اللفظ أن منع نفس تصور معناه عن وقوع الشركة فهو الجزئي، ولا حاجة
[ ١ / ١٢٩ ]
إلى تقييده بالمفرد كما وقع في كلام الإمام وغيره، فإن المركب قد يكون جزئيا، مثل قولنا: هذا الرجل، فإن نفس تصور ذلك الرجل المشار إليه يمنع من وقوع الشركة فيه، وإن كان نفس تصور المعنى هذا وحده والرجل وحده لا يمنع من وقوع الشركة فيه، وإن لم يمنع فهو الكلي.
ثم اعلم: أن الجزئي والكلي بالذات هو ذلك المعنى وإنما يقال: اللفظ الدال عليه كلي وجزئي بالعرض، والكلي: إما أن يمتنع وجود فرد من أفراده، لدليل دل على امتناعه كشريك الباري، أو لا يمتنع وجوده وحينئذ: إما أن يجب أو يمكن.
أما الأول: فإما أن يجب وجود فرد منه مع امتناع غيره، كالباري تعالى، أو لا مع الامتناع، وحينئذ: أما أن يجب وجود الأفراد الكثيرة منه، أو يجب واحد منها مع إمكان [غيره] ولنطلب لهما مثال إن وجد.
وأما الثاني: وهو أن يمكن، فإما أن لا يوجد فرد من أفراده كجبل من ياقوت، وبحر من زئبق، أو وجد واحد إما مع إمكان غيره، كالعالم والشمس، عند من يجوز وجود عالم آخر وشمس آخر أو مع امتناع غيرهما عند من لا يجوز وجود أمثالهما، أو وجد مع واحد مثله، إما متناهيا
[ ١ / ١٣٠ ]
كالكواكب، أو غير متناه كالنفوس على رأي الفلاسفة.
فرعان:
الأول: في تقسيم المعنى الكلي. الكلي: إما تمام الماهية، أو جزء منها، أو خارج عنها، وليس المراد من كونه تمام الماهية أنه تمام ماهيته في نفسه [وإلا لزم أن يكون الجزء الخارج عن الماهية قسمين داخلين فيه ضرورة أن الجزء الخارجي أيضا تمام الماهية نفسه] فلا يكونان قسمين له، بل المراد منه أن الماهية، إما أن تعتبر من حيث إنها ماهية مع قطع النظر عما يعرض لها من العوارض كالجزئية والخارجية، أو يعتبر مع العارض نحو كونها جزء لغيرها، أو خارج عن ماهية غيرها/ (١٩/أ)
[ ١ / ١٣١ ]
فالأول: تمام الماهية، والثاني: جزء منها، والثالث: خارج عنها.
واعلم أن المقول: في جواب، ما هو؟ إنما هو الأول، لأن ما هو سؤال عما به هو به الشيء وهو بتمام الماهية فيكون جوابه بتمام الماهية، وهي على ثلاثة أقسام:-
أحدها: ما يصلح أن يكون جوابا عنه إذا سئل به عن الشيء حده، ولا يصلح أن يكون جوابا إذا سئل عنه مع غيره، كالحد بالنسبة إلى المحدود، وهو المقول في جواب، ما هو بالخصوصية المحضة.
وثانيها: عكسه كالجنس إلى أنواعه، وهو المقول في جواب، ما هو بالشركة المحضة؟
وثالثها: ما يصلح أن يكون جوابا عنه في حالتي الانفراد والاجتماع معا، كالنوع بالنسبة إلى الأفراد الداخلة تحته، وهو المقول في جواب ما هو بحسب الشركة والخصوصية معا.
وأما الكلي الذي هو جزء الماهية: فهو المسمى بالذاتي على رأي الأكثرين.
[ ١ / ١٣٢ ]
وقد فسر الشيخ الذاتي بما ليس بعرضي فيتناول تمام الماهية وجزءها، ولا يخفى أنه مخالف للمعنى اللغوي، إذ الذاتي في اللغة ما يكون منسوبا إلى الذات، والشيء لا ينسب إلى نفسه، وقد فسر الذاتي في غير هذا الموضع بحيث يتناول الجزء والخارجي، وهو وإن كان موافقا للمعنى اللغوي لكنه خلاف العرفي الاصطلاحي، والذي نريد منه هنا هو الأول.
