نحتاج (٨) إلى:
- بيان صورة المسألة.
- وإلى بيان حكمها.
أما الأول:
فإن شريعة من قبلنا إنما تعرف: إما بالتنصيص عليها في كتابنا من غير
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "لهم".
(٢) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "لهم".
(٣) "يقال" من ب.
(٤) "أمر بذلك. . . في ذلك" ليست في ب.
(٥) كذا في الصل وأ. وفي ب: "النبي - ﷺ - صواب بيقين، وفي رأيه احتّمال، فلا يجوز له ترك الصواب يقينًا والرجوع إلى المحتمل".
(٦) "أن يجتهد" من أ. وليست في الأصل وب.
(٧) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "يلزمنا".
(٨) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "يحتاج".
[ ٤٦٨ ]
إنكار، وإما بقول رسولنا - ﷺ - من غير إنكار (١)، ومن غير بيان النسخ.
أما لا يثبت بقول أهل الكتاب لكونهم متهمين في ذلك، ولا بكتابهم - لأنه ثبت تحريف بعضه، عندنا، بقوله تعالى: "يحرفون الكلم عن مواضعه" (٢)، ولا بقول من أسلم منهم أيضًا، لأنه إنما (٣) عرف ذلك بظاهر الكتاب أو بقول جماعتهم، لا حجة في ذلك لما قلنا.
وأما حكم المسألة:
فقد اختلف فيه (٤) أهل الأصول:
قال بعضهم: لا يلزمنا، إذ (٥) لمنبي شريعة على حدة تنتهي بوفاته، ويتجدد للثاني شريعة أخرى إلا ما لا يحتمل التوقيت والانتساخ.
وقال بعضهم: كل شريعة ثثبتت لنبي، في باقية في حق منبي إلى قيام الساعة، ما لم يثبت الانتساخ. فعلى هذا يلزمنا شريعة من قبلنا، إلا ما ثبت نسخه بكتابنا، وبوحي ثبت في حق رسولنا ﵇.
وبه قال كثير من أصحابنا وأصحاب الشافعي ﵏.
وقال بعضهم: إنه لا يلز مه إلا اتباع شريعة إبراهيم ﵇.
وقال مشايخنا [و] رئيسهم الشيخ (٦) الإمام أبو منصور الماتريدي ﵀: إن ما عرف بقاؤه (٧) من شريعة من قبلنا بكتابنا أو بقول رسولنا
_________________
(١) "وإما بقول. . . إنكار" ليست في ب.
(٢) سورة النساء: ٤٦: "مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ". والمائدة: ١٣: "فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ. . . ". والمائدة: ٤١: ". . . وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا. . .". والبقرة: ٧٥: "وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ".
(٣) "إنما" من (أ) و(ب).
(٤) "فيه" ليست في أ.
(٥) في ب: "بل".
(٦) "الشيخ" ليست في أ.
(٧) في ب كذا: "بقاه".
[ ٤٦٩ ]
- ﷺ - ولم يثبت انتساخه، يصير شريعة لرسولنا - ﷺ -، فيلزمه ويلزمنا (١) على أنه شريعته، لا أنه يلزمنا على أنه شريعة (٢) من قبلنا من الأنبياء ﵈، كما في سائر ما تجدد في شريعتنا: يلزمنا على أنه شريعة نبينا.
وهذا هو مذهب أصحابنا، حتى روي عن محمد ﵀ أنه احتج لجواز (٣) قسمة الشرب بقصة صالح ﵇: أن الله تعالى جعل لناقته شرب يوم ولقومه شرب يوم، كما قال تعالى: "لها شرب ولكم شرب يوم معلوم" (٤): لما قص الله تعالى من غير إنكار، صار شريعة لنبينا - ﷺ -.
وجه قول الفريق الأول- النص (٥)، والمعقول:
أما النص- فقوله (٦) تعالى: "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا" (٧). وهذا نص على أن لمنبي شريعة على حدة، ومن ضرورته أن تنتهي بوفاته وتتجدد (٨) في حق (٩) الثاني، إلا ما لا يحتمل التوقيت، كأصل العبادات ونحوها.
و[المعقول]: لأن كل واحد رسول الله تعالى: فإن (١٠) الرسول من يبلغ رسالة المرسل، فيكون (١١) سفيرًا بين المرسل والمرسل إليهم (١٢)، فيما يرجع إلى مصالح داريهم، فالرسالة هي السفارة في اللغة والعرف.
_________________
(١) في ب: "فيلزمنا ويلزمه".
