"السادس: الحكم إن ثبت على خلاف الدليل لعذر فرخصة، كحل الميتة للمضطر والقصر والفطر للمسافر واجبا ومندوبا ومباحا، وإلا فعزيمة" أقول: هذا تقسيم آخر للحكم باعتبار كونه على وفق الدليل أو خلافه، وحاصله: أن الحكم ينقسم إلى رخصة وعزيمة، فالرخصة في اللغة التيسير والتسهيل، قال الجوهري: الرخصة في الأمر خلاف التشديد فيه، ومن ذلك: رخص السعر إذا سهل وتيسر وهي بتسكين الخاء وحكي أيضا ضمها، وأما الرخصة بفتح الخاء، فهو الشخص الآخذ بها كما قاله الآمدي. وفي الاصطلاح ما ذكره المصنف، وهو الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر، فالحكم جنس وقول الثابت إشارة إلى أن الترخص لا بد له من دليل، وإلا لزم ترك العمل بالدليل السالم عن المعارض، فنبه عليه بقوله الثابت؛ لأنه لو لم يكن لدليل لم يكن ثابتا بل الثابت غيره. قوله: "على خلاف الدليل" احترز به عما أباحه الله تعالى من الأكل والشرب وغيرهما، فلا يسمى رخصة لأنه لم يثبت على المنع منه دليل كما سيأتي في الأفعال الاختيارية، وأطلق المصنف الدليل ليشمل ما إذا كان الترخيص بجواز الفعل خلاف الدليل المقتضي للتحريم، كأكل الميتة، وما إذا كان بجواز الترك،
[ ٣٣ ]
إما على خلاف الدليل المقتضي للوجوب، كجواز الفطر في السفر، وإما على خلاف الدليل المقتضي للندب كترك الجماعة بعذر المطر والمرض ونحوهما، فإنه رخصة بلا نزاع، وكالإيراد عند من يقول: إنه رخصة، وبهذا يعلم أن قول الآمدي وابن الحاجب: هو المشروع لعذر مع قيام المحرم، غير جامع وقوله: لعذر يعني المشقة والحاجة، واحترز به عن شيئين، أحدهما: الحكم الثابت بدليل راجح على دليل آخر معارض له، والثاني: التكاليف كلها، فإنها أحكام ثابتة على خلاف الدليل؛ لأن الأصل عدم التكاليف، والأصل من الأدلة الشرعية، وقد صرح القرافي بذلك أعني بكون التكاليف على خلاف الدليل وأطال الاستدلال عليه في شرحي المحصول والتنقيح، ولا ذكر لهذا القيد في المحصول أو المنتخب ولا في التحصيل والحاصل، فإن قيل: الثابت بالناسخ لأجل المشقة كعدم وجوب ثبات الواحد للعشرة في القتال، ونحوه ليس برخصة مع أن الحد منطبق عليه قلنا: لا نسلم، فإن تسمية المنسوخ دليلا إنما هو على سبيل المجاز. قوله: "كحل الميتة في المضطر إلخ" يعني: أن الرخصة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: واجبة ومندوبة ومباحة، فالواجبة أكل الميتة للمضطر على الصحيح المشهور في مذهبنا، وأما المندوبة فالقصر للمسافر بشرط المعروف وهو بلوغه ثلاثة أيام فصاعدا، وأما المباح فمثل له المصنف بالفطر للمسافر فقوله: واجبا ومندوبا ومباحا من باب اللف والنشر، فالأول للأول والثاني للثاني والثالث للثالث، وهكذا ذكره ابن الحاجب أيضا وتمثيل المباح بالفطر لا يستقيم؛ لأنه إذا تضرر بالصوم فالفطر أفضل وإن لم يتضرر فالصوم أفضل، فليست للصوم حالة يستوي فيها الفطر وعدمه وذلك هو حقيقة المباح، فإن قيل: مراده المباح في تفسير الأقدمين، وهو جواز الفعل الشامل للواجب والمندوب والمكروه والمباح المصطلح عليه، ومن ذلك قوله -ﷺ: "أبغض المباح إلى الله الطلاق" ١ قلنا: