من أحاسن أبي تمام قوله في مخالطة الإخوان:
ذو الود مني وذو القربي بمنزلة وإخوتي أسوة عندي فإخواني
عصابة جاورت آدابهم أدبي فهم وإن فرقوا في الأرض جيراني
أرواحنا في مكان واحد وغدت أبداننا بشآمٍ أو خراسان
[ ١٨ ]
وأحسن منه قول عبد الله بن طاهر:
أميل مع الذمام على ابن عمي وأقضي للصديق على الشقيق
وإن ألفيتني ملكًا مطاعًا فإنك واجدي عبد الصديق
ومن أحسن ما قيل في قبول عذر الإخوان قول ابن نباتة:
وكنت إذا ما حاجة حال دونها نهار وليل ليس يعتذران
تحملت في حكم القضاء ملامها ولم ألزم الإخوان ذنب زماني
ومن أحسن ما قيل في مدح الإخوان قول زياد الأعجم:
أخ لي ما أراه الدهر إلا على العلات بسامًا جوادا
سألناه الجزيل فما تلكى وأعطى فوق منيتنا وزادا
وأحسن ثم أحسن ثم عدنا فأحسن ثم عاودنا فعادا
مرارًا ما أعود غليه إلا تبسم ضاحكًا وثنى الوسادا
[ ١٩ ]
وقول منصور الفقيه:
أخ لي عنده أدب مودة مثله نسب
رعى لي فوق ما يرعى وأوجب فوق ما يجب
فلو سبكت خلائقه لبهرج عندها الذهب
وقول أبي الفتح البستي في المؤلف لهذا الكتاب:
بنفسي أخ نفسه أمة وتدبيره في الوغى فيلق
أخ باب إحسانه مطلق وباب إساءته مغلق
كريم السجايا فلا رأيه بهيم ولا خلقه أبلق
محمد أنت قوى ناظري فكيف إذا غبت لا أقلق
رهنتك قلبي وحكم القلوب إذا رهنت أنها تغلق
ومن أحسن ما قيل في شكاية الإخوان قول بعضهم:
من رأى في الأنام مثل أخ لي كان عوني على الزمان وخلي
رفعته حال فحاول حطي وأبى أن يعز إلا بذلي
وقوله أيضًا:
وكنت أخي بإخاء الزمان فلما نبا صرت حربًا عوانا
وكنت أذم إليك الزمان فأصبحت فيك أذم الزمانا
وكنت أعدك للنائبات فها أنا أطلب منك الأمانا
ومن أحسن ما قيل في عتاب الملول قول الساشي:
إذا أنا عاتبت الملول فإنما أخط بأقلامي على الماء أحرفا
وهبه ارعوى بعد العتاب ألم يكن تودده طبعًا فصار تكلفا
[ ٢٠ ]
ومن أحسن ما قيل في وجوب العتاب قول ابن الرومي:
يا أخي أين ريع ذاك الإخاء أين ما كان بيننا من صفاء
أنت عيني وليس من حق عيني غض أجفانها على الأقذاء
ومن أحسن ما قيل في العتاب على الحجاب قول ابن عيينة:
إني أتيتك للسلام ولم أنقل إليك لغيره رحلي
فحجبت دونك مرتين وقد تشتد واحدة على مثلي
ومما يستظرف في معنى الحجاب وذم البواب قول بعضهم:
ولقد رأيت بباب دارك جفوة فيها لحسن صنيعكم تكدير
ما بال دارك حين تدخل جنة وبباب دارك منكر ونكير
وأحسن ما قيل في العتاب:
يا ذا الذي جعل القطيعة دأبه إن القطيعة موطئ للريب
إن كان ودك في الطوية كامنًا فاطلب صديقًا عالمًا بالغيب
وأحسن ما قيل في ترك العتاب:
أقلل عتاب من استربت بوده ليست تنال مودة بقتال
وأحسن ما قيل في ذم الأخوان وذم الاستكثار منهم قول العطوي:
لم أجد كثرة الأخلاء إلا تعب النفس في قضاء الحقوق
فاصرف الود عن كثير من النا س فما كل من ترى بصديق
وقول ابن الرومي:
عدوك من صديقك مستفاد فلا تستكثرن من الصحاب
