خلاصة هذا المنهج أن التاج السبكي كان يبدأُ المسألة المطروحة ببيان معناها اللغوي، ومن ثَمَّ يُعرِّجُ على المعنى الاصطلاحي؛ ليتبين وجه العلاقة بين المعنيين، وهذا المنهج سار عليه التاج السبكي في أغلب مباحث «شرح المنهاج» في حين كان مقلًّا منه في «شرح المختصر».
ومن الشواهد الدالة على اتباعه هذه المنهج:
١ - قوله في بيان المراد بالمجمل في كتابه «الإبهاج»: «المجمل: مأخوذ من الجَمْل، بفتح الجيم وإسكان الميم، وهو: الخلط، ومنه قوله ﵊: ﴿لعن الله اليهود؛ حرم الله عليهم شحوم الميتة فجملوها - أي خلطوها - وباعوها فأكلوا ثمنها﴾ (١) [قال التاج السبكي معقبًا]: فسمي اللفظ مجملاُ لاختلاط المراد بغيره» (٢).
٢ - وقوله في بيان سبب إطلاق النص على اللفظ الذي لا يحتمل إلا معنىً واحدًا: «نصت الظبية جيدها إذا رفعته، ومنه منصة العروس» (٣) (٤).
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام برقم ٤٠٢٦ وأحمد في المسند ٢٨٠٩
(٢) التاج السبكي، الإبهاج (٢/ ٢٠٦)
(٣) انظر الرازي، مختار الصحاح ص ٢٧٦ مادة نصص
(٤) التاج السبكي، الإبهاج (١/ ٢١٥)
[ ١٢٣ ]
٣ - وقوله في بيان الاستدلال في «رفع الحاجب»: «والاستدلال: استفعال من الدليل واستفعل ترد في لغة العرب للطلب، وللتحرك، وللإيجاد (١)، ولإلغاء الشيء: بمعنى ما صيغ منه، أو لعده كذلك، ولمطاوعة أفْعَلْ ولموافقته وموافقة تفعَّل وافتعل والمجرد، والإغناء عنه وعن فعل [إلى أن قال]: إذا عرفت هذا، فالاستدلال في الاصطلاح مشترك؛ فإنه يطلق على ذكر الدليل سواء أكان نصًا أم إجماعًا أم غيرهما، ويطلق على نوع خاص من أنواع الأدلة وهو المقصود ببيانه هنا، وله عقد الباب [ثم قال]: وقد علمت توارد استفعل اللغة، وعندي: أن المقصود منها في مصطلح الأصوليين الاتخاذ، والمعنى: أن هذا باب ما اتخذوه دليلًا، والسر في جعل هذا الباب متخذا دون الكتاب والسنة والإجماع والقياس؛ لأن تلك الأدلة قام القاطع عليها، ولم يتنازع المعتبرون في شيء منها، وكأن قياسها لم ينشأ عن صنيعهم واجتهادهم، بل أمر ظاهر» (٢).