لو أراد ذلك لما جعله قسيما للواجب والمندوب وعطفه عليهما، فغفله ذلك دليل على إرادة لمستوى الطرفين، وقد يقال: مراده بالمباح ما ليس فعله راجحا وهو غير الواجب والمندوب، ولكنه أيضا خلافا للمصطلح والصواب تمثيله بالسلم والعرايا والإجارة وشبه ذلك من العقود، فإنها رخصة بلا نزاع؛ لأن السلم والإجارة عقدان على معدوم مجهول والعرايا بيع الرطب بالتمر، فجوزت للحاجة إليها، وقد ثبت التصريح بذلك في الحديث الصحيح فقال: "وأرخص من العرايا" ٢ مع كونها رخصة فهي مباحة لا طلب في فعلها ولا في تركها، فيصدق عليها الحد، فيقال: حكم ثابت على خلاف الدليل لعذر، ولا يصح تمثيل المباح بمسح الخف؛ لأن غسل الرجل أفضل منه كما جزم به المتقدمون من أصحابنا والمتأخرون منهم
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود في سننه، رقم الحديث "٢١٧٨"، وأخرجه ابن ماجه في صحيحه، رقم الحديث "٢٠١٨". ٢ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البيوع، ص٦٦٧، جـ٢.
[ ٣٤ ]
ابن الرفعة في الكفاية، والنووي في شرح المهذب، ولا نعلم فيه خلافا. قوله: "وإلا فعزيمة" أي: وإن ثبت الحكم، لكن لا على خلاف الدليل لعذر فهو العزيمة، فيعلم بذلك أن العزيمة في الاصطلاح هو الحكم الثابت، لا على خلاف الدليل كإباحة الأكل والشرب، أو على خلاف الدليل لكن لا لعذر كالتكاليف، وأما في اللغة فهو القصد المؤكد، ومنه: عزمت على فعل الشيء، قال الجوهري: عزمت على كذا عَزما وعُزما -بالضم- وعزيمة وعزيما، إذا أردت فعله وقطعت عليه، قال الله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] جزمًا، وههنا بحثان، أحدهما: أن المصنف قد تبع صاحب الحاصل في جعل الرخصة والعزيمة قسمين للحكم، وذكر القرافي في كتبه أيضا مثله، وجعلهما غير هؤلاء من أقسام الفعل منهم الآمدي وابن الحاجب، وأما الإمام فقال في المحصول: الذي يجوز للمكلف الإتيان به، إما يكون عزيمة أو رخصة، هذا لفظه بحروفه، وذكر في المنتخب أيضا مثله فإنه قسم المباح إلى الرخصة والعزيمة، وأراد بالمباح تفسير الأقدمين، وهو ما يجوز فعله واجبا كان أو غيره، وكلام التحصيل أيضا قريب منه، ونقل القرافي عن المحصول أنه فسر الرخصة بجواز الإقدام على الفعل مع قيام المانع والعزيمة بجواز الإقدام مع عدم المانع، وهذا غلط على المحصول، فإنه إنما فسره بالفعل. البحث الثاني: أن حد العزيمة في كلام المصنف يدخل فيه الأحكام الخمسة، والإمام فخر الدين في المحصول وغيره جعلها تطلق على الجميع ما عدا المحرم، فإنه جعل موردا لتقسيم الفعل الجائز كما تقدم والقرافي خصها بالواجب والمندوب لا غير، فقال في حدها: طلب الفعل الذي لم يشتهر فيه مانع شرعي، قال: ولا يمكن أن يكون المباح من العزائم، فإن العزم هو الطلب المؤكد فيه، ومنهم من خصها بالواجب فقط وبه جزم الغزالي في المستصفى والآمدي في الأحكام ومنتهى السول وابن الحاجب في المختصر الكبير، ولم يصرح بشيء في المختصر الصغير فقالوا: العزيمة ما لزم العباد بإيجاب الله تعالى وكأنهم احترزوا بإيجاب الله تعالى عن النذر، ولم يذكر ابن الحاجب هذا القيد.
[ ٣٥ ]