زعمتم أن التفريق بين المتشابهين٥ لا يجوز وقد وجد التفريق بينهما في غير موضع من أحكام الشرع بدليل هذه الصورة. بل قد ترك الشرع الأولى عند النظر في المعانى بدليل أن المني نجاسته دون نجاسة البول وأوجب بخروجه الغسل وأوجب بخروج البول الوضوء خاصة وأيضا فإن الله تعالى أوجب الحد على من رمى محصنا بالزنا٦ ولم يوجب على من رمى إنسانا بالكفر والشرك شيئا٧ والكفر فوق الزنا.
ببينة: أن الله تعالى جعل أحكام الشرع متباينة كمقادير العبادات والعقوبات والكفارات ولم يشرعها نظائر ليبين لنا أن الشرع باب لا مدخل للرأي فيه.
قالوا: ولأنه ما من فرع إلا ويشبه أصلين متضادي الحكم وذلك يقتضى ثبوت حكمين في محل واحد على وفق الشبه وهذا باطل فإذا القول بالشبه باطل.
قالوا: ولأن الإنسان لو قال لوكيله: أعتق عبدى سالما لأنه أسودا أو بريعا لأنه أبيض لم يجز أن يعتق في الأول كل عبد له أسود ولا في الثانى كل عبد له أبيض.
واحتج أبو زيد لهم أيضا فقال: إن أصل الشرع من أحكام الله تعالى في الإيجاب والإسقاط والإحلال والتحريم وهى كلها خالص حق الله تعالى لأنها حدود دينية وحق الله تعالى لا ينبغى أن يثبت إلا بحجة فاصلة موجبة للعلم قطعا لأن الله تعالى لا يشتبه عليه حق والرأى لا يوصلنا إلى ما عند الله تعالى.
_________________
(١) ١ قول عامة الفقهاء انظر المغنى "١/١٩٧". ٢ انظر المغنى "١/٣١٤". ٣ انظر المغنى "١/٣٢٤". ٤ انظر المغنى "١/٣١٤". ٥ في الأصل "المتشبهين" ولعل الصواب ما أثبتناه. ٦ ذكره ابن المنذر إجماعا انظر الإجماع لابن المنذر "١١٣". ٧ قال ابن المنذر: وأجمعوا على أنه إذا قال الجل للرجل: يابن الكافر وأبواه مؤمنان قد ماتا أن عليه الحد انظر الإجماع لابن المنذر "١١٣".
[ ٢ / ٧٨ ]
قال: وأما أخبار الرسول صلى الله عليه [وسلم] ١ فهى غير مختلفة وهى في أصلها موجبة للعلم وأنما اختلفت الرواية على ما سبق. قالوا: ولأن في منعنا٢ من القياس أمرين بهما قوام الدين ونجاة المؤمنين فإنا متى حجرنا عن القياس يلزمنا المحافظة على النصوص والتبحر في معانى اللسان وفى المحافظة على النصص إظهار قالب٣ الشريعة كما شرعه وفى التبحر في معاني اللسان إثبات حياة القالب فتموت البدع بظهور القالب ويسقط الهوى عند حياة القالب وهذا لأن القالب لا يحيا إلا باستعمال الفكر في معانى النصوص ومعانيها جمة وافرة لا تنزف بأول الرأى وأول الفكر وقد تفنى الأعمار ومعانى النصوص تبقى غير مستدركة فثبت أن في ترك القياس موت البدع وسقوط الهوى فتموت البدع تماما من الدين وبسقوط الهوى استقامة العمل وفيها الفوز والنجاة للناس فهذا الذي ذكرناه احتجاج نفاة القياس وسنجيب بعون الله تعالى ونبتدئ بإثبات كونه دليلا لله تعالى في أحكام الشرع من حيث المعقول ومن حيث السمع وإنما نذكر من حيث العقل على طريق الرد عليهم والمعتمد هو السمع وأما دلائلنا في إثبات القياس. قال أولا: ونبين أن العقل يدل على التعبد به. فنقول: إن مرادنا بقولنا: إن العقل يدل على ذلك هو أنا إذا غلب على ظننا بأمارة شرعية علة حكم الأصل. ثم علمنا بالعقل أو بالحس ثبوتها في شئ آخر فإن العقل يدل على قياس ذلك الشئ على ذلك الأصل بتلك العلة أما جواز قيام أمارة شرعية على علة حكم الأصل فهو أنا إذا علمنا أن قبح شرب الخمر تحصل عندشدتها وينتفي عند انتفاء شدتها كان ذلك يقتضى الظن بكون شدتها علة تحريمها ومعلوم أن الشدة ثابته في النبيذ وإنما قلنا: إن العقل يدل على قياس النبيذ على الخمر لأن العقل يدل على قبح ما ظننا فيه أمارة الضرر وأمارة الضرر التحريم الا ترى أن العقل يقتضى قبح الجلوس تحت حائط مائل لعلمنا بثبوت أمارة المضرة فإن قيل: كيف يجوز القطع على قبح ما وجدت فيه أمارة التحريم والمضرة مع أن الأمارة تخطئ وتصيب قيل له: كما يجب مثله في أمارة المضرة الحاصلة في القيام تحت حائط مائل فإن قيل: العقل إذا انفرد يقتضى إباحة شرب النبيذ فلم يجز الانصراف عنه
_________________
(١) ١ زيادة ليست في الأصل. ٢ ثبت في الأصل: "معنا ولعل الصواب ما أثبتناه. ٣ ثبت في الأصل: "قالت" ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ٢ / ٧٩ ]
لأمارة. قيل له: هذا موجود في الجلوس تحت حائط مائل لأن العقل يقتضى إباحة الجلوس في الأصل فيجب أن لا ينتقل عن هذه الإباحة لأمارة تجوز أن تخطى وتصيب فإن قيل: إنما حسن الجلوس بشرط أن لا يكون فيه أمارة التحريم والمضرة فلا فرق بينهما هذا دليل المتكلمين من المعتزلة ذكرناه على ما أورده أبو الحسين البصرى والأولى أن نذكر دليل العقل على وجه لا يؤدى إلى مذهب من مذاهبهم فنقول قد ثبت القول بحجج العقول في مواضعها فعلى هذا نقول: إن من قضية العقل أن كل شيئين مشتبهين فحكمهما من حيث أشتبها واحد ولولا أن الأمر في العقول كذلك لم يكن لنا سبيل إلى التمييز بين المتضادين ولا عرفنا صادقا من كاذب ولا محقا من مبطل ولا كاملا من ناقص ولا قصيرا من طويل ولذهب علم الحواس وبطلت فائدته وذكر الله الأمثال في كتابه وضرب الشبه بين المثال والممثل به وجرت عادة أهل العقل باستعمالها في كلامهم وابتذالها في مخاطبتهم وجمعوا بالمعنى بين الشئ وغيره وألحقوا حكمه بحكمه وهو كقول القائل إينما أتوجه ألقى سعدا وهو مثل مشهور من أمثال العرب وهو لرجل من بنى سعد رأى من قومه هذه الحكمة وسوء جوار فرحل عنهم وانتقل إلى قوم آخرين فرأى منهم مثل ذلك فأرسل هذه الكلمة مثلا وذلك أن القوم الذين صار إليهم لما كان معناهم في جواره معنى بنى سعد جعله منهم وألحقة في الحكم بهم وأجرى سنته عليهم وهو معنى قوله كل وبنو سعد وينو سعد قومى وعلى هذا يقا: خزيم الناعم: إذا وصفوه بالترفة والنعمة وما فلان إلا سخيا [وهو كما يقال] ١ هو الأمير إياد وصفوة بالبيان والفصاحة. ويقال: ما فلان إلا كليب [بن واسق إذا وصفوه] ٢ بالعز والمتعة والسلطان٣ إلا قارون إذا وصفوه بالثروة وأمثال هذا تكثر وعلى هذا المعنى. قيل للرجل الشجاع: أسد وللبليد حمار وللذمى كلب وكان متمم بن نويرة بعد ما نجع بأخيه مالك بن نويرة وهذا الذي قتله خالد بن الوليد لا يرى قبرا إلا بكى فعوتب على صنيعه. فقال:
وقالوا أتبكى كل قبر رأيته لقبرثوى بين اللوى والدكادك٤
_________________
(١) ١ بياض بقدر كلمتين. ٢ كشط في الأصل. ٣ كشط في الأصل. ٤ قال في القاموس: دكادك ودكاديك وأرض مدكدكة مدعوكة ومدكوكة لا إسناد لها تنبت الرمث انظر القاموس المحيط للفيروز آبادي "٣/٣٠٢".
[ ٢ / ٨٠ ]
فقلت لهم أن الأسى يبعث الأسى دعونى فهذا كله قبر مالك
فهذا أعرابى من بنى يربوع لا يعرف مذاهب الفقهاء في القياس ولا طريقهم في الاعتبار وإنما جرى ذلك على حكم أرشده إليه عقله وسجية هداه اليها طبعه حين رأى الشبه بين الكل في معنى واحد وأمثال هذا تكثر فثبت أن الأمر في العقول الصحيحة على ما قلناه من أن كل مشتبهين فحكمهما من حيث اشتبها واحد وصح أن المعانى أدلة وأنها متى وجدت متفقة أو حيث اتفاق الحكم ومهما كانت مختلفة أوجبت اختلافه.
ببينة: أنه إذا كان النظام ومن تبعه يتبعون أدلة العقل في العقليات وبه يستدلون على إثبات الصانع وعلى حدث العالم إلى سائر ما هو معروف فوجب ألا يمتنعوا من ذلك في أحكام الشرع وفى فروع السمعيات فإنه إذا استقل شئ بأعظم الأمرين كان قمنا١ أن يستقل بأيسرها وإذا جاز أن يتعبدنا الله به في أصول الدين جاز أن يتعبدنا ويجعله دليلا في فروعه. فإن قيل: القياس في العقليات لا يتغير ولا يوجد فيه التفريق بين المشتبهات وقد وجد ذلك في السمعيات على ما سبق بيانه.