(٢) في أ: "شريعته".
(٣) في ب: "بجواز ".
(٤) سورة الشعراء: ١٥٥ - والآية: "قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم". كما قال تعالى في سورة القمر: ٢٨: "ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر".
(٥) في أ: "النقل".
(٦) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "قوله".
(٧) سورة المائدة: ٤٨.
(٨) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل التاء الأولى غير منقوطة.
(٩) "في حق" من (أ) و(ب).
(١٠) في أ: "وإن".
(١١) في ب: "ويكون".
(١٢) "إليهم" ليست في أ.
[ ٤٧٠ ]
وإذا كان تفسير الرسول (١) هذا، [فـ] لو لم ينته الشريعة الأولى وتتجدد (٢) في حق الثاني، يكون الثاني خليفة للأول ورسوله، لا رسول الله تعالى. فإن الرسول الأول في حال حياته إذا أرسل واحدًا من أوليائه وأصحابه إلى بلدة من بلاد مملكته يكون المرسل رسوله (٣) لا رسول الله تعالى، فكذا بعد وفاته: لو كان الثاني يقوم بإحياء (٤) شريعته، يكون رسوله وخليفته، لا رسول الله تعالى، والكلام في الرسول. أما نحن [فـ] نجوز أن يكون الثاني (٥) بعد الرسول خليفته، لا رسول الله تعالى، بأن جعله خليفة نفسه بعد وفاته، باجتهاده أو بالوحي، فيعمل بشريعة (٦) الأول، ولم ينزل إليه الوحي بعده، كما بعد رسولنا - ﷺ - (٧): يكون العلماء خلفاءه ورسله (٨)، لا رسل (٩) الله تعالى. ولهذا قلنا: كان يجوز أن يبعث الله تعالى، في زمان واحد، رسولين ورسلا، إلى أماكن مختلفة متباينة، وشريعتهم واحدة أو مختلفة، لوجود حد الرسالة. وكذا يجوز [أن يبعث] في مكان واحد، أو في (١٠) مكانين قريبين، رسولين (١١)، كهرون وموسى، وإبراهيم ولوط، ﵈، إذا كانت (١٢) شريعتهما واحدة ويجوز إذا كانت (١٣) شريعتهما (١٤) مختلفة إذا
_________________
(١) زاد في ب: "ﷺ".
(٢) في الأصل التاء الأولى غير منقوطة.
(٣) في أ: "ورسوله".
(٤) في ب: "بأخبار".
(٥) في ب: " أن يكون واحد".
(٦) في ب: "شريعة".
(٧) "صلى. . . وسلم" من ب.
(٨) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "ورسوله".
(٩) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "لا رسول".
(١٠) "في " من ب.
(١١) في أ: "رسولان".
(١٢) التاء من ب. وفي الأصل و(أ): "كان".
(١٣) التاء من ب.
(١٤) هنا في أتكرار عبارة: "واحدة ويجوز إذا كانـ[ت]، شريعتهما".
[ ٤٧١ ]
بعثا إلى طائفتين. أما لا يجوز أن يبعث إلى طائفة واحدة، في زمان واحد (١)، رسولان (٢)، على شريعة مختلفة، لتضاد بينهما - فدل أن الدار على هذا.
وجه قول الفريق الثاني - النص، والمعقول:
أما (٣) النص - فقوله (٤) تعالى: "فبهداهم اقتده" (٥). فالله تعالى (٦) أمر النبي ﵇ بالاقتداء بهدى الأنبياء المتقدمة، والهدى اسم للإيمان والشرائع - قال الله تعالى: "هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة" (٧) - إلا أنه (٨) فسر الهدى بالإيمان والشرائع جميعًا - ألا ترى أنه قال تعالى (٩) في آخره: "أولئك على هدى من ربهم" (١٠).
وأما المعقول - فهو (١١) أن ما ينسب (١٢) إلى الأنبياء ﵈ من الشريعة، فهو شريعة الله تعالى، لا شريعة من قبلنا من الأنبياء ﵈، فهو الشارع للشرائع والأحكام - قال الله تعالى: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا" (١٣) - وإذا كان كذلك [فـ]، يجب على منبي
_________________
(١) "في زمان واحد" من (أ) و(ب).
(٢) في ب: "رسولين".
(٣) " أما" ليست في ب.
(٤) الفاء من أ.
(٥) سورة الأنعام: ٩٠: "أو لثك الذين هدى الله فبداهم اقتده".
(٦) "فالله تعالى" من أ.