فإن الداء أكثر ما تراه يكون من الطعام أو الشراب
[ ٢١ ]
ومن أظرف ما قيل في هذا الفصل قول بعضهم:
ألا إن إخواني الذين عهدتهم أفاعي رمال لا تقصر في لسعي
ظننت بهم خيرًا فلما بلوتهم حللت بواد منهم غير ذي زرع
ومن أحسن ما قيل في الشوق والفراق قول أبي عيينة:
جسمي معي غير أن الروح عندكم فالروح في غربة والجسم في الوطن
فليعجب الناس مني أن لي بدنًا لا روح فيه ولي روح بلا بدن
وقول كشاجم:
قلت وقالوا: بان إخوانه فأبدلوه البعد بالقرب
والله ما شطت نوى صاحب سار من العين إلى القلب
ومن أحاسن أبي تمام قوله في افتراق الشمل:
بالشام قومي وبغداد الهوى وأنا بالرقمتين وبالقسطاط إخواني
وما أظن النوى ترضى بما صنعت حتى تشافه لي أقصى خراسان
ومما لا يزيد على حسنه قول بعض المولدين:
خطرات ذكرك تستبين مودتي فأحس منها في الفؤاد دبيبا
لا عضو لي إلا وفيه صبابة فكان أعضائي خلقن قلوبا
[ ٢٢ ]
ومن أحسن ما قيل في العيد عند مفارقة الإخوان قول أبي الفرج الشامي:
من سره العيد فما سرني بل زاد في شوقي وأحزاني
لأنه ذكرني ما مضى من عهد أحبابي وإخواني
ومما يستظرف في تشوق الإخوان قول ابن طباطبا العلوي:
نفسي الفداء لغائب عن ناظري ومحله في القلب دون حجابه
لولا تمتع ناظري بلقائه لوهبته لمبشري بإيابه
وكتب أبو الفتح البستي لمؤلف الكتاب:
إذا نسي الناس أهل الوداد وخان المودة خوانها
فعندي لإخواني الغائبين صحائف ذكرك عنوانها
ومن أحاسن إخوانياته قوله:
بأبي إخوة ترحلت عنهم فترحلت عن سروري وانس
فارقوني فأرقوني واذكوا شعلة الوجد في خواطر نفسي
ومن أحسن ما قيل في الزيارة والاستزارة قول العباس بن الأحنف:
نزوركم لا نكافيكم بجفوتكم إن المحب إذا لم يستزر زارا
يقرب الشوق دارًا وهي نازحة من عالج الشوق لم يستبعد الدارا
ومن أحسن ما قيل في إعلال الزيارة قول ابن المعتز:
ليت شعري أفي المنام أراه قمرًا زارني على غير وعد
[ ٢٣ ]
صار ترب الطريق مسكًا وكافو رًا حصاها وماؤها ماء ورد
ومن أحسن ما قيل فيه أيضًا:
خليلي هل أبصرتما أو سمعتما بأكرم من مولىً تمشى إلى عبد
أتى زائرًا من غير وعد وقال لي: أصونك من تعليق قلبك بالوعد
ومن أحسن ما قيل في خفة الزيارة قول كشاجم:
بأبي وأمي زائر متقنع لم يخف ضوء البدر تحت قناعه
لم أستتم عناقه لقدومه حتى ابتدأت عناقه لوداعه
ومن أحسن ما قيل في زيارة المحب قول بعضهم:
أرى الرجل قد تسعى إلى من تحبه وما الرجل إلا حيث يسعى بها القلب
وأحسن ما قيل في إقلال الزيارة:
عليك بإقلال الزيارة إنها إذا كثرت كانت إلى الهجر مسلكا
فإني رأيت القطر يسأم دائمًا ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا
وفي ترك الزيارة مع المودة قول بعضهم:
إن التباعد لا يضرْ رُ إذا تقاربت القلوب
ومن أحسن ما قيل في منع المطر الزيارة قول أبي حفص:
حكت السماء ندى يدي ك فلم أطق سعيًا إليكا
وحكيتها يا سيدي بالدمع من أسفي عليكا
وقول أبي العسقلاني:
حال بيني وبين بابك