اعلم أنَّ السلف يطلقون اسم النسخ على ما يطلقه عليه الأصوليون، وعلى التخصيص والتقييد، فالجميع يسمونه نسخًا كما نبَّه عليه غير واحد.
وأمَّا الأصوليون فلا يطلقون النسخ على التخصيص، ولا
_________________
(١) (١/ ٢٨٩).
[ ١٠٠ ]
التخصيص على النسخ، وحد النسخ عندهم هو ما تقدَّم.
وحدُّ التخصيص في اصطلاحهم هو: قصر العام على بعض أفراده بدليل يقتضي ذلك، كما سيأتي إن شاء اللَّه.
وبتعريف كل منهما يظهر الفرق، وذكر المؤلف الفرق بينهما من سبعة أوجه:
الأول: أنَّ التخصيص بيان أنَّ المخصوص غير مراد باللفظ، والنسخ يخرج ما أريد باللفظ الدلالة عليه.
وإيضاحه: أنَّ مثل قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [العنكبوت/ ١٤] ظاهره أنَّها ألف كاملة، لكن قوله: ﴿إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ بين أنَّ هذه الخمسين غير مراد دخولها في الألف، وأن المراد بالألف تسعمائة وخمسون، بدليل قوله: ﴿إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾، وهذا المثال بناء على أن الاستثناء بِـ "إلَّا" ونحوها من العدد تخصيص، وهو قول الأكثر، كما أشار إليه في "المراقي" بقوله:
وعدد مع كـ "إلا" قد وجب له الخصوص عند جلَّ من ذهب
بخلاف النسخ، فالذي يرفعه الناسخ كان قبل النسخ مقصودًا دخولُه في معنى اللفظ وفي الحكم، كما هو واضح.
الثاني: أنَّ النسخ يشترط تراخيه كما تقدم، بخلاف التخصيص فإنه يجوز اقترانه، وربما لزم، كالتخصيص بالشرط والصفة والغاية والاستثناء وبدل البعض من الكل، كما يأتي إيضاحه إن شاء اللَّه تعالى في مبحث المخصِّصات.
[ ١٠١ ]
الثالث: أنَّ النسخ يدخل في الشيء الواحد، كنسخ استقبال بيت المقدس ببيت اللَّه الحرام، فالمنسوخ شيء واحد، بخلاف التخصيص فلا يدخل إلا في عام له أفراد متعددة يخرج بعضها بالمخصِّص، ويبقى بعضها الآخر.
الرابع: أنَّ النسخ لا يكون إلا بخطاب جديد، والتخصيص قد يقع بغير خطاب، كالتخصيص بالقياس وبالعقل وبالعرف المقارن للخطاب، وغير ذلك كما سيأتي إيضاحُه في مبحث المخصِّصات المنفصلة.
الخامس: أنَّ النسخ لا يدخل الأخبار، وإنما هو في الإنشاء فقط، بخلاف التخصيص فإنَّه يكون في الإنشاء وفي الخبر.
السادس: أنَّ النسخ لا يبقى معه دلالة اللفظ على ما تحته، والتخصيص لا ينتفي معه ذلك.
إيضاحه: أنَّ مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة/ ٢٤٠] لمَّا نُسِخَ بقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة/ ٢٣٤] لم تبق دلالةُ الآية الأولى على الحول في العدَّة مقصودة في المستقبل بعد ورود الناسخ بخلاف التخصيص.
وسيأتي أن التحقيق عند متأخري الأصوليين أنَّ العام المخصوص يراد فيه شمول جميع الأفراد من حيث تناول اللفظ لها، دون الحكم لها، لوجود المخصص، أمَّا العام المراد به الخصوص، فالأفراد
[ ١٠٢ ]