(٧) سورة البقرة: ١ - ٥: "الم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون. أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون".
(٨) "إلا أنه" من ب.
(٩) "تعالى" من ب.
(١٠) سورة البقرة: ٥. راجع الهامش ٧ المتقدم.
(١١) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "وهو".
(١٢) في (أ) و(ب): "ما نسب".
(١٣) سورة الشورى: ١٣.
[ ٤٧٢ ]
الدعاء إلى شريعة الله تعالى وتبليغها إلى عباده (١) - قال الله تعالى: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إلي إليك من ربك" (٢) - إلا إذا ثبت الانتساخ، فيعلم به أن المصلحة قد تبدلت بتبدل الزمان، فينتهى الأول إلى الثاني. وأما (٣) مع بقائه شريعة لله تعالى أو (٤) مع قيام المصلحة والحكمة (٥) في البقاء، [فـ] لا يجوز القول بانتهائها بوفاة الرسول (٦) المبعوث الآتى بها، فيؤدي إلى التناقض - تعالى الله عن ذلك.
وجه قول من ادعى الاختصاص باتباع إبراهيم ﵇ - ظاهر قوله تعالى: "ثم اوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا" (٧) وقال الله تعالى: "فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفًا" (٨)، فيجب القول به.
وجه القول المختار أن النبي - ﷺ - بعث لحفظ ما أنزل إليه من الله تعالى وتبليغه إلى الخلق - قال الله تعالى: "سنقرؤك فلا تنسى إلا ما شاء الله" (٩) وقال الله (١٠) تعالى: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك" (١١)، وما بعث لحفظ شرائع من قبله من الأنبياء ﵈ (١٢) وتبليغ ذلك
_________________
(١) في ب: "عباد الله".
(٢) سورة المائدة: ٦٧
(٣) في (أ) و(ب): "فأما".
(٤) الهمزة من ب.
(٥) في ب: "والحكم".
(٦) زاد في ب: "ﷺ".
(٧) سورة النحل: ١٢٣.
(٨) سورة آل عمران: ٩٥. وانظر أيضًا البقرة: ١٣٥. والنساء: ١٢٥. والأنعام: ١٦١. ويوسف: ٣٧ و٣٨. والنحل: ١٢٣. والحج: ٧٨.
(٩) سورة الأعلى: ٦ - ٧: "سنقرئك فلا تنسى. إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفي".
(١٠) "الله" ليست في ب.
(١١) سورة المائدة ٦٧
(١٢) "﵈" من أ.
[ ٤٧٣ ]
إلى أمته، لأنه لو بعث لذلك يصير كواحد من دعاتهم وواحد (١) من علمائهم وخلفائهم (٢) دون أن يكون مبعوثًا ليكون رسول الله تعالى إلى خلقه، لتبليغ شريعته إليهم - ألا ترى أن النبي - ﷺ - بعث رسلا إلى الآفاق، وهم لا يكونون رسل الله تعالى بل رسل النبي - ﷺ - ودعاته وخلفاءه في تبليغ الوحي. كما قال - ﷺ - (٣) لمعاذ ﵁ حين بعثه إلى اليمن: "بم تقضي؟ " قال: "بكتاب الله تعالى" - قال: "فإن لم تجد؟ " قال: "بسنة رسول الله - ﷺ - " (٤) قال: "فإن لم تجد؟ " قال: "أجتهد في ذلك رأيي" (٥)، فقال النبي - ﷺ -: "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله" - إذ لو كانوا رسل الله تعالى لوجب علينا الانقياد لكل (٦) ما سمعنا منهم والاعتقاد به (٧) قطعًا، ولا يجب علينا سوى ما نسبوا إلى النبي (٨) ﵇، ولما ذكرنا من حد الرسالة أيضًا. و(٩) لأنه كان ﵇ من أفضل الرسل ﵈، فلم (١٠) يجز أن تكون شرائعهم لازمة لنا، حتى يكون هو داعيًا لغيره، في تبليغ شرائعهم إلى أمته (١١) فيبطل فضله، لصيرورته تبعًا لهم في الشرائع. ولأنه - ﷺ - خاتم الأنبياء ﵈ بقوله (١٢) تعالى: "وخاتم النبيين" (١٣). ثم ثبت نزول عيسى صلوات الله
_________________
(١) في ب: "وكواحد".
(٢) "وخلفائهم" ليست في ب.
(٣) و(٤) "صلى. . . وسلم" من ب.
(٤) في ب كذا: "برأي". وانظر فيما يلى ص ٥٦١.