فنقول: إنه إما أن يكون تمام المشترك، وهو الجنس، أو تمام المميز وهو الفصل وإن لم يكن تمام المشترك ولا تمام المميز فهو إما جنس الجنس أو جنس الفصل، أو فصل الجنس، أو فصل الفصل، والأول كالجسم بالنسبة إلى الحيوان والنامي، والثاني كالإدراك بالنسبة إلى الإدراك الكلي والجزئي والثالث كالحساس والمحرك بالإرادة بالنسبة إلى أنواع الحيوان، والرابع كالفصيح بالنسبة إلى الناطق، وهذا على رأي من لا يفسر الفصل بكمال المميز فيكون الجزء عنده منحصر في الجنس
[ ١ / ١٣٣ ]
والفصل. وهذا لأنه إن لم يكن مشتركا بينه وبين ماهية ما كان فصلا قريبا، وإن لم يكن كذلك، فإما أن يكن تمام المشترك أو بعضا منه وحينئذ يجب أن يكون مساويا له دفعا للتسلسل، فإن كان الأول فهو الجنس، إما قريب أو بعيد، وإن كان الثاني فهو الفصل البعيد، لأنه يصلح أن يكون مميزا له عن شيء ما في ذاته، ويقال: له أيضا فصل الجنس، وأما الثالث: وهو الكلي الخارج عن الماهية وهو العرضي فنقول: إنه إن اختص بنوع واحد لا يوجب في غيره فهو الخاصة سواء عم جميع الأفراد كالكتابة بالقوة للإنسان أو لم يعم كما بالفعل، وسواء كان/ (١٩/ب) يوسط كالضحك له بواسطة التعجب، [وبغير وسط كالتعجب] وسواء كان لازما كالضحك والكتابة له بالقوة، أو فارقا لهما بالفعل، وإن لم يختص بنوع واحد بل يوحد في غيره من الأنواع أيضا، فهو العرض العام. وهو
[ ١ / ١٣٤ ]
منقسم إلى ما يعم جميع الأفراد، وإلى ما لا يعم، وإلى لازم ومفارق، واللازم، إلى لازم الماهية، وإلى لازم الشخصية، وكل واحد منهما ينقسم إلى بين، وهو الذي يكون تصوره لازما لتصور الملزوم، وإلى غير بين، وهو الذي لا يكون كذلك، فعلى هذا كل ما يكون بوسط لا يكون بينا، وأما الذي لا يكون كذلك فقد يكون بينا، وقد لا يكون كذلك. والمفارق، إلى بطئ الزوال، وإلى سريعه، وإلى ما يكون بوسط، وإلى ما [لا] يكون كذلك، والذي يكون بوسط لابد وأن ينتهي إلى ما يكون بغير وسط لبطلان الدور والتسلسل.
الفرع الثاني: في تقسيم اللفظ الكلي:
اللفظ الكلي، إما أن يدل على موصوفية أمر ما بصفة وهو المشتق ويسمى بالصفة أيضا في اصطلاح النحاة، وأما أن لا يدل عليه وحينئذ إن دل على نفس الماهية فقط فهو اسم الجنس كالإنسان والفرس إذا كان الألف واللام لتعريف الماهية. وهذا أولى من قول: من يقول: هو ما علق على الشيء لا بعينه، إذ الأول منقوض بالضمائر المنفصلة وأسماء الإشارات والموصولات والنكرات، فإن "أنت" مثلا معلق بالمخاطب المعين وعلى كلما يشبهه في كونه مخاطبا مع أنه ليس باسم جنس وفاقا.
والثاني بالنكرة، إذ الحد يتناولها وأنها ليست باسم جنس، وإن زعم بعضهم أنها كذلك. ويدل عليه وجوه:-
[ ١ / ١٣٥ ]
أحدها: أن الجنس عندهم هو القدر المشترك سواء كان بين الأنواع، أو بين الأصناف، أو بين الأفراد، وهو نفس ماهية المشترك فاسمه ما يكون دالا عليه، والنكرة [قد] تدل على فرد من أفراد النوع أو الصنف، وذلك يستحيل أن يكون مشتركا بين الأنواع والأصناف، بل النكرة تدل على ذلك المشترك بطريق التضمن، فيكون اسم جنس بهذا الاعتبار، ولكنه مجاز من باب إطلاق اسم الكل على الجزء، وبهذا الاعتبار أورد من أورد من المتقدمين النكرة في مثال اسم الجنس فظن أنه بطريق الحقيقة.
وثانيها: أنهم اتفقوا على أن اسم الجنس لا يثنى ولا يجمع إلا باعتبار اختلاف الأنواع، لأنه لا تعدد في الماهية من حيث إنها ماهية وكون الاسم مثنى وجمعا مشروط يكون المسمى كذلك فلا يتصور في الاسم/ (٢٠/أ) الدال عليه التثنية والجمع، والنكرة تثنى وتجمع فلا تكون اسم جنس.
وثالثها: أنهم يقولون في بعض موارد استعمال النكرات أنه أريد بها الجنس، كما في قوله تعالى: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين﴾ فلو كان كل نكرة كذلك لما صح ذلك، ولو أريد باسم الجنس اسم ما يكون داخلا في الجنس بحيث لا يختص بواحد من ذلك الجنس، بل يتناول الأفراد الداخلة تحته، إما على البدل أو على الجمع كانت النكرة والعام اسم جنس، لكن لا يخفى عليك أن ذلك مجاز وإن دل على الماهية وعلى قيد آخر زائد عليها فإن [كان] ذلك القيد هو الوحدة أو الكثرة الغير المعينة فهو
[ ١ / ١٣٦ ]
النكرة، وإن كان هو الكثرة المعينة الغير المنحصرة فهو العام، وإن كانت منحصرة فهو اسم العدد.