والجواب: أن الأصول التي يقع إليها رد الفروع في الشرعيات لا يتغير أيضا لأن الله تعالى قد أكمل الدين وبين الناسخ والمنسوخ واستقرت الشرعية قرارها فالسمعى والعقلى فيما تنازعنا فيه بمثابة واحدة وأما التفريق بين المشتبهات فغير جائز عندنا أن يقع التفريق بينهما من الوجه الذي يتعلق به الحكم فيهما وإن جاز أن يقع ذلك من سائر الوجوه وإنما المعتبر في الجمع والفرق على النكتة التي هي مناط الحكم ورباطه دون ما سواه وأما المسائل التي ذكروها من التفريق الموجود بين المشتبهين فالنص فرق بين المنى والبول والحيض والاستحاضة والحرة والأمة وقد يمكن أن يوجد معنى الوفاق بين المنى والبول من وجه وموضع الخلاف من وجه وذلك أن المنى والبول من حيث كانا خارجين من مخرج واحد جاءت الشريعة فيهما بإيجاب الطهارة فوجب التسوية بينهما في نوع الواجب ولم يقع التفريق بينهما في أن يجعل في أحدهما الطهارة بالماء وفي الآخر الطهارة [بالماء] ٢ وأما موضع الافتراق فهو أن أحدهما وهوالبول من حيث كان يكثر خروجه من بدن الإنسان وتدوم البلوى والمحنة فيه ورد
_________________
(١) ١ أي: جدير انظر القاموس المحيط "٤/٢٦١". ٢ هكذا في الأصل ولعل الصواب "بالتراب".
[ ٢ / ٨١ ]
الشرع بتخفيف الطهارة عن صاحبه لئلا يشق عليه ولا يلحقه الضرر المجحف وأما المنى فإن خروجه من بدن الإنسان نادر وأنما هو في الفرط والحين فلما لم تكثر البلوى فيه وكان خروجه في العادة بالشهوة واللذة التي تشيع في جميع البدن ولم يكن في إيجاب الاغتسال ضرر قادح ورد الشرع بأعم الطهارتين وأسبغهما وأما الأمر في وجه المرأة وشعرها. قلنا: الأصل أن بدن المرأة كله عورة وأن عليها الستر وترك التبرج إلا أن موضع الوجه منها موضع الحاجة والضرورة لأن إثبات عينها والمعرفة بها عند المعاملات لا يقع إلا برؤية الوجه وأيضا فإن مصلحتها في أسباب معاملتها لا يكمل إلا بذلك وأما الشعر فلا ضرورة في إبرازه بحال فصار كسائر بدنها وإن تعلقوا بالحرة والأمة في الشعر وصورة الحرة الشوهاء والأمة الحسناء. فيقال لهم: إن القياس يقتضى الجمع بين الشيئين في الحكم واختلافهما إذا اشتركا وافترقا في علته لا في صورته فبينوا أولآ أن شعر الأمة والحرة اشتركا في علة التحريم والإباحة حتى يكون ورود الشرع بالتفرقة بينهما ورودا بما يمنع القياس. قال النظام: غرضي بما أوردته الإبانة عن أن الشريعة قد شهدت بإبطال أماراتكم لأن الشريعة لو حرمت النظر إلى شعر الحرة ولم تذكر الأمة قلتم إنما حرم ذلك خوف الفتنة وذلك قائم في شعر الأمة الحسناء فوجب أن يحرم النظر إليه وهذا من أقوى أماراتكم في القياس فإذا شهدت الشريعة بإبطاله صح قولنا: إن وضع الشرع مانع من القياس. قال النظام: ونبين هذا الفرق بين القياس العقلى والقياس الشرعي فإن الأحكام العقلية لا تتفق مع التباين في العللل العقلية ولا تختلف مع الاتفاق في العلل ونحن نقول: إن شعر الأمة وشعر الحرة خارج على ما قلناه من اعتبار الحاجة. فإن الجارية سلعة تباع وتشترى وبالناس حاجة إلى النظر إلى وجهها وشعرها عند المعاملات فأعرض الشرع عن خوف الفتنة لوقوع الحاجة بخلاف الحرة فإن الأصل أنها عورة فالشرع حرم النظر سواء كانت شوهاء أو حسناء حسما للباب وسدا له وزيادة احتياط للأمور وأما وجوب قضاء الصوم على الحائض وسقوط قضاء الصلاة ففيه إجماع وعلى أنه ليس بمستنكر وقوع الفرقان بين الصلاة والصوم. ألا ترى أن االمسافر يدع الصوم أصلا ولا يجوز تركه الصلاة وإنما السفر تأثيره في إثبات القصر ثم نقول إن الصوم ليس مما يتكرر في دوام الأوقات كالصلاة وإنما هو في السنة شهر واحد وربما يمر عليها الشهر كله ولا تحيض فيه فلم يكن في إلزامها الصوم كبير مشقة ولا كبير مضرة أما الصلاة لو
[ ٢ / ٨٢ ]
كلفت قضاءها لأيام حيضها لحقها حرج ظاهر ومشقة شديدة فرفع الله تعالى القضاء عنها رفقا بها وتخفيفا عنها وأما القذف بالزنا والقذف بالكفر فالفرق بينهما ظاهر لأن المقصود من إيجاب الحد نفى العار عن المقذوف والكفر قد ينتفى عنه بقول يبديه فيسلم من عاره والزنا لا يمكنه أن ينفيه عن نفسه بالقول فلم يكن بد من إيجاب الحد لينتفى منه عاره وشينه.
ببينة: أن الكافر يفعل الكفر تدينا فلا يتعير به بخلاف الزنا فإن المرء يفعله مستقبحا له فيلزمه العار العظيم من النسبة إليه ويمكن الجواب عن هذه الشبهة بجواب جدلى يدفع السؤال من أصله فيقال إنه ليس فيما قاله سوى أنه أرانا أمثال أماراتنا وقد نفت الشريعة أحكامها وذلك لا يمنع من كونها أمارة لأنه ليس من شرط الأمارة أن تدل هى وأمثالها على حكمها على كل حال. بل قد تنجزم دلالتها ولا تخرج عن كونها أمارة.
ألا ترى أن الغيم الرطب أمارة في الشتاء على المطر. ثم قد نجد غيما أرطب من كل غيم في صميم الشتاء وتخلف المطر ولا يدل ذلك على خروج الغيم الرطب عن كونه أمارة وكذلك وقوف مركب القاضى على باب الأمير أمارة على كونه عند الأمير ثم قد يوجد مركب القاضى على باب الأمير وليس القاضي هناك ولا يدل ذلك على خروج ما ذكرناه عن كونه أمارة ونقول قولكم الشرع جمع بين المختلفين وفرق بين المتفقين كلام باطل لأن ذلك يوجب إحالة القياس في العقليات لأن العقل جمع بين المتضادين في حكم واحد كاجتماع السواد والبياض في الحاجة إلى محل وجمع بين مختلفين غير متضادين في الحكم كاجتماع الأعراض والأجسام ففى الافتقار إلى محدث وأمثال هذا تكثر وإذا كان مثل هذا يوجد فلا تخرج أماراتنا على الأحكام من كونها أمارات لها لوجودنا أماراتها والأحكام مختلفة عنها وهذا لأنه يجوز أن يفرق الله بين الأصول في الأحكام فيجعل بعضها عقيما لا يثمر فرعا وبعضها مثمرا يستدل بمعانيها على فروعها وثمارها وعلى أنا نزيد لما ذكرنا من أصل الطريقة تقريرا لنبين به الكلام زيادة بيان وهو أنه لو لم يكن لأحكام الشرع معان تجري في جميع ما وجدت فيه تلك المعاني لم تكن تتعدى مواضعها التي وقعت فيها والأعيان التي خرجت عليها ولم يجز أن يشارك عمرو الذي لم يحكم له أو عليه بها زيدا الذي حكم له أو عليه ولما اتفقوا على أن في رجم ماعزا دليلا على رجم غيره إذا زنى وفى بيع عبد مدبر
[ ٢ / ٨٣ ]
دليل على جواز بيع مدبر غيره وفى قوله ﷺ لفاطمة بنت أبى حبيش: "إذا أقبلت الحيضة فدع الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي" ١ دليل على أن غيرها من النساء يكن أمثالها في هذا الحكم وفي قوله ﷺ لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" ٢ دليل على غيرها وفى قوله ﷺ للأعرابى حين قال له: هل على غيرهن قال: "لا إلا أن تطوع" ٣. دليل على سقوط ما وراءها عن كافة الناس وقد روى عن النبي صلى الله عليه [وسلم] ٤: أنه خرج مرة وفى يده ذهب وحرير. فقال: "هذان حلال لإناث أمتى حرام عل ذكورهم" ٥ وإنما وقعت الإشارة منه في ذلك القول إلى ما في يده منهما ثم كان الحكم متعديا إلى جميع الجنس فيهما فثبت أن المعانى في الأحكام معتبرة وأنها إلى كل عين وجدت فيها متعدية. وهم يقولون: إنما أثبتنا هذه الأحكام التي ذكرتموها في حق غير من ورد فيهم بدليل آخر فيجوز أن يكون ذلك الدليل هو الإجماع ويجوز أن يكون ذلك الدليل قوله صلى الله عليه [وسلم] ٦: "خطابي للواحد خطابي للجماعة". وقالوا أيضا: الكلام في العلل الظنية وكون الزنا مع الإحصان علة الرجم علة مقطوع بها وكذا في سائر ما قلتم والاعتماد على ما سبق
طريقة ثانية في إثبات القياس
نقول: الضرورة داعية إلى وجوب القياس لأن النصوص متناهية والحوادث غير متناهية ولابد أن يكون لله تعالى في كل حادثة حكم إما بتحريم أو تحليل فإذا كانت النصوص قاصرة عن تناول جميع الحوادث وكان التكليف واقعا بمعرفة الأحكام لم يكن لنا طريق نتوصل به إلى معرفتها إلا القياس. ألا ترى: أنا إذا تركنا القياس تعطلت
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: الوضوء "١/٢٩٦" ح "٢٢٨" ومسلم: الحيض "١/٢٦٢" ح "٦٢/٣٣٣". ٢ أخرجه البخاري: النفقات "٩/٤١٨" ح "٥٣٦٤" ومسلم: الأقضية "٣/١٣٣٨" ح "٧/١٧١٤" واللفظ للبخاري. ٣ أخرجه البخاري: الإيمان "١/١٣٠" ح "٤٦" ومسلم: الإيمان "١/٤٠، ٤١" ح "٨/١١". ٤ زيادة ليست بالأصل. ٥ أخرجه أبو داود: اللباس "٤/٤٩" ح "٤٠٥٧" والنسائي: الزينة "٨/١٣٨" "باب تحريم الذهب على الرجال" وابن ماجه: اللباس "٢/١١٨٩" ح "٣٥٩٥" وأحمد: المسند "١/١٤٤" ح "٩٣٨" انظر تلخيص الحبير "١/٦٤، ٦٥" ح "١٣". ٦ زيادة ليست بالأصل.
