فمنها
قبح المطالع
وحقه الحسن والعذوبة لفظًا، والبراعة والجودة معنى، لأنه أول ما يقرع الأذن ويصافح الذهن، فإذا كانت حاله على الضد مجه السمع، وزجه القلب،
ونيت عنه النفس، وجرى أوله على ما تقوله العامة (أول الدن دردي) ولأبي الطيب ابتداءات ليست لعمري من أحرار الكلام وغرره، بل هي - كما نعاها عليه العائبون - مستشنعة لا يرفع السمع لها حجابه، ولا يفتح القلب لها بابه، كقوله (من الكامل):
هذي بزرت لنا فهجت رسيسا ثم انصرفت وما شفيت نسيسا
[ ٦٥ ]
فإنه لم يرض بحذف علامة النداء من (هذي)، وهو غير جائز عند النحويين، حتى ذكر الرسيس والنسيس، فأخذ بطرفي الثقل والبرد، وكقوله (من المنسرح):
أوه بديل من قولتي واها
وهو برقية العقرب أشبه منه بافتتاح كلام في مخاطبة ملك. وكقوله - وهو مما تكلف له اللفظ المتعقد، والترتيب المتعسف، لغير معنى بديع يفي وغرابته بالتعب في استخراجه، ولا تقوم فائدة الانتفاع به بازاء التأذي باستماعه (من الطويل):
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه
وكقوله في استفتاح قصيدة في مدح ملك يريد أن يلقاه بها أول لقية (من الطويل):
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكن أمانيا
وفي الابتداء بذكر الداء والموت والمنايا ما فيه من الطيرة، التي تنفر منها السوقة، فضلا عن الملوك. حكى الصاحب قال: ذكر الأستاذ الرئيس يوما الشعر، فقال: وإن أول ما يحتاج فيه إليه حسن المطلع، فأن ابن أبي الشباك أنشدني في يوم نيروز قصيدة ابتداؤها (من الطويل):
أقبر وما طلت ثراك يد الطل؟
فتطيرت من افتتاحه بالقبر، وتنغصت باليوم والشعر، فقلت: كذاك كانت حال ابن مقاتل لما مدح الداعي بقوله (من الرمل):
لا تقل بشرى ولكن بشريان غرة الداعي ويوم المهرجان
فإن نفر من قوله (لا تقل بشرى) أشد نفار، وقال: أعمى وتبتدئ بهذا في يوم مهرجان؟! قال الصاحب: ومن عنوان قصائده التي تحير الأفهام، وتفوت الأوهام،
[ ٦٦ ]
وتجمع من الحساب مالا يدرك بالأرتيماطيقي، وبالأعداد الموضوعة للموسيقي (من الوافر):
أحاد أم سداس في أحاد لييلتنا المنوطة بالتنادي
وهذا كلام الحكل ورطانة الزط وما ظنك بممدوح قد تشمر للسماع ً
من مادحه فصك سمعه بهذه الألفاظ الملفوظة والمعاني المنبوذة؟ فأي هزة تبقى هناك؟ وأي أريحية تثبت هنا؟ وقد خطأه في اللفظ والمعنى كثير من أهل اللغة وأصحاب المعاني، حتى احتيج في الاعتذار له، والنضح عنه، إلى كلام لا يستأهله هذا البيت، ولا يتسع له هذا الباب.
ومن ابتداءاته البشعة التي تنكرها بديهة السماع قوله (من الوافر):
ملث القطر أعطشها ربوعا (وإلا فاسقها السم النجيعا)
وقوله (من الكامل):
أثلت فإنا أيها الطلل (نبكي وترزم تحتنا الإبل)
وقوله (من الوافر):
بقائي شاء ليس هم ارتحالا (وحسن الصبر زموا لا الرحالا)
قال الصاحب: ومن افتتاحاته العجيبة قوله لسيف الدولة في التسلية عند المصيبة (من الطويل):
لا يحزن الله الأمير فإنني لآخذ من حالاته بنصيب
قال الصاحب: لا أدري لم لا يحزن سيف الدولة إذا أخذ المتنبي بنصيب من القلق!
ومنها