(٥) في أ: "بكل".
(٦) "به" من (أ) و(ب).
(٧) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "إليه ﵇".
(٨) في هامش أ: " وإذا ثبت هذا وكان ﵇".
(٩) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "لم".
(١٠) "إلى أمته" من (أ) و(ب).
(١١) في ب: "لقوله".
(١٢) سورة الأحزاب: ٤٠: "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما".
[ ٤٧٤ ]
عليه في آخر الزمان بطريق الشهرة، وقال أهل التفسير في قوله تعالى: "وإنه لعلم للساعة" (١). وفي قراءة: "وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها" - ير اد به عيسى ﵇، وكان (٢) يدعو الناس إلى شريعة محمد - ﷺ -، لا إلى شريعة نفسه، فإنه يقاتل الدجال، والقتال لم يكن مشروعًا في شريعته. ولو ثبتت الرسالة بالدعاء إلى شريعة غيره، لصار عيسى مبعوثًا لتبليغ رسالته، فيصير هو خاتم الأنبياء، لا (٣) رسولنا، فيؤدي إلى الخلف في خبر الله تعالى، وهو فاسد (٤)، فما أفضى إليه مثله. ويدل عليه ما روي أن رسول الله - ﷺ - رأى في يد عمر ﵁ صحيفة، فقال - ﷺ -: "ما هي (٥)؛؟ " فقال: "التوراة"، فغضب رسول الله (٦) - ﷺ - وقال: "أتتهوكون (٧) أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى. والله (٨) لو كان موسى صلو ات الله عليه (٩) حيًا لما وسعه إلا اتباعي": فيه إشارة إلى أنه هو المتبوع، وعلى ما قلتم جعل المتبوع تابعًا، وهذا مما يجب التبري عنه في صفاته - ﷺ -.
والجواب:
- عن تعلقهم بقوله تعالى: "فبهداهم اقتده" (١٠) - فنقول: المراد من الهدى ههنا هو الدين، وإن كان يحتملهما (١١) لغة أو (١٢) يشملهما، لوجهين:
_________________
(١) في الأصل قد تكون "الساعة"- سورة الزخرف: ٦١: "وإنه لعلم للساعة فلا تمترون بها واتبعون هذا صراط مستقيم".
(٢) في أ: "فإنه".
(٣) "لا" ليست في ب.
(٤) "وهو فاسد" ليست في ب.
(٥) في ب: "ما كان".
(٦) "رسول الله" ليست في ب.
(٧) هوك الرجل هوكا حمق وفيه بقية من عقل. وتهوك فلان تحير وتهور واضطرب في القول (المعجم الوسيط). وفي أ: "أمتهوكون". وفي ب: "أمهوكون".
(٨) "والله" من أ.
(٩) "صلوات الله عليه" ليست في ب.
(١٠) سورة الأنعام: ٩٠. وراجع فيما تقدم ص ٤٧٢.
(١١) في ب كذا: "ـحههما".
(١٢) في أ: "و".
[ ٤٧٥ ]
• أحدهما - أن قوله تعالى: "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا" (١) خاص في حق (٢) الأحكام. وقوله تعالى (٣): "فبهداهم اقتده" (٤) إما عام أو مشترك، وكيفماكان: فالعمل بالخاص أولى من العمل بالعام (٥) والمشترك، فيكون (٦) عملا بالدليلين.
• والثاني - أن الله تعالى أمره بالاقتداء بهداهم. فإن (٧) كان المراد منه الدين، أمكن الاقتداء بجميع الأنبياء، لأن دين الكل واحد - قال الله تعالى: "إن الدين عند الله الإسلام" (٨). فأما الاختلاف [فـ] ثابت في كثير من الشرائع بينهم، فلا يمكن الاقتداء بالكل في الشرائع في زمان واحد، لأنه يؤدي إلى التضاد، فوجب الحمل على الدين عملا بعموم الاقتداء، ويكون موافقًا للنص الآخر أيضًا، وهو قوله تعالى: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا" إلى أن قال: "ولا تتفرقوا فيه (الآية) " (٩)، وذلك لا يتصور إلا في الإيمان، لأن في كثير من الشرائع تفرقوا فيه - وهو الجواب عن تعلقهم بقوله تعالى: "فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفًا" (١٠): المراد
_________________
(١) سورة المائدة: ٤٨. راجع ص ٤٧٠.
(٢) "حق" من أ.
(٣) "تعالى" من ب.
