وبه نستعين
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد؛
فإن علم أصول الفقه من العلوم المُعِينة على فهم الشريعة الغراء، وآلة مهمة لمعرفة الملة السمحاء، فَبِه يُدرِك المتفقه مُنيته، وينال القاصد بُغيته، فلا غنى لطالب العلم عن دراسته، ولا للفقيه عن مدارسته.
وكان من عناية الله بهذه الأمة أن هيأ لها من أهلها من يُعنى بصيانة الأفهام عمَّا دخلها من علم الفلسفة والكلام، ويحفظ عليها اللسان عما داخلها من العُجمة في النطق والبيان، فألَّف أوَّلًا الإمام المطلبي، محمد بن إدريس الشافعي كتابه
[ ٥ ]
«الرسالة»، فأجاد وبلغ بها الغاية، وصار بفضل الله عليه وعلى المسلمين مرجعًا للمؤلفين، وأصلًا للمصنفين، وصار العلماء يأخذون مما صنفه الشافعي بقوة، ويضيفون ويوسِّعون بحسب ما أُوتِيَه كلُّ مؤلِّف منهم من العلوم، وما رزقه الله من الفهوم.
ولما كانت المؤلفات في علم الأصول متنوعة، ومشارب مصنفيها مختلفة، وكان الغالب على المختصر منها طغيان الغموض وغلبة الإلغاز؛ بحثنا في تلكم المختصرات لنستخرج منها مختصرًا مليحًا صالحًا للمبتدئين، ومعينًا للمتوسطين، ومذكِّرًا للمنتهين، فأرشدنا الله بحكمته ولطفه إلى مختصرٍ هو في بابه غايةٌ في الإبداع والتصنيف، عالي الرتبة في الإيجاز والتأليف، وهو المختصر المعروف بـ «قَوَاعِدِ الْأُصُولِ وَمَعَاقِدِ الْفُصُولِ»، لصفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق القَطِيعي البغدادي الحنبلي ﵀.
فاستعنَّا بالله تعالى على تحقيقه غاية الجهد، وألحقناه بتعليقاتٍ منيفةٍ، وحاشيةٍ نافعةٍ مفيدةٍ، للعلامة جمال الدين القاسمي ﵀، منقولة من خطِّه.
كما عَمَدنا إلى تيسير المتن للمتلقي، بحيث يسهل عليه التعرف على المسائل الرئيسة في المتن وما يتفرع عنها، والأقوال المذكورة فيها وقائليها، والأقسام والأنواع والشروط المذكورة فيها، فوفقنا الله ليكون المختصر بهذه الحُلَّة، فالله
[ ٦ ]
نسأل أن تقر بها عينك وينشرح لها صدرك، وهو الموفق والهادي إلى الخير والصلاح.
ولا يخفى أن ثَمَّ مواطنَ في مثل هذا العمل خاصة تختلف فيها أنظار النظار، إلا أن ذلك لا يُغلق باب تسهيل العلم على المتفقهين، وتقريبه للطالبين، ولا يزال هذا التسهيل والتقريب محل اهتمام المؤلفين والعلماء المصلحين، فما كان فيه من صواب فمن الله وحده، وما كان من اجتهاد خاطئ فمنَّا ومن الشيطان، ونرجو من الله العفو والغفران، ومن القارئ النصح والبيان.
والحمد لله رب العالمين
المحققان
[ ٧ ]