[ ٢ / ٨٤ ]
أحكام الحوادث فصح قولنا: إن الضرورة داعية إلى استعمال القياس والأصل أن الأسباب والمعاون التي بها يتوصل إلى الشئ المأمور به في معنى المأمور به والمنطوق بذكره فيكون الأمر الوارد بالجملة منطويا عليها وإنما يقع السكوت عنها اختصارا للكلام واعتمادا على فهم المخاطب وهذا كالقبلة أمرنا باستقبالها في حال الغيبة كان الاستدلال بالعلامات الموصلة إليها لازما لنا ومعلوم أن من استؤجر لإيصال كتاب إلى موضع كان عليه فعل ما يوصله إليه من سير وقطع مسافة ومن استأجر أجيرا ليخبز له خبزا فقد انتظم ذلك إيقاد النار وتسجير التنور وإن لم يجر ذكره في لفظ الإجارة وكذلك ها هنا إذا لم يصل إلى معرفة أحكام الحوادث إلا بالقياس وجب عليه استعمال القياس كما لزمنا حكم الحادثة يدل عليه أنا إذا سلكنا هذا الطريق وصلنا به إلى الائتمار وإذا عدلنا عنه لم نصل إليه بعلمنا أنه الواجب وقد أمرنا بنفقة الزوجات وتقويم المتلفات وأورش الجنايات ولم يرد بتقديرها توقيف ولا يجوز أن يكلف معرفته ما لا سبيل لنا إلى معرفة فعلم أن طريقها الاجتهاد واستعمال أسبابه الموصلة إليها. فإن قيل: لا ضرورة لأن العلة قد ارتجت بما يدل عليها قضايا العقول في الحوادث على مما ذكروا في حجتهم قد بينا من قبل أن العقل لا يدل على شئ بنفسه لا تقبيح ولا تحسين ولا إيجاب ولا حظر وقد ذكرنا في هذا الباب ما فيه غنية وعلى أن الدليل من حيث [إن] ١ العقول متعارضة لأن قول من يزعم أن العقل يدل على إباحة الأشياء في الأصل يعارضه قول من يزعم أنه يدل على الحظر وبإزائها من يقول بالتوقف فإذا تعارضت هذه الأقوال فعلى أيها يعتمد. ثم يقال لهم: ما ذهبتم إليه من الرجوع إلا دلائل العقول مخالف لفعل النبى صلى الله عليه [وسلم] ٢ فإنه ﷺ كان يقف في الأمور التي لا يجد فيها نصا ولا يردها إلى الإباحة بقضية العقل وكذلك الصحابة كانوا يقيسون الأحكام بأدلة الشرع. ويقال لهم: أيضا إنا قد وجدنا في الشرع مسائلا وأحكاما لا يتصور الحكم فيها على قضايا العقول لأن ما قاله إنما يتصور في الاشياء التي اختلفوا في تحليلها وتحريمها. فنقول: احملها على قضية العقل في إثبات الإباحة وإذا وقع التنازع ففى أمر العقود والفسوخ وإلزام كل واحد من المتعاقدين تسليم ما يلزم منها وإسقاط ما يسقط كيف يحمل أمثال هذا على قضية
_________________
(١) ١ زيادة ليست بالأصل. ٢ زيادة ليست بالأصل.
[ ٢ / ٨٥ ]
العقل وكذلك في باب الأنكحة فلا يدرى كيف يتمشى هذا الأصل الذي زعموه. فإن قالوا: يستصحب الحال فيما لا دليل فيه. قلنا: استصحاب الحال في العقود مع الاختلاف متعذر متناقض لأنه ما من حكم يتسصحب فيه حالة لإثباته إلا ويعارضه ما يوجب نفيه. أنه إذا وقع الاختلاف في فسخ النكاح بالعيب. ألا ترى: فالاستصحاب من أحد الجانبين يوجب الفسخ والاستصحاب من الجانب الآخر يمنع الفسخ وكذلك إذا اشترى جارية ثيبة ووطئها. ثم اطلع على عيب بها وأراد ردها فإن الاستصحاب في أحد الجانبين يوجب الرد وفى الجانب الآخر يمنع الرد فثبت أن الضرورة التي ادعيناها متحققة قطعا والذي قالوه خيرا من كلامهم أن الفكر في معاني النصوص وأشارتها وقضاياها تغنى عن القياس مجرد دعوى ونحن نعلم بطريق القطع وجود حوادث لا تدل عليها النصوص بوجه ألا ترى أنا وجدنا حوادث اختلف الصحابة فيها وقال كل أحد بخلاف ما قال صاحبه ولم يحتج أحد منهم على الآخر بنص ولا بمعنى نص ولو كانت النصوص تتناول جميع الحوادث لاحتجوا بها وإن رجعوا إلى قضية العقل فقد سبق إبطاله وعلى أن تناول العقل حكم الحادثة إنما يقتضى إثبات حكمة فيها ويغنى عمن سواه إذا لم ينقل عن العقل دليل شرعى فعليهم أن يثبتوا أن القياس ليس بدليل شرعى يوجب الانتقال عن قضية العقل هذا إذا كان القياس غير مطابق لحكم العقل وأما إذا كان مطابقا له فما المانع أن يدل هو على الحكم إيجاد مع العقل كما يدل العقل على الحادثة مع خبر الواحد فبطل ما قالوه من كل وجه.
طريقة ثالثة في إثبات القياس:
فهو التمسك بإجماع الصحابة وذلك أنهم اختلفوا في أمر من أمور الدين فصار كل واحد منهم إلى نوع من القياس فلم ينكر صاحبه ذلك منه مع إنكاره عليه قضية حكمه كمسألة الجد١ والمشتركة وميراث ذوي الأرحام فإن الاختلاف بينهم في هذه
_________________
(١) ١ قال الكلوذاني: اعلم أن الصحابة ﵃ اختلفوا في توريث الجد مع الإخوة والأخوات فروى عن أبي بكر الصديق وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وعبد الله بن عباس وعائشة وأبي هريرة وأبي الدرداء وأبي الطفيل وأبي موسى وعمران بن حصين وجابر بن عبد الله وعبادة =
[ ٢ / ٨٦ ]
المسائل مشهور واحتجاجهم فيها من طريق القياس مذكور كقول ابن عباس لزيد: أتجعل ابن الابن ابنا ولا تجعل أب الأب أبا وتشبيه زيد مثالا بالرأى في مسألة الأخوة مع الجد وذلك مثال غصن الشجرة وجدول النهر وروى قريب في هذه المسألة عن على وكقول من حاج عمر في توريث الأخ للأب والأم مع الأخوة للأم في مسألة المشتركة١ هب أن أبانا كان حمارا ألسنا بنى أم واحدة فرجع عمر إلى التشريك٢ لما نبهه هذا الرجل على موضع المساواة في السبب الذي يستحق به الإرث وروي أن أبابكر ﵁ ورث أم الأم ولم يورث أم الأب. فقال له عبد الرحمن بن سهل لرجل من الأنصار وقد شهد بدرا: لقد ورثت امرأة لو كانت هي الميتة لم يرثها وتركت امرأة لو كانت هي الميتة ورثها. فأشرك عند ذلك أبو بكر ﵁ بينهما
_________________
(١) = ابن الصامت وابن الزبير ﵃ أنهم جعلوا الجد أبا وأسقطوا به جميع الأخوة والأخوات وإليه ذهب الحسن وعطاء وطاووس وجابر بن زيد وقتادة وابن سيرين وأبو حنيفة وعثمان البتى والمنزني وداود والعمل على هذا لوضوحه. وروى عن على وابن مسعود وزيد بن ثابت أنهم وروثوا الإخوة معه ثم اختلفوا في كيفية توريثهم فكان ﵇ يقسم المال بين الجد وبين الإخوة والأخوات ويجعله في ذلك بمنزلة الأخ ما لم تنقصه المقاسمة من السدس فإن نقصته المقاسمة عن السدس فرض له السدس وجعل الباقي للإخوة والأخوات. وإلى قوله في جميع باب الجد ذهب الشعبي والنخعي والمغيرة وابن أبي شعبة وابن أبي ليلى وابن شبرمة والحسن بن صالح وكان زيد وابن مسعود يقسمان المال بينهم وبينه مالم تنقصه المقاسمة من الثلث فرض له الثلث وجعل الباقي للإخوة والأخوات وبقول زيد في باب الجد أخذ الزهري والأوزاعي والثوري ومالك وأحمد بن حنبل والشافعي وأبو يوسف ومحمد وأبو عبيد وجمهور الفقهاء وأخذ بقول ابن مسعود في الجد كله شريح ومسروق وعلقمة وجماعة من أهل الكوفة انظر المغنى لموفق الدين "٧/٦٤" بداية المجتهد لابن رشد "٢/٨٨" نيل الأوطار للشوكاني "٦/٦١" حاشية البيجرمي على الخطيب "٣/٢٧٨"الأشباه والنظائر للسيوطي "٤٧٤" الأشباه والنظائر لابن نجيم "٢٩٨" المبسوط للسرخسي "٢٩/١٨٠" الاختيار للموصلي "٤/١٧٩" التهذيب في الفرائض للكلوذاني- قيد الطبع بتحقيقنا. ١ مسألة الشركة هي كل مسألة اجتمع فيها زوج وأم وجدة واثنان صاعدا من ولد الأم وعصبة من ولد الأب والأم انظر المبسوط للسرخسي "٢٩/٢٥٤" المغنى لموفق الدين "٧/٢١" كشاف القناع للبهوتي "٤/٤١٥" بداية المجتهد "١٢/٢٥٩". ٢ أخرجه البيهقي في الكبرى "٦/٤١٧" ح "١٢٤٦٧".
[ ٢ / ٨٧ ]
بالسدس١ واتفقت الصحابة على الزيادة في حد الشارب٢. وقالوا: إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى وحد المفترى ثمانون٣. ثم قالوا: هو رأى رأيناه بعد رسول الله صلى الله عليه [وسلم] ٤ وأوجبوا فيه الدية إذا أتلف بالضرب واختلفوا في أم الولد: فقال علي: اجتمع رأيى ورأي عمر أن لا يبعن ثم رأيت بيعهن وكتب عمر ﵁ إلى أبى موسى الأشعرى كتابا في تعليم القضاء [فقال فيه] ٥: الفهم الفهم فيما يتحالج في صدرك مما ليس في الكتاب والسنة أعرف الأشباه والأمثال. ثم قس الأمور وراجع الحق إذا علمته فإن الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل٦.