(٤) سورة الأنعام: ٩٠. راجع ص ٤٧٢.
(٥) كذا في أ: "من العمل بالعام". وفي الأصل و(ب): "من العام".
(٦) في أ: "ليكون".
(٧) في ب: "وإن"
(٨) سورة آل عمران: ١٩.
(٩) سورة الشوري: ١٣: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين كما تدعوهم إليه الله يجتبى إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب".
(١٠) سورة آل عمران: ٩٥. وانظر أيضًا البقرة: ١٣٠، ١٣٥. والنساء: ١٢٥. والأنعام: ١٦١. ويوسف: ٣٨. والنحل: ١٢٣.والحج: ٧٨. وراجع الهامش ٨ ص ٤٧٣.
[ ٤٧٦ ]
من الملة (١) هو الدين، إما (٢) لأن الملة والدين واحد في اللغة، أو كان اسمًا للدين (٣) والشرائع جميعًا، ولكن المراد منه ههنا هو الدين دون الشريعة، لما ذكرنا من تفسير الرسالة - وفي الآية ما يدل عليه فإنه قال تعالى (٤): "وما كان من المشركين" (٥): دل أنه كان مأمورًا (٦) بالاتباع في الدين.
- وأما ما ذكروا من المعقول: أن ما نسب من الشريعة إلى الأنبياء، فهو (٧) شريعة الله تعالى، فنقول: بلى، ولكنها منسوبة إلىمنبي أمر بتبليغه إلى أمته بطريق الرسالة من الله تعالى، لا بطريق الخلافة والنيابة (٨) عن رسول آخر، بل يكون سفيرًا بين الله تعالى وبين خلقه، فيما أخبر من صلاح داريهم، وأمر بتبليغه إليهم، وإنما يتحقق هذا أن لو انقطعت النسبة عن غيره ويكون شريعته ابتداء، إذ لو لم تنقطع النسبة يكون داعيًا لمن نسب إليه، وخليفة (٩) عنه في التبليغ على ما ذكر نا، إلا أن ما ثبت من الشرائع االمتقدمة وبقي إلى وقت مبعثه، يصير شريعة له، ويؤمر (١٠) بتبليغه بالرسالة عن (١١) الله تعالى، والنيابة عنه، لا أنه نائب عن الرسل المتقدمة في تبليغ ما هو شريعة لهم إلى أمته (١٢) على ما ذكرنا.
_________________
(١) "من الملة" من ب. والملة الشريعة أو الدين (المعجم الوسيط).
(٢) "إما" ليست في ب.
(٣) كذا في ب وهامش أتصحيحًا. وفي الأصل ومتن أ: "للإيمان".
(٤) "تعالى" من ب.
(٥) سورة آل عمران: ٩٥ الآية: " قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين".
(٦) كذا في ب. وفي الأصل و(أ): "دل أنه مأمور".
(٧) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "فهي".
(٨) "والنيابة" ليست في ب.
(٩) في ب: "نسبت وخليفة".
(١٠) في ب: "فيؤمر".
(١١) في أ: "من".
(١٢) "إلى أمته" من ب.
[ ٤٧٧ ]
- فإن قالوا: أليس أن رسول الله - ﷺ - كان قبل نزول الوحي عليه (١) على أحكام شريعة (٢) إبراهيم ﵇ في الحج والمناسك وغيرهما (٣) مما عرفه بقول الثقات: فإنه كان يقف بعرفة خلاف ما كان (٤) يفعله المشركون من الوقوف في الحرم دون عرفة (٥). وكان المشركون يطوفون بالبيت (٦) عراة (٧)، وهو يطوف كاسيًا طاهرًا. وكان (٨) لا يأكل المهية ويأكل الذبيحة ويرى ذبح البهائم من النعم والوحش. وكان يركب الفرس والبعير. وكان يستعمل الختان - كما هو شرع إبراهيم ﵇. وكل (٩) ما عرف من شرائعهه امتثل به وعمل على موجب حكمه، إلا ما ثبت انتساخه بعد ذلك في شريعته، وما لم يعرفه منها فليس بفرض عليه. على أن بعد المبعث (١٠) رجم يهوديًا ويهودية بحكم التوراة وطلب منهم إحضار التوراة وقال: "أنا أحق بإحياء سنة أماتوها". وكذلك دخل المدينة - ﷺ - (١١) يوم عاشوراء (١٢) فوجد اليهود يصومون، فسأل عن شأنهم، فقيل: إن هذا يوم أنجى الله تعالى فيه موسى ﵇ وأغرق فوعون فيصمومون شكرًا لذلك، فقال - ﷺ - (١٣): "أنا أحق بإحياء سنة أخي موسى ﵇"، فصام وأمر الناس بالصوم - والجواب: قلنا:
_________________
(١) "عليه" ليست في ب.
