كَانَ ﵀ فِي طَلِيعَة الْمُجَاهدين للتتار بِنَفسِهِ، وَكَانَ يحث السُّلْطَان والولاة على الْجِهَاد، ويبشرهم بنصر الله، ويحذرهم من مُخَالفَة أمره بترك الْجِهَاد، وَكَانَ يخْطب النَّاس ويحثهم على الْقِتَال، وبذل النَّفس والنفيس فِي جِهَاد أَعدَاء الله، كَمَا كَانَ يحارب الْبدع بشتى صورها وألوانها، وَيعْمل للْقَضَاء على مظاهرها، باذلًا كل وقته لبَيَان الْحق للْمُسلمين، والدعوة إِلَى العقيدة السلفية، المبنية على كتاب الله وَسنة نبيه ﷺ، وَإِلَى تحكيم الْأُصُول الشَّرْعِيَّة، فَكَانَ سَيْفا مسلولًا على الْمُخَالفين للسّنة وشجى فِي حلوق أهل الْأَهْوَاء المبتدعين وإمامًا قَائِما بِبَيَان الْحق ونصرة الدّين، ناصرًا للسّنة، وَإِن
[ ٣٧٥ ]
خَالَفت مَا عَلَيْهِ النَّاس، مِمَّا أَصَابَهُ بمحن وشدائد يَقُول الذَّهَبِيّ ﵀: “وَلَقَد نصر السّنة الْمَحْضَة، والطريقة السلفية، وَاحْتج لَهَا ببراهين ومقدمات حَتَّى قَامَ عَلَيْهِ خلق من عُلَمَاء مصر وَالشَّام قيَاما لَا مزِيد عَلَيْهِ، وبدَّعوه، وناظروه، وكابروه، وَهُوَ ثَابت لَا يداهن وَلَا يُمَارِي بل يَقُول الْحق المر الَّذِي أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَاده” وَقد كَانَ خصومه يكيدون لَهُ حَتَّى تمكنوا من جعل السُّلْطَان ونوابه يسألونه عَن معتقده فِي عدَّة مجَالِس، وَلَكِن الْحق أَبْلَج وَقد كَانَ كَمَا قَالَ عَنهُ الذَّهَبِيّ: “وَكم من نوبَة قد رَمَوْهُ من قَوس وَاحِدَة فينجيه الله” وَشاء الله أَن يَبْتَلِي الشَّيْخ فأوذي فِي ذَات الله من الْمُخَالفين، وأخيف فِي نصر السّنة الْمَحْضَة، وامتحن مرَارًا، وَاتفقَ أهل الْأَهْوَاء والبدع والشهوات على معاداته، وجُلُّ من عَادَاهُ تستروا باسم الْعلمَاء والزمرة الفاخرة، فتخرصوا عَلَيْهِ بِالْكَذِبِ والبهتان، ونسبوا إِلَيْهِ مَا لم يقلهُ، وَمَا لم يَنْقُلهُ، وَمَا لم يُوجد لَهُ بِخَط، وَلَا سمع مِنْهُ فِي مجْلِس، فسجن بسببهم فِي قلعة مصر والقاهرة، والإسكندرية، وَفِي قلعة دمشق مرَّتَيْنِ، كل ذَلِك بِسَبَب تمسكه بنصوص الْكتاب وَالسّنة على فهم السّلف الصَّالح رضوَان الله عَلَيْهِم وَكَانَ رَحمَه لله ينشر دَعوته بَين النَّاس وَهُوَ فِي دَاخل سجنه حَتَّى كَانَ النَّاس يأْتونَ إِلَيْهِ من كل مَكَان يستفتونه، ويتلقون كلمة الْحق مِنْهُ، وَفِي آخر حَيَاته ﵀ سجن فِي قلعة دمشق حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِين، وَهُوَ ثَابت على لحق الْمُبين، لَا يَشْتَرِي رَاحَة الدُّنْيَا بِشَيْء من الدّين فرحمه الله رَحْمَة وَاسِعَة، وَجعله من أهل الفردوس الْأَعْلَى.
[ ٣٧٦ ]