وعن ابن مسعود ﵁ في قصة بروع بن واشق: أقول فيها برأيى فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان: لها مهر بمثل نسائها لا وكس ولا شطط٧ وعن عمر ﵁ أنه قال: إنى رأيت في الجد رأيا فاتبعونى وقال له مسروق أو غيره إن تتبع رأيك فرأيك رشد وأن تتبع رأى من قبلك فنعم ذا الرأى٨ يعنى أبا بكر ﵁ أو غيره كان وقال ﵁ في قصة بروع بالرأى حسبها الميراث لا مهر لها٩. وقال ابن مسعود في دم بين اثنين عفا أحدهما أرى هذا أحيا بعض النفس قال عمر: وأنا أرى ذلك واختلفوا أيضا في مسألة الحرام.
_________________
(١) ١ أخرجه البيهقي في الكبرى "٦/٣٨٥" ح "١٢٣٤٣". ٢ اعلم أن قدر حد الشرب فيه روايتنا ورواية عن أحمد: إحداهما: أنه ثمانون وبهذا قال مالك والثوري وأبو حنيفة ومن تبعهم لإجماع الصحابة. الثانية: أن الحد أربعون وهو اختيار أبي بكر ومذهب الشافعي والروابة الثانية عن الإمام أحمد انزر المغنى "١٠/٣٢٩". ٣ أخرجه مالك في الموطأ: الأشربة "٢/٨٤٢" ح "٢". ٤ زيادة ليست في الأصل. ٥ زيادة ليست في الأصل. ٦ أخرجه الدارقطني: سننه "٤/٢٠٦" ح "١٥" من حديث طويل انظر تلخيص الجبير "٤/٢١٥" ح "٤٢". ٧ أخرجه أبو داود: النكاح "٢/٢٤٤" ح "٢١١٦" والنسائي: النكاح "٦/٩٨" "باب إباحة التزويج بغير صداق" وأحمد: المسند "١/٥٨٠" ح "٤٢٧٥". ٨ أخرجه الدارمي: الفراشض "٢/٤٥٢" ح" ٢٩١٦". ٩ تقدم تخريجه عن عبد الله بن مسعود ﵁.
[ ٢ / ٨٨ ]
فقال أبو بكر وعمر ﵄: هو يمين١ وقال على كرم الله وجهه: هو طلاق [ثلاث] ٢. وقال ابن مسعود ﵁: طلقة واحدة٣.
وقال ابن عباس رحمة الله عليه: هو ظهار.
واختلفوا أيضا في مسألة المخيرة وخلافهم في ذلك معروف في اختيارها نفسها٤ أو اختيارها زوجها٥. قال زاذان عن على ﵁: سألنى عمر ﵁ عن المخيرة. فقلت: إن اختارت زوجها فهى واحدة وزوجها أحق بها وإن اختارت نفسها فهي واحدة بائنة. فقال: ليس كذلك ولكن إن اختارت نفسها فهي واحدة وهو أحق بها وإن اختارت زوجها فلا شيء فتابعته على ذلك فلما خلص الأمر إلى عدت إلى ما كنت أرى. فقلنا له: لأمر جامعت فيه أمير المؤمنين عمر ﵁ وتركت له رأيك أحب إلينا من رأى انفردت به فضحك. وقال: أما أنه أرسل إلى ازيد بن ثابت فخافني وإياه. وقال: إن اختارت زوجها فهى واحدة وهو أحق بها وإن اختارت نفسها فهي [ثلاث٦] ٧ وهم في هذه المسائل رجعوا إلى مجرد الرأى لأنهم لابد أن يكونوا قالوا: عن طريق إذ لا يجوز أن يكونوا قالوا ما قالوا جزافا
_________________
(١) ١ أخرجه البيهقي في الكبرى في الخلع والطلاق "٧/٥٧٦" - ح"١٥٠٦٧". ٢ في الأصل "ثلث" وانظر السنن الكبرى للبيهقي "٧/٥٧٦". ٣ وروى الحافظ البيهقي في الكبرى "٧/٥٧٥"- ح"١٥٠٦١" عن ابن مسعود -﵁- أنه إن نوى به يمينا فيمين وإن نوى طلاقا فطلاق. أخرجه البيهقي "١٥٠٦٤" أنه إن نوى طلاقا تقع طلقة واحدة. والله أعلم. ٤ إذا اختارت نفسها فلا تون أكثر من تطليقة رجعية وبه قال أحمد وهو قول ابن عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وعمر وعائشة ﵃ وروى ذلك عن جابر وعبد الله بن عمر. وقال أبو حنيفة: هي ةاحدة بائنة وهو قول ابن شبرمة. وقال مالك: هي ثلاث في المدخول بها لا تبيين بأقل من ثلاث إلا أن تون بعوض انظر المغنى "٨/٢٦٧". ٥ إذا خيرها زوجها فاختارت زوجها أو ردت الخيار أو الأمر لم يقع شيء نص عليه أحمد وروى ذلك عن عمر وعلي وزيد وابن مسعود وابن عباس وعمر بن عبد العزيز وابن شبرمة وابن أبي ليلى والشافعي وابن المنذر. وعن الحسن تكون واحدة رجعية وروى ذلك عن علي ورواه إسحاق بن منصور عن أحمد انظر المغنى "٨/٢٩٨". ٦ في الأصل "ثلث"." ح " "٧ أخرجه البيهقي في الكبرى في الخلع والطلاق ٥٦٦/٧ح١٥٠٢٧.
[ ٢ / ٨٩ ]
ونحن نعلم أنهم يقولون عن نص فدل أنهم قالوا عن قياس وتتبع هذا يطول والأمر في هذا أشهر من أن يحتاج معه إلى إكثار على هذا المنهاج كان أمر التابعين في المحاجة والمقايسة ولم يصح عن أحد منهم في ذلك إنكار وخلاف وهو ميراث الأمة إلى زماننا فإن قالوا: يحتمل أنهم قالوا ما قالوا عن نص. ثم يقولون: تعلقتم فيما صرتم إليه بالإجماع وأنتم لا تنقلون فيه لفظا جامعا مانعا حتى يكون مرجوعكم إليه فيما تأتون وتدرون وتصححون وتبطلون والأقاصيص المتفرقة لا ضبط لها فكيف انضبط لكم ما يفسد منها؟ وما يصح ذكر هذا السؤال الشيخ أبو المعالى على هذا اللفظ وذكر أن هذا سؤال مشكل.
والجواب: أن دعوى النص محال لأنه لا يتصور من جهة العادات في عدد كبير يهتمون بنقل كلام من يعظمونه حتى ينقلوا ما لا يتعلق به حكم شرعى أن يعملوا إظهار ما اشتدت إليه الحاجة مما يتعلق به حكم شرعى ووقع فيه الاختلاف ويفارق هذا ترك نقل ما اجتمعوا عليه لأجله فإنه يجوز لأن الإجماع حجة وقد أغنى عن الخبر وليس كذلك إذا وقع الاختلاف ووقعت الحاجة إلى المحاجة بالنص فلا يتصور أن يكتموا الخبر إن كان هناك خبر.
وأما كلامهم الثاني: فقد حكم المورد له أنه سؤال كل ولا أدرى وجه الإشكال في هذا السؤال وهذه الآثار صرحت المصير إلى الرأى من الصحابة بالانضباط فيما اتفقوا عليه وقد دلت هذه الآثار أنهم قالوا ما قالوه عن الرأى فإن قالوا: لم يحك عنهم الاختلاف في الأقوال في هذه المسألة ولم ينقل عنهم تصريح بعلة. قلنا: قد ذكرنا ونقلنا محاجتهم بضرب الأمثلة وعلى أن التنبيه منهم على العلة والقياس قد وجد وتعين مسألة واحدة. فنقول في مسألة الحرام: من قال منهم: إنه طلاق ثلاث١. فقال: مطلق التحريم يقتضى غاية التحريم ومن جعله طلقة واحدة٢ اعتبر أقل ما ثبت ومن جعله إيلاء اعتبر أن الزوج قد منع نفسه بهذا القول عن وطئها ومن جعله ظهارا٣ أجراه مجرى ذلك من قبل تقييد التحريم بلفظ ليس بلفظ طلاق ولا إيلاء
_________________
(١) ١ هذا قول: علي وزيد بن ثابت وابن عمر والحسن البصري والحكم بن مالك وابن أبي ليلى انظر الأشراف "١/١٥٢". ٢ هو قول الزهري ورواية عن أحمد انظر المغنى "٨/٢٧٥" الأشراف "١/١٥٢". ٣ هو قول ابن عباس وسعيد بن أجبير وأبي قلابة وأحمد انظر الأشراف "١/١٥٢".
[ ٢ / ٩٠ ]
وإذا كان هذا الذى ذكرناه ممكنا ولم يكن ذكر نص ولأنهم قالوا بغير طريق وجب القطع على أنهم أرادوا ما ذكرناه أو ما يجرى مجراه وأيضا فإن الناس قد يقتصرون على الفتوى في كلامهم ويعلم السامع الوجه الدال على الفتوى من نفس الفتوى وقال بعضهم: إنهم قالوا في مسائل المواريث ما قالوه بالصلح أو بأقل ما يجب وهذا ليس بشئ لأن المنقول في مسألة المواريث إثبات الإرث ونفيه وتقديره في بعض المواضع فكيف يتصور الصلح على هذا؟ وقولهم: إنهم أوجبوا أقل ما قيل باطل لأنه لم يتقدم اختلافهم [في] ١ أقوال هم قالوا بأقلها ولا اتفوا على قول حتى يقال: إنه أقل ما قيل بل قالوا أقاويل متباينة بعضها يخالف البعض وثبت ها هنا عما نقلوه عن الصحابة والتابعين من ذم الرأى قلنا إنما قالوه في الرأى الفاسد الذي لا [تعلق] ٢ له بأصل من الأصول أو قالوا ذلك في القياس قياس الذي بخلاف النص ألا ترى أن عليا ﵁ قال حين قال: لو كان الدين بالرأى ولكنى رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر قدميه٣ والدليل على أن المراد منهم بما قالوا أحد هذين الوجهين أنه ثبت عنهم القول بالقياس واعتبار الأشباه والأمثال على ما ذكرناه وعلى ما ذكرنا بأول قول التابعين. ألا ترى: أن ابن سيرين قال: أول من قاس إبليس٤ وإنما أراد به القياس الفاسد دون الصحيح.