(٢) "شريعة" ليست في ب.
(٣) كذا في أ. وفي الأصل و(ب): "وغيره".
(٤) "كان" من أ.
(٥) في هامش أ: "غيره" أي دون غيره.
(٦) "بالبيت" من ب.
(٧) كذا في أ. وفي الأصل: "عريانا". وفي ب: "عرايا".
(٨) في ب: "فكان".
(٩) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: "وكان".
(١٠) في أ: "البيت".
(١١) "صلى. . . وسلم" من ب.
(١٢) "يوم عاشوراء" ليست في ب.
(١٣) "ﷺ" من ب.
[ ٤٧٨ ]
• إن النبي - ﷺ - قبل الوحي، في مقام النبوة، على ما روي عنه - ﷺ - أنه قال: كنت نبيًا وآدم بين الماء والطين. وكان يرى من نواقض العادات ما يعرف أنه معد لأمر عظيم، فما ثبت عنده بقول (١) أسلافه، وكان (٢) من ممكنات العقل لا من ممتنعاته، فرأى حسنه باجتهاده، وهو معصوم عن الغلط في أمور الدين، وعن كل قبيح خفي - فيصير شريعة له، فيعمل على أنه شريعة الله تعالى، وأنه واجب عليه العمل به- كما كان يفعل (٣) في بعض الأشياء بعد المبعث باجتهاده ولم ينتظر نزول الوحي - فلم يكن ذلك عملا بشريعة من قبله في الحاصل.
• وأما رجم اليهوديين فنقول: كان الرجم من شريعته في ابتداء الأمر على ما روي عن عمر ﵁ أنه قال: إن مما يتلى في كتاب الله تعالى: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيم"، وكان من عادة القوم الزنا، وكان لا ينزجر (٤) البعض عن ذلك، فشرع أغلظ الزواجر مبالغة (٥) في الزجر. ثم لما تركت (٦) العامة ذلك وقل وجوده، وقع الاكتفاء بالأدنى، فانتسخ في بعض الأزمان. ثم لما تغير الزمان وتبدلت المصلحة شرع في حق البعض الرجم وبقي الجلد (٧) في حق البعض. ولكن كان اليهود في الابتداء ما التزموا أحكام شرع رسول الله - ﷺ - وما صاروا ذمة له، وكانوا أنكروا الرجم فأمرهم
_________________
(١) في ب: "كما ثبت بقول".
(٢) كذا في (أ) و(ب). وفي الأصل: " فكان".
(٣) في ب. "يفعل به".
(٤) في ب كذا: "لاندجر".
(٥) كذا في هامش أ. وفي الأصل وب ومتن أ: "إبلاغًا" - وبالغ في الشيء مبالغة وبلاغًا اجتهد فيه واستقصى أو غالى فيه (المعجم الوسيط)
(٦) في ب: "ترك".
(٧) "الجلد" ليست في ب.
[ ٤٧٩ ]
بإحضار التوراة وأظهر أن ذلك حكم شريعتهم، إظهارًا للمعجزة في حقهم: أنه عرف ذلك من الله تعالى إذ هم كانوا يخفون ذلك، ولم يعرف (١) بالسماع منهم، ثم أقام الرجم بحكم شريعته عند نفسه، وإن كان عند اليهود أنه أقام الرجم (٢) بحكم شريعتهم، أو كان جائزًا أن ذلك صار شريعة له في حق ذينك (٣) اليهوديين على الخصوص (٤)، لا في حق العامة. وإنما قال - ﷺ -: "أنا أحق بإحياء سنة أماتوها" أو قال - ﷺ -: "أنا أحق بإحياء سنة أخي موسى ﵇" بناء على زعمهم (٥)، و(٦) أما في الحقيقة [فقد] صار ذلك سنة نبينا - ﷺ -.
• وأما صوم عاشوراء فبعض أصحابنا قالوا: إنه لم يكن فرضًا في شريعتنا، ولكنه ندب الناس إلى صوم عاشوراء لفضيلة ذلك اليوم، وصار ندب الصوم (٧) فيه شريعة له - ﷺ - (٨)، لا أنه أمرهم بذلك عملا بشريعة موسى ﵇- والله أعلم (٩).
[٥]