في أسماء الواجب
أعلم أن من أسمائه: المكتوب، والمحتوم، والفرض، ولا فرق عندنا بين الواجب، والفرض، في اصطلاح الشرع. وإن كانا مختلفين في اللغة. إذ الفرض في اللغة: التقدير، قال الله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم﴾ أي قدرتم، ومنه فرض الحاكم النفقة، وفرضه النهر والبحر، وهي موضع اجتماع السفن كأنه مقدر لذلك.
[ ٢ / ٥١٦ ]
وأما ما جاء منه بمعنى "الإنزال" في قوله تعالى: ﴿إن الذي فرض غليك القرآن لرادك إلى معاد﴾ أي أنزل. وبمعنى "الحل" في قوله تعالى: ﴿ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له﴾ أي: أحل له، فهو راجع أيضا إلى ما ذكرنا، إذ الإنزال والحل مقدران له، وإلا يلزم الاشتراك أو
[ ٢ / ٥١٧ ]
المجاز، وقد عرفت أن التواطوء أولى منهما.
وأما الوجوب. فهو في اللغة: عبارة عن "السقوط"، قال الله تعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ أي سقطت، ومنه قوله ﵇: "إذا وجب المريض فلا تبكين باكية" أي سقط ومات، لأن قبل الموت لم تسقط أعضاؤه على الأرض بالكلية لما فيه من الاضطرابات والتقلب من جنب إلى جنب.
[ ٢ / ٥١٨ ]
والحنفية خصوا اسم الفرض، بما ثبت وجوبه بدليل لا شبهة فيه، كالكتاب والسنة المتواترة، تشوقا منهم إلى رعاية المعنى اللغوي.
لأن ذلك هو الذي يعلم من حالة أن الله قدره علينا وكتبه، ولذلك سمي مكتوبا.
والواجب بما عرف وجوبه بدليل مظنون، وهو الذي يوجب العمل دون العلم كخبر الواحد، ولهذا لم يكفروا جاحده ولا يضللوه، بخلاف الفرض. وإنما خصصوا ما عرف وجوبه بدليل مظنون بالواجب لسقوطه على المكلف حتى لزمه العمل به، وهذا المعنى وإن كان موجودا في الفرض، لكنه يخصه كونه معلوم التقدير تسمى باسم ما يخصه تميزا له عما يشاركه في المعنى العام.
واعترض عليه الإمام: بأن الفرض: هو المقدر سواء علم تقديره أو ظن
[ ٢ / ٥١٩ ]
و"الواجب" هو الساقط سواء علم بسقوطه أو ظن، وهذا المعنيان يشملهما على السواء، فتخصيص أحد اللفظين/ (٧٧/ب) بأحد القسمين دون الآخر تحكم محض.
وفيه نظر فإن لقائل أن يقول: لا نسلم أنه تحكم محض، بل التخصيص لزيادة ملائمة للمعنى اللغوي، وهذا لأن ما علم تقديره، قد قطع بوجود مسمى الفرض فيه، وهو مخصوص به لا يوجد في الواجب، إذ هو غير معلوم التقدير فخض باسم ما قطع بوجود مسماه فيه تمييزا له عما يشاركه في مطلق التقدير، وفي مطلق وجوب العمل به، وأما الواجب فلم يتحقق فيه إلا وجوب العمل به، فخض باسم ما تحقق مسماه فيه وهو السقوط، إذ لم يعلم منه إلا كونه واجب العمل.
ومنهم من استدل على ضعف ما ذكروه من طريق التخصيص بوجه آخر: وهو أن اختلاف طرق إثبات الحكم في كونه معلوما أو مظنوا غير موجب لاختلاف ما ثبت [به]، ولهذا فإن اختلاف طرق الواجبات في الظهور والخفاء والقوة والضعف بحيث إن المكلف يقتل بترك البعض منها دون البعض، لا يوجب اختلاف الواجب في نفسه، من حيث إنه واجب.
ثم قال: وكذا اختلاف طرق النوافل غير موجب لاختلاف حقائقها، وكذلك اختلاف طرق الحرام بالقطع والظن غير موجب لاختلافه في نفسه، من حيث إنه حرام. وهو ضعيف.
لأنه إن عني بقوله: غير موجب لاختلاف ما ثبت به الاختلاف في الماهية
[ ٢ / ٥٢٠ ]
والحقيقة، من حيث إنه حكم شرعي، أو من حيث أنه يذم تاركه على ما ذكرنا من القيود، وما يجري مجراه من الأمور المشتركة بينهما وهو الظاهر من كلامه، فهذا مسلم ولا نزاع فيه، فإن الواجب والفرض لا اختلاف بينهما من حيث إنهما حكمان شرعيان واجبا العمل مقدران يذم تاركهما. وإن أرادا به غير هذا فهو ممنوع.
وهذا لأن المعلوم من حيث إنه معلوم مخالف في الماهية، للمظنون من حيث إنه كذلك، بخلاف الواجبات المختلفة في الظهور والخفاء، فإنه لا اختلاف فيهما من حيث إنه مظنون، وإن كان بينهما أيضا اختلاف من حيث الظهور والخفاء.
سلمنا: أن اختلاف طرق إثبات الحكم، غير موجب لاختلاف ما ثبت به في الحد والحقيقة على الإطلاق لكن ليس ذلك مما وقع النزاع فيه، وإنما النزاع في تخصيص أحد القسمين بأحد الاسمين دون الآخر، وما ذكره لا ينفيه.
نعم لو قيل: هكذا: إن اختلاف طرق إثبات الحكم في كونه معلوما/ (٧٨/أ) أو مظنونا، لا يوجب اختلاف الأسماء، كما أن اختلاف طرق الواجبات في الظهور والخفاء، والقوة والضعف، بحيث إن المكلف يقتل بترك البعض منها دون البعض، لا يوجب اختلاف أسمائها المفردة، لكان أقرب إلى المقصود، لو ثبت أن في الواجبات ما يقتل المكلف بتركه، مع أن ذلك غير لازم أيضا، إذ الحاجة إلى اختلاف الأسماء عند اختلاف النوع، أمس منها إليه عند اتحاد النوع، واختلاف الصفة، ولهذا لا يكاد يوجد نوع من الأنواع وليس له اسم مفرد، ويوجد كثير من أصناف النوع الواحد، وليس له أسماء مفردة.
[ ٢ / ٥٢١ ]
وبالجملة أن المسألة لفظية محضة، فإنا لا ننكر انقسام "الفرض" إلى مقطوع، وإلى مظنون، وقد عرف أن لا مشاحة في الألفاظ بعد أن حصل الاتفاق على المعاني.