ببينة: أن إبليس كان قد اعترض بالقياس على النص وما كان من القياس كذلك فإنا لا نجوزه ولا نعمل به وكذلك قوله: ماعبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس يرد به المقاييس الفاسدة وقد ورد النهى الصريح في الكتاب عن السجود لها وذلك قوله ﷿: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الذي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] وكذلك الذي حكوه عن الشعبى إنما هو في القياس الخالى عن أداة الأصول وقد كان ظهر في آخر زمان التابعين قوم يقدمون الرأى على السنن فإنما أراد ذلك وكل ما نقل من أمثال هذا يكثر وقد حمل جميع ما نقل من ذم الرأى من الصحابة والتابعين على الرأي قبل طلب السنن وعندنا يجب طلب حكم الحادثة من
_________________
(١) ١ زيادة ليست بالأصل. ٢ في الأصل "يتعلق". ٣ تقدم تخريجه. ٤ تقدم تخريجه.
[ ٢ / ٩١ ]
السنة أولا ثم يصير إلى القياس وكذلك الجواب عن الأخبار التي تعلقوا بها عن النبى صلى الله عليه [وسلم] ١ وعلى أنه ليس في تلك الأخبار خبر ثابت غير خبر عبد الله ابن عمرو في قبض العلم٢ فإما سائر الأخبار فلا تعرف ولا نقل في كتاب يوثق به فلا يجوز التعويل عليها. فإن قالوا: اعتمدتم على إجماع الصحابة ولم يوجد إجماع الصحابة لأنكم نقلتم ما نقلتكم عن نفر يسير فأين الإجماع؟ قلنا: نقلنا عن وجوههم ولم ينقل عن واحد منهم خلاف ذلك وقد بينا أن القول المنتشر إذا لم يظهر له مخالف يكون إجماعا فكيف في هذه الأقوال المنتشرة؟ فإن قالوا: إنما تركوا إنكاره لأنه كان صغيرة وإنما تنكر الكبائر. قلنا: كما يجب إنكار الكبائر يجب إنكار الصغائر وعلى أنا بينا أنه لم تجر العادة فيما هذا سبيله أن يظهر الخلاف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه [وسلم] ٣ على شئ ونعلم أنهم قالوا ما قالوا عن الرأى فيكون منكراثم تطبق الجماعة على ترك إنكاره. ألا ترى: أنه لما ظهر بينهم الاختلاف والتنازع كيف أنكر بعضهم على بعض حتى صاروا إلى التجاذب والتقاتل واعلم أن الاحتجاج بإجماع الصحابة دليل في نهاية الاعتماد وهو مما يقطع العذر ويزيح الشبهة فليكن به التمسك.
طريقة رابعة: وهى الاستدلال بالكتاب والسنة:
قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] فأمر بالاعتبار والإستباط والاعتبار اعتبار الشئ بغيره وأجرى حكمه عليه يقال: اعتبر هذا بمقداره وقال ابن عباس ﵁ في الأسنان: اعتبر حكمها بالأصابع في أن ديتها متساوية٤ وقولهم: إن في هذه العبرة مغناة أن فيه ما يقتضى حمل غيره عليه وأما الاستنباط هو استخراج المعنى المودع من النص حتى يبرز ويظهر فإن قيل:
_________________
(١) ١ زيادة ليست بالأصل. ٢ تقدم تخريجه. ٣ زيادة ليست بالأصل. ٤ أخرجه أحمد: المسند "١/٣٧٧" ح "٢٦٢٥" بلفظ "أن النبي ﷺ سوى بين الأسنان والأصابع في الدية".
[ ٢ / ٩٢ ]
الاعتبار الاتعاظ والانزجار وليس بمعنى القياس الذي يدعونه وقيل: إن الاعتبار لا يدل على معرفة الشئ بغيره إنما هو تبيين الشئ نفسه.
ببينة: أنه يقال للقائس معتبر لا لسانا ولا عادة وإنما الذي يعرف معنى المعتبر هو الاتعاظ والتفكر في نفس الشئ والجواب: أن وزن الاعتبار افتعال من العبرة والعبرة أصلها في اللغة المثال ومنها يقال: أخذ السلطان العشر على عبرة العام الماضي أى على مثاله ومن هذا تعبير الموازين والمكاييل إنما هو تمثيل بعضها ببعض وتسويتها على مثال واحد ومنه تعبير الرؤيا وهو تمثيلها بأمور تطابق معانيها معاني الرؤيا وقيل هو تعديتها ونقلها من ظواهرها إلى مواطن معانيها من قولك عبرت النهر أى صرت من أحد العبرين إلى الآخر والعبر الشاطئ فثبت بما قلناه أن الاعتبار هو إجزاء الشيء على مثال غيره وبطل بهذا ما زعموه أنه معرفة الشئ نفسه والتفكير فيه وأما حملهم على الاتعاظ والانزجار غاية الاعتبار فعلمنا أن معناهما مختلف وقد قال الشاعر في الاعتبار:
واعتبر الأرض بأسمائها واعتبر الصاحب بالصاحب
وظهر بهذا أن الاعتبار هو ما قدمناه من اعتبار الشئ بغيره وأجرى حكمه عليه فإن قيل: لو كان المراد ما ذكرتم من الأمر بالقياس لحسن التصريح به وهو أن يقول: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر: ٢] فقلبوا الأرز على البر وهذا التصريح يكون فاسدا عند كل عاقل فدل أنه ليس هو المراد. قالوا: وأما الاستنباط المذكور في القرآن فهو استخراج الشئ من كونه باطنا ليظهر فتحمله على الاستدلال بمعانى النصوص وقد يقال لمن استدل على الشيء بما يخفى في النصوص: قد يستنبط هذا الحكم من هذا النص.
والجواب: أما الأول: فإنما لا يجوز ما قالوه لأنه اقتصار على ما تعلق له بالكلام في ظاهره فلم يحسن لهذا لكن حسن مع هذا قوله: "فاعتبروا" لإن اشتمل على ما يتعلق بالكلام الأول وعلى ما لا يتعلق به. ألا ترى: أن النبى ﷺ لو سئل عمن ابتلع حصاة في شهر رمضان لم يحسن أن يقول: من جامع فعليه الكفارة ويحسن أن يقول: من أفطر فعليه الكفارة وإذا قال ذلك دخل فيه من جامع ومن بلع الحصاة وقد اعترض على الآية. فقيل: إن قوله: "فاعتبروا" ليس على العموم لأنه لا يجب ما قلتموه في كل موضع وإذا لم يجب في كل موضع فنحن نقول: نوجب الاعتبار
[ ٢ / ٩٣ ]
بالتفكر في معاني النصوص فهذا رجوع إلى ما سبق والجواب بما قدمنا.
وأما الاستنباط فالاستدلال به أيضا صحيح والذي قالوه من حمله على الاستدلال بمعانى النصوص. قلنا: الذي قلتموه استنباط والقياس الذي اختلفنا فيه من وجوه الاستنباط أيضا فيكون الاستنباط المذكور مشتملا على الكل وفى الباب آيات كثيرة وأحسن ما يستدل به هاتان الآيتان وأما السنة فحديث معاذ أن النبى صلى الله عليه [وسلم] ١ لما بعثه إلى اليمن قاضيا قال له: "بم تحكم؟ " قال: بكتاب الله قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ " قال: بسنة رسول الله قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ " قال: أجتهد رأيى ولا آلو. قال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى الله ورسوله" ٢ وهذا نص [ثابت] ٣ وهم يقولون هذا خبر واحد لا يثبت به مثل هذا الأصل وقد قالت الأصحاب: هو خبر واحد ولكن تلقته الأمة بالقبول فصار دليلا مقطوعا به وتعلقوا أيضا بما روى أن النبى صلى الله عليه [وسلم] ٤ قال لعمر حين سأله عن قبلة الصائم: "أرأيت لو تمضمضت كان يضرك؟ " قال: لا قال: "ففيم" ٥ إذا فجعل القبلة بغير إنزال قياسا على المضمضة بغير ازدراد والخبر أيضا خبر واحد مثل الأول ويدل عليه قوله ﷺ للخثعمية: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه أكان يقبل منك" قالت: بلى قال: "فدين الله أحق أن يقضى" ٦.
وقال النبى صلى الله عليه [وسلم] ٧ في الهرة: "إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات" ٨ فقد علل بعلة مؤثرة وهى التطواف علينا والعلة
_________________
(١) ١ ليست بالأصل. ٢ أخرجه أبو داود: الأقضية "٣/٣٠٢" ح "٣٥٩٢" والرتمذي: الأحكام "٣/٦٠٧" ح "١٣٢٧". ٣ في الأصل "إن يثبت". ٤ ليست في الأصل. ٥ أخرجه أبو داود: الصوم "٢/٣٢٢" ح "٢٣٨٥" والدارمي: الصوم "١/٢٢" ح "١٧٤٢" وأ؛ مد: المسند "١/٢٨" ح "١٣٩". ٦ أخرجه النسائي: القضاء "٨/٢٠٠" "باب الحكم بالتشبيه والتمثيل" وأصله في البخارى ومسلم بغير هذا السياق. ٧ زيادة ليست بالأصل. ٨ أخرج أبو داو: الطهارة "١/١٩" ح "٧٥" والترمذي: الطهارة "١/١٥٣" ح "٩٢" وقال: حديث حسن صحيح والنسائي: الطهارة "١/٤٨" "باب سؤر الهرة" وابن ماجة: الطهارة =
[ ٢ / ٩٤ ]
ضرورة الطواف وتعذر الاحتراز وقال صلى الله عليه [وسلم] ١ في دم الاستحاضة: "إنها دم عرق" ٢ ولهذا الذي ذكرناه أمثال سواه فاقتصرنا على هذا القدر وفيما نقلناه من الأخبار [في] ٣ تعليم استعمال القياس وقد تعلق الأصحاب أيضا بالاجتهاد في القبلة. وقالوا: تعبدنا الله تعالى بالاستدلال بالأمارات على جهة القبلة إذا اشتبه علينا أمرها ونصلى إلى الجهة التي ظننا أن القبلة فيها وهذا تعبد بالاستدلال بالأمارات فدل ذلك على حسنها واعترضوا على هذا وقالوا من الناس من لا يجوز الاجتهاد في طلب القبلة ومن اشتبهت عليه القبلة صلى إلى الجهات كلها. قلنا: لا نسلم وإن سلمنا فالأمارات الدالة على القبلة أمارات عقلية لا سمعية ونحن إنما منعنا الأمارات المظنونة في الحوادث الشرعية ولسنا نمنع العمل بالأمارات العقلية وفى المسألة دلائل كثيرة ذكرها الأصحاب أو غيرهم لكن الاعتماد على الدلائل الأول والثانى والثالث وأمثلها وأحسنها إجماع الصحابة وأما التعلق بما ذكرنا من دلائل الكتاب والسنة فلا بأس بها لتكثر الدلائل فأما الاعتماد عليها ابتداء فلا يصح لأن الأخبار آحاد وليس في نص القرآن ما يدل على جواز القياس ولكن إن وجد يوجد من طريق الاستدلال ولابد من دليل قطعى في إثبات القياس والظاهر المحتمل لا يحتج به في القطعيات فالأولى ما ذكرنا. فأما الجواب عن كلماتهم أما قولهم إن الشرعيات مصالح. قلنا: قد أجبنا عن هذا في مواضع وبينا أن القول بالصلاح والأصلح قول باطل وزعم لا يمكن تمشيته ثم يقال لهم ولم لا يجوز معرفة المصالح بالظنون ويجوز أن يكون الفعل مصلحة إذا فعلناه ونحن على صفة وإذا فعلناه على غير تلك الصفة لا يكون مصلحة لنا فلا يمتنع أن يكون فعلنا الفعل ونحن نظن شبه الفرع بالأصل هو المصلحة وإذا لم ينظر حتى نظن شبهة به أو بغيره فاتتنا المصلحة يدل عليه أنا إذا دللنا على أن الله تعالى قد تعبدنا بالقياس فإذا تعبدنا الله تعالى بذلك علمنا بتعبده أن المصلحة أن يفعل بحسب ظننا. وقولهم: إن المصالح لا
_________________
(١) = "١/١٣١" ح "٣٦٧" ومالك في اموطأ: الطهارة "١/٢٢" ح "١٣" والدارمي: الطهارة "١/٢٠٣" ح "٧٣٦" وأحمد: المسند "٥/٣٤٨" ح "٢٢٥٨٩". ١ ليست بالأصل. ٢ تقدم تخريجه. ٣ زيادة يستقيم بها المعنى.
[ ٢ / ٩٥ ]
يتوصل إليها بالآراء والأمارات. قلنا: ولم هذا؟ لأن الأمارات التي تستند إلى النصوص لنستدرك بها المصالح لأنها بمنزلة النصوص ومن قال لا التي يستدرك بقول ليس بيدك إلا مجرد الدعوى ويقال لهم أيضا إن المصالح تستدرك بالنصوص لكن منها ما يستدرك بنص ظاهر جلى وبعضها يستدرك بنص خفى فيفتقر إلى الاستدلال حتى يعلم المراد به والقياس من هذا القبيل وهذا لما قلنا: إن الأقيسة لما استندت إلى النصوص صارت بمنزلة النصوص.
فأما قولهم: إن الجلى من أحكام الشرعية لا يعرف إلا بنص فكذلك الخفى منها. قلنا: ولم ينبغى أن يكون كذلك أليس ما عدا الشرعيات يعلم حكمه بالإدراك والضرورة؟ ويعلم خفيه بالاستدلال دون الإدراك وجلى الشرعيات يعلم بالنصوص الظاهرة وخفيها يعلم بنص خفى وكثير الزعفران الواقع في الماء يعلم بالإدراك وخفيه يعلم بخبر من شاهد وقوعه فيه. فإن قالوا: إن ذلك يستند إلى المشاهدة. قلنا وكذلك أحكام الفروع استندت إلى الأحكام الثابته بالنصوص.
جواب آخر: إن جميع الشرعيات [تعلم] ١ عندنا بالنص ولكن بعضها يعلم بظاهر وبعضها يعلم بالاستدلال بالنص وما علم بالقياس هو مثل ما علم بطريق الاستدلال.
وأما قولهم: إن هذه العلل توجد وهى غير موجبة وهى قبل الشرع فلو كانت موجبة لم ينقل عن موجبها كالعلل العقلية.
قلنا: العلل العقلية موجبة لأعيانها وكانت لازمة لمعلولها والعلل الشرعية موجبة بالشرع فصارت طائرة على معلولها فلهذا افترقا وهذا لأن الشرائع مصالح ويجوز أن يكون الشئ مصلحة في زمان دون زمان ولهذا اختلف شرائع الأنبياء وصح نسخها فيجوز أن لا تكون هذه العلة موجبة قبل الشرع لأنه لا يكون مصلحة قبل الشرع وأما بعد الشرع تكون موجبة لأنها مصلحة بعد الشرع هذا جواب المتكلمين والأولى أن نقول إنا قد بينا أن العقل بعينه لا يوجب شيئا فلا يتصور هذا السؤال على هذا القول وإن تمسكوا بالحسيات.
قلنا: لم جمعتم بين الحسية والشرعية من غير جامع وأيضا فإن عنوان الحركة تحرك الجسم وذلك إنما وجب أن يكون الجسم معه متحركا لأن كون الجسم إذا تحرك هو معنى كونه متحركا. فالقول: إن فيه حركة وليس بمتحرك مناقضة.
_________________
(١) ١ ثبت في الأصل "يعلم".
[ ٢ / ٩٦ ]
وأما قولهم: إن الحليم لا يقتصر على أدنى البيانين مع قدرته على إعلامها. قلنا: في هذا الكلام تسليم أن القياس بيان ولا يمتنع أن يكون فيه مصلحة زائدة وإن كان أدون بيانا من غيره ولو وجب التعبد بأعلى وجوه البيان لوجب تعريفنا الأحكام كلها بالكتاب أو بالضرورة أو كان ينبغى أن يقع الاقتصار على النصوص الجلية المتواترة دون الآحاد لأنها أعلى بيانا من الخفية.
وأما قولهم: لو كان القياس حجة لكانت مع النص.
قلنا: ولم وما قلتم دعوى وعلى أنهم إن قالوا إنه يكون حجة مع النص على حكم الأصل فكذلك نقول يكون الخبر دلالة والقياس أيضا دلالة مطابقة له فإن قالوا مع النص على خلاف حكمه في الفرع فقد بينا ذلك في الخبر الوادد بخلاف قياس الأصول وعلى أنه لا يمتنع أن يكون حجة إذا انفرد وإذا عارضه النص كان النص أولى منه كما أن خبر الواحد حجة إذا انفرد وإذا اجتمع مع الخبر المتواتر أو مع نص القرآن كان أولى منه وأما تعلقهم بالآيات التي ذكروها فليس في شئ منها دليل على ما قالوه.
ويقال لهم: لم قلتم: إن الحكم بالقياس حكم بخلاف ما أنزل الله تعالى أو تقديم بين يدى الله ورسوله أو فيه آتباع ما ليس لنا علم به فإن الدلائل القطعية قد قامت على صحة القياس وهو في الحقيقة رد الفرع إلى أصله من الكتاب والسنة والحكم به حكم بما أنزل الله ﷿ ورد إلى الله والرسول واتباع ما لنا به علم. وقوله تعالى: ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] معناه إما على الجملة أو التفصيل وليس المراد منه على التفصيل لأن كثيرا من الأشياء التي لا تعد لم نجد تناولها الكتاب على التفصيل فدل أن المراد من تلك إما على هذه الجهة أو على تلك الجهة والكتاب والسنة وإن لم [يشتملا] ١ على بيان القياس على التفصيل فقد اشتملا على بيانه بالأجمل
ببينة: أنه قد وجدت أشياء كثيرة صارت ببينة بالسنة وليس لها في الكتاب ذكر ولكن لما دل الكتاب على الأخذ بقول الرسول صلى الله عليه [وسلم] ٢ ودل أنه لا ينطق عن الهوى جعل كأن بيانه كان بالكتاب كذلك هاهنا لما دل الكتاب والسنة على أن
_________________
(١) ١ في الأصل: "يشتمل". ٢ زيادة ليست بالأصل.
[ ٢ / ٩٧ ]
القياس دليل الله وكان رد القياس إلى أصول ثبتت١ بالكتاب والسنة صار بما دل عليه القياس كما أن٢ الكتاب والسنة دلا عليه.
فإن قيل: إن استقام هذا لكم في سائر ما أوردناه فما قولكم في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] ومعلوم أن القياس دليل ظنى فإن قلتم إن وجوب العمل به كان بدليل قطعى فهذا لا يزيل الإشكال لأن القياس لما كان ظنا فيستحيل أن ينتج الظن علما قطعيا وقولكم: إن القياس يفيد العلم بوجوب العمل طبع محال. قلنا: الأقيسه لا تفيد [العلم] ٣ بوجوب العمل بأعيانها وإنما يقع العلم بوجوب العلم بالدلائل القطعية التي أقمناها عند وجود الأقيسة وإذا قررنا على هذا الوجه سقط هذا السؤال وعلى أن الشرع قد ورد باتباع كثير من الظنيات بدليل أن الحكام إنما يفصلون الأحكام بالشهادات المقامة في مجالسهم وهى دلائل ظنية لا قطعية وكذلك الأمارات المرجوع إليها في القبلة ظنية لا قطعية وكذلك في تقويم المتلفات وأروش الجنايات وكذلك التدابير في الحروب يجوز الرجوع إليها والاعتماد عليها ومعلوم أن الرأى في الحروب والتدابير التي تقع بين الناس ليس تفيد علما قطعيا وما زال الناس من قديم الدهر إلى حديثه ومن أولهم إلى آخرهم ومن سلفهم إلى خلفهم يرجعون إلى غالب الظنون ويعتمدون عليها وإذا حصرنا الأمور في المنتفيات وحملنا الناس على ما يفيدهم العلم الحقيقى بالأشياء فسد ما به قيام أمورهم وانسد ما به تقوم أكثر مصالحهم والإنسان يبعث الواحد في أمر ما [ويرسل] ٤ رسولا في شئ فيعتمد على تبليغه وفعله لما أرسله فيه ويسمع من الإنسان بالخبر في إباحة شئ أو في تحريمه أو طهارته أو نجاسته فيؤمر بالأخذ بقوله وقد كان النبى ﷺ يبعث الواحد في الأمور ويعتمد على ما يخبره به وكان ذلك رجوعا إلى غالب الظن وأمثال هذا وقد ذكرنا في مسألة الخبر الوحد فالقياس عندنا بمثابة ذلك.
وقولهم: إن الاحتمال في الأخبار في طرقها لا في الأقوال المنقولة بل الأقوال
_________________
(١) ١ في الأصل: "يثبت". ٢ ثبت في الأصل: "كمام". ٣ ثبت في الأصل: "بالعلم". ٤ ثبت في الأصل: "ويرسله".
[ ٢ / ٩٨ ]
المنقولة نص في المعانى التي اشتملت عليها.
قلنا إذا يمكن الاحتمال في الطريق لم يقع لنا العلم بصدد ذلك القول عن النبى صلى الله عليه [وسلم] ١. بل كانت نهاية ما في الباب وجود غلبة ظنه ومع ذلك وجب الاعتماد عليه والرجوع إليه فكذلك أمر القياس يكون كذلك يدل عليه أن الله تعالى سمى هذا الدين شرعا وشرحا للصدور. فقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] ومعلوم أن القلب بصره بالغائب كبصيرة العين بالحاضر ومعقول القلب بالرأى كمرئى العين بالبصر فإنا نعلم أن الإنسان يكون حرجا صدره في حكم من الأحكام فإذا تأمل فيه وعرف معناه ينشرح صدره بمعرفة معناه ويطمئن إليه قلبه ويدخله النور والضياء والفسحة وهذا لأن الإنسان إذا قلد الحاكى في شئ وإن كان الحاكى صادقا فألقى في قلبه بعض الحرج ولم ينشرح صدره كل الانشراح فإذا عقل معنى الحكم تم انشراح صدره وانفساحه والجملة أن في قبول فعل صاحب الشرع على ما جاء به حسن الطاعة والانقياد لله ﷿ وفى المصير إلى القياس وطلب المعاني من الأصول الواردة طمأنينة القلب وانشراحها لوقوعها على حجتها ومعانيها المعقولة وما زال طلب طمأنينة القلوب حسنا منذ قال إبراهيم ﵇ مجيبا لقوله ﷺ ولقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] ولهذا لهج الناس بطلب المعاني في الأشياء وسلكوا طريق ذلك في مصالح دنياهم كذلك صح ذلك أيضا في مصالح دينهم والذين فرقوا بين ما يرجع إلى مصالح الدنيا ومصالح الدين ففرق باطل والرجوع إلى الرأى وغالب الظن في الموضعين. وهذا لأن الفوز والنجاة جائز للعبد من الله تعالى وناجيا به غير أن هذه الطاعات والشرائع المشروعة أمارات وعلامات لنيل تلك السعادة ويجوز أن يجعل معنى يغلب عليه الظن علامة لنيل الفوز والسعادة وليس هذا بمستنكر في عقل ولا شرع.
وأما قولهم: إن أحكام الشرع مختلفة فدل اختلافها أنها غير معلولة قلنا من الأحكام ما يعقل معانيها ومنها ما لا يعقل معانيها. ونحن إنما نستجيز القياس فيما نعقل معانيها ولا نستجيز فيما لا يعقل معانيها ووجه انقسام الشرع إلى هذين القسمين هو أن بعضها لا يعقل معانيه ليتحقق الإسلام لأمر الله ﷿ وبعضها ما يعقل معناه ليتم شرح الصدور بتعليل ما يعقل معناه.
_________________
(١) ١ زيادة ليست في الأصل.
[ ٢ / ٩٩ ]
وأما قولهم: إن حجج الله تعالى تكون موجبة قطعا. قلنا: هذا الأصل غير مسلم في العمليات فإن الواحد حجة في العمل وهو حجة من حجج الله تعالى من حيث العمل به وإن لم يكن مقتضيا موجبه على وجه القطع والثبات ولا فرق بين الخبر والعلة لأنه كما يحتمل تعليل المعلل للغلط كذلك الرواية تحتمل الغلط وأما قولهم: إنه ما من فرع إلا ويشبه أصلين مختلفين. قلنا: هذا ممنوع ومن أين قلتم إن كل فرع يشبه أصلين متضادى الحكم. ثم ولئن سلمنا أنه يوجد الفرع الذي له شبه بأصلين متضادى الحكم لكن الله تعالى قد جعل لنا طريقا إلى قوة شبهه بأحد الأصلين فينبغى أن يراجع المجتهد النظر أو يبالغ في النظر ابتداء حتى يظهر له ذلك وقد قال بعض القياسين: إنه يجوز أن يكون حكم الله في الفرع هو التخيير فإذا اعتدل الشبهات عند المجتهد فيكون المجتهد مخيرا يلحقه باى الأصلين شاء فأما كلامهم الأخير. قلنا: نحن إنما نجوز المصير إلى الاجتهاد بعد طلب الحكم في الكتاب والسنة فإذا أعوزه ذلك حينئذ يصير إلى القياس والذى قالوا: إن حصر أحكام الحوادث على معاني النصوص يتضمن الاستحثاث على الإكثار من الأخبار والفكر في معانيها وفى ذلك إماته البدع وإسقاط الهوى.
قلنا: نحن إنما نأمره أولا بطلب أحكام الحوادث في النصوص فإذا لم يجد فيها حينئذ ينتقل إلى المعنى وعلى أنا قدمنا أن في الأمر بطلب المعانى [انشراح] ١ الصدر وانفساحه وطمأنينة القلب وإصابة زيادة النور الداخل عليه من قبول أحكام الله تعالى على طمأنينة القلب مع قبوله على الطوع والانقياد وقد أبتلى الله تعالى عباده بطلب المعانى مرة لتنشرح صدورهم وتضىء قلوبهم ويتجرد القبول والاستسلام مرة ليظهر عطاؤهم المقادة واستسلامهم لأمر خالقهم وبارئهم فيستعمل عقله مرة بطلب المعنى ليظهر له قدر نعمة الله تعالى بما أعطاه من النفاذ في الأمور ومعرفة الله وحكم الله ومعانيه الغامضة التي هى أمارات أحكامه وشرعه فيقابلها بالشكر وينقاد ويستسلم مرة ويحبس عقله من توثبة على الأمور ويصرفه عن عتوه وتجاوزه عن حده المحدود له ليظهر حسن عبوديته وخضوعه وانقياده لمعبوده وهذا باب عظيم وحكمة بالغة وتصريف من الرب للعباد وابتلاء منه لهم ليظهر خفى أمرهم ومكنون سرهم ويتميز الخبيث من الطيب فيهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة والله
_________________
(١) ١ ثبت في الأصل: "أشراح".
[ ٢ / ١٠٠ ]
تعالى للعباد بالمرصاد وهو المستعان.
فإن قيل: أليس لو قال الإنسان لغيره: أعتق سالما عبدى لأنه أسود لم يجز أن يعتق كل عبد له أسود.
الجواب: أنا نقول أولا: لو رودع بمثل هذا. فقال: أعتقوا فلانا لأنه أسود وجب إعتاق كل عبد أسود
فأما في أمر العباد قلنا: هذا دليل عليكم لأن الإنسان إذا قال: أعتقت عبدى لأنه أسود فإن كل عاقل يناقضه إذا لم يعتق غيره من عبيده السود إلا أن يكون قد عرف من قصده أنه أعتقه لأنه أسود مع شرط آخر لا يوجد في غيره وكذلك إذا قال لوكيله: أعتق عبدى سالما لأنه أسود قال له العقلاء فعبدك الآخر أسود فلم خصصت هذا بالعتق إلا أنه لا يجوز لوكيله الإقدام على إعتاق كل عبد أسود لأن الشرع منع من ذلك إلا بصريح القول ولأن الموكل لما جاز عليه البدوات والمناقضات لم يجز الإقدام على إتلاف ماله إلا بصريح القول.
ألا ترى: أن الموكل لو قال هذا القول وأمر وكيله بالقياس لم يكن للوكيل أيضا إعتاق كل عبيده السود وخرج على هذا أمر الشارع لأنه لا يجوز عليه البدوات والمناقضات ولأنه لو أمر بالقياس صريحا أجمعوا على أنه يجوز للمخاطب القياس فثبت الفرق بينهما من كل وجه فهذا وجه الكلام في هذه المسألة وقد طالت جدا لكن هذه المسألة أصل عظيم فلم يكن بد من الكلام فيها على الإشباع والاستقصاء لئلا يدخلها وهم كاذب من الإزراء بالقائسين والراجعين إلى الظنون والله الموفق للصواب والمرشد إلى الحق بمنه وفضله.
وإذا عرفنا جواز القياس في الفروع وتعرف الأحكام من قبله فأول ما نبدأ به بعد ثبوت جواز القياس الكلام فيمن يجوز له الاجتهاد والقياس وإنما يقع الكلام في النبى صلى الله عليه [وسلم] ١ وفى الصحابة إذا اجتهدوا بحضرته
_________________
(١) ١ زيادة ليست في الأصل.
[ ٢ / ١٠١ ]
مسألة: ذكر أصحابنا أنه كان يجوز للنبى ﷺ أن يجتهد في الحوادث١ ويستعمل القياس ويحكم به
وكذلك ذكروا أنه يجوز الاجتهاد من الصحابة بحضرة النبى ﷺ ومن أصحابنا من قال لما كان يجوز للنبى ﷺ ذلك ولا كان يجوز ذلك لأحد من الصحابة بحضرته٢ وعلى هذين القولين اختلف أصحاب أبى حنيفة أيضا. قال أبو زيد: والقصد عندنا أنه لم يكن له العلم بالرأى ابتداء حتى ينقطع طمعه عن الوحى فيما ابتلى به وكان له العمل برأيه بعد ذلك واستدل من أبى جواز ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] فدل أنه لا يحكم إلا على وحى ويدل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس: ١٥] لأنه كان ﷺ يسأل عن أشياء ويتوقف فيها إلى أن يرد النص كالظهار واللعان وغير ذلك ولو جاز الاجتهاد ولم يكن للانتظار معنى والمعتمد لهم أن النبى ﷺ إذا أثبت الحكم بالاجتهاد كان للعالم أن يخالفه ثم إذا خالفه فيكون للعامى التخيير في الاستفتاء وهذا أمر قبيح لا
_________________
(١) ١ ذهب الأشاعرة والمتكلمين إلى أن الاجتهاد في حقه ﵊ جائز عقلا واختاره البيضاوي وذهب الجبائي وابنه وأبو هاشم إنه محال انظر نهاية السول "٤/٥٣٠" فواتح الرحموت "٢/٣٦٦" سلم الوصول شرح نهاية السول "٤/٥٣٠، ٥٣١" المستصفى "٢/٣٥٥" المحصول "٢/٤٨٩" انظر إحكام الأحكام "٤/٢٢٢" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير "٤/٢٢٧، ٢٢٨". ٢ مسألة اجتهاد الصحابة بحضرة الرسول أو في غيبته اختلف فيها الأصوليون في ذلك على أقوال:
(٢) اجتهاد الصحابة في عصر الرسول غير جائز عقلا وهو لبعض الأصوليين.
(٣) اجتهاد الصحابة في عصر الرسول جائز عقلا - وهو مذهب الجمهور والقائلون بالجواز اختلفوا على أقوال:
(٤) يجوز مطلقا للحاضر منهم مجلس الرسول والغائب عن مجلسه وهو لمحمد بن الحسن والباقلاني.
(٥) يجوز للغائب من الولاة والقضاة ولا يجوز لغيرهم كما لايجوز للحاضر في مجلس الرسول انظر نهاية السول "٤/٥٣٨، ٥٣٩" سلم الوصول "٤/٥٣٨، ٥٣٩" المحصول "٢/٤٩٤" فواتح الرحموت "٢/٣٧٤" إحكام الأحكام "٤/٢٣٤" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير "٤/٢٣٤".
[ ٢ / ١٠٢ ]
يقول لديه أحد وأيضا لو جوزنا له الاجتهاد لوجب القطع على أن العلة التي استخرجها هى علة الحكم ولا قطع مع الاجتهاد وإذا لم يقطع جازت مخالفته.
ببينة: أن الأمة أجمعت على أن من استحل مخالفة النبى ﷺ يصير كافرا فإذا جوزنا له الاجتهاد لم يكن تكفير مخالفه في الحكم لأن الاجتهاد طريقه الظن فلا يجوز أن يكفر من يخالفه فيه فثبت أن الاجتهاد ممتنع أصلا وهذا لأن المجتهد لا يؤمن عليه الغلط فكيف يحرم مخالفة من لا يؤمن عليه الغلط ألا ترى أن الرأى في الحروب لما لم يؤمن عليه الغلط كيف جاز مخالفته فإن النبى ﷺ أراد النزول في منزل يوم بدر فقال له الحباب بن المنذر: أرأى رأيته أم وحى؟ فقال: "بل رأى رأيته" فقال: بل الرأى أن ننزل في موضع كذا أو أراد النبي ﷺ أن يعطى يوم الأحزاب قوما من الكفار شطر ثمار المدينة لينصرفوا فقال الأنصار: أرأي رأيته أم وحى فقال: "بل رأى رأيته" فقالوا: لا نعطيهم إلا السيف والله ما كانوا يطعمون ذلك في الجاهلية إلا بشرى أو بقرى فكيف وقد أعزنا الله تعالى بالإسلام ولما دخل المدينة نهاهم عن تأبير النخل ففسد ثمارها ذلك العام فأمرهم بالتأبير وقال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم وأنا أعلم بأمر دينكم" ١ قالوا: ولأنه لا ضرورة له ﷺ إلى الرأى لأن الوحى له متوقع واستعمال الرأى لا يجوز إلا عن ضرورة
ببينة: أن الدين في الأصل لله تعالى فلا يجوز شرعه برأى لا يؤمننا عن الغلط إلا عن ضررورة ولا ضرورة لصاحب الوحى وهذا كتحرى القبلة لا يجوز إلا لمن بعد عن الكعبة فأما من قرب فلا ضرورة له كذلك ها هنا يكون الأمر كذلك قالوا: وأما الأمر بالمشاورة فكان من أمور الدنيا ونحن إنما نجوز الاجتهاد في أمور الدين فأما في أمور الدنيا فهو جائز وعلى أنه ﷺ أمر بمشاورتهم تطييبا لنفوسهم لأخذ برأيهم واستدل من قال: إنه لا يجوز للصحابة أن يجتهدوا بحضرة النبى ﷺ هو أن الحكم بالاجتهاد حكم يغالب الظن فلا يجوز مع إمكان الرجوع إلى النص وقد كان يمكنهم الرجوع إلى نص النبى ﷺ فصار اجتهادهم في هذا الموضع كاجتهاد علماء الأمة في موضع النص وأما دليلنا فيتعلق أولا بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] وهذا على العموم ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ فلو لم يجز لهم الحكم بالرأى لم يؤمر بالمشاورة لأن الذي ينال بالمشاورة محض الرأي. وقولهم: إنه
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم: الفضائل "٤/١٨٣٦" ح "١٤١/٢٣٦٣".
[ ٢ / ١٠٣ ]
أراد بذلك في أمور الدنيا. قلنا: قد كان النبى ﷺ يشاورهم في أمور الدين بدليل المفاداة يوم بدر والمفاداة حكم شرعى وقد شاورهم في ذلك واختلاف أبى بكر وعمر ﵄ في ذلك معروف مشهور وقد روى أن خولة سألت النبى ﷺ عن ظهار زوجها منها فقال: "ما أراك إلا وقد حرمت عليه" فقالت: أشتكى إلى الله ﷿ فأنزل الله تعالى آية الظهار١ ويدل عليه أن النبى ﷺ شاور الصحابة في أمر الأذان فاختلفوا عليه ثم إن عبد الله بن زيد رأى الرؤيا على ما عرف وقد روينا أن النبى ﷺ قال لعمر ﵁ حين سأله القبلة للصائم: "أرأيت لو تمضمضت" ٢ وفي حديث الخثعمية "أرأيت لو كان على أمك دين؟ " ٣ قال تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] وقد كان أذن لهم بالرأى ويدل على ما ذكرناه قصة داود وسليمان صلوات الله عليهما على ما ذكر الله ﷿ وهو قوله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] الآية وقال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] وكانا حكما بالاجتهاد وهذا كله بمعنى وهو أنه كما يجوز في العقول أن يكون مصلحتنا أن نعمل بالاجتهاد بالأمارة تددل عليه مرة ونعمل بالنص مرة إذا وجد كذلك جاز مثله في النبى ﷺ وليس يحيل العقل ذلك في النبى ﷺ ويصححه فينا كما لا يصححه في زيد ويمنع منه في عمرو لهذا يجب عليه وعلينا أن نعمل باجتهادنا في مضار الدنيا ومنافعها وإذا ثبت أن العقل ايمنع من التسوية بيننا وبين النبى ﷺ وبين الأمة ولم يرد شرع يفرق بينه ﷺ وبيننا صارت الدلائل مستمرة على عمومها واستدل من جوز الاجتهاد للصحابة بمحضر النبى ﷺ بما روى أن النبى ﷺ أمر سعدا أن يحكم في أمر بنى قريظة٤ والرسول ﷺ حاضرا وروى أن النبي ﷺ أمر عمرو بن العاص أن يحكم بين نفسين على أنه إن أصاب فله عشر حسنات. فقال: يا رسول الله أجتهد وأنت حاضر؟ قال: "نعم" ولأنه إذا جاز الاجتهاد في غيبة النبى ﷺ وخطأه لا يستدرك فلا يجوز بحضرة النبى ﷺ ولو أخطأ يستدركه النبى ﷺ أولى وأحرى.
_________________
(١) ١ ذكره الحافظ السيوطي في الدر المنثور وقال: أخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن خولة فذكره. انظر الدر المنثور "٦/١٨٠". ٢ تقدم تخريجه. ٣ أخرجه البخاري "٤/٧٧" ح "١٨٥٢" وأحمد: المسند "١/٢٩٥" ح "١٩٧٥". ٤ أخرجه البخاري: الاستئذان "١١/٥١" ح "٦٢٦٢" ومسلم: الجهاد "٣/١٣٨٨" ح "٦٤/١٧٦٨".
[ ٢ / ١٠٤ ]
وأما الجواب عما ذكروه. قلنا: أما قوله تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] فلا دليل من هذه الآية في موضع الخلاف لأن الآية نزلت في شأن القرآن ولأن الهوى عبارة عن هوى النفس الباطل لا عن الرأى الصواب عن عقل ونظر في أصول الشرع أما قولهم إن النبى ﷺ قد توقف في أشياء قلنا: إن كان قد توقف في مواضع فقد اجتهد في مواضع على ما سبق وعلى أنه كان يجوز له أن يجتهد فيما له أصل من الكتاب فيحمل غيره عليه فأما ما لا أصل له فلا سبيل إلى الاجتهاد فيه.
فأما الذى اعتمدوه من قولهم إنه لو جاز الاجتهاد له لجاز لغيره مخالفته قلنا: نحن نقول: يجوز له ﷺ الاجتهاد وأما مخالفة غيره له حرام فإن قيل: كيف يحرم مخالفة قول صدر عن اجتهاد؟ ويمنع مجتهد آخر عن الاجتهاد فيه.
ببينة: أنه لا يتصور أن يحرم على غيره المخالفة إلا بعد أن يكون الدليل قطعيا وإذا لم يكن للنبى ﷺ في نفسه قطعيا كيف يكون في غيره قطعيا. قلنا: بلى قد يجوز صدور١ القول عن اجتهاد لكن يحرم على غيره المخالفة لكونه نبيا في نفسه وإنما حرم المخالفة وإن صدر عن الإجتهاد لأنه ﷺ كان معصوما عن الخطأ في الأحكام فإذا كان معصوما عن الخطأ محروسا عن الزلل كان مصدورا منه محكوما بصحته مقطوعا بذلك فلذلك حرمت المخالفة ومن استحل كفر ويجوز أن يصدر الحكم عن الاجتهاد ثم ينضم إليه ما يوجب القطع بالصحة ويتضمن تحريم المخالفة بدليل الإجماع الصادر عن الاجتهاد.
وأما قولهم: هل يقطع على العلة التي استخرجها أنها علة الحكم قلنا نحن نقطع بذلك لأنه واجب علينا اتباعه وهو لا يقطع بذلك لأنه مجتهد ولأنا نعلم أنها علة الحكم قطعا لما قام لنا من الدليل أنه معصوم عن الخطأ.
وأما قولهم: إن الاجتهاد بحضرته حكم بالظن مع إمكان التوصل إلى العلم قلنا: إذا اجتهد وأقر هو ﷺ على ذلك فقد وقع لنا بحضرته العلم بذلك ولأنه إن أخطأ يمنعه منه على أنه يجوز الحكم بالظن مع أمكان العلم بدليل أنه لا يجوز الحكم بخبر الواحد من إمكان الرجوع إلى قول جماعة يقع الخبر بخبرهم والله أعلم.
وقد بينا اختلافهم في جواز الاجتهاد بحضرة النبى ﷺ وقد قال: بعضهم إذا أذن
_________________
(١) ١ ثبت في الأصل "صدر" ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ٢ / ١٠٥ ]
النبى ﷺ في ذلك والأولى أن يقال: إنه لا يجوز لمن حضر النبى ﷺ أن يجتهد قبل سؤال رسول الله ﷺ كما لا يجوز لأن للمجتهد أن يجتهد قبل طلب النص كما لا يجوز لسالك١ في برية مخوفة أن يعمل على رأيه مع تمكنه من سؤال من يخبره عن الطريق عن علم وإذا سأل النبى يجوز أن يكله النبي ﷺ إلى اجتهاده ليس من ذلك مانع لا من حيث العقل ولا من حيث الشرع.
_________________
(١) ١ ثبت بالأصل: "ليسالك" وهذا أصوب.
[ ٢ / ١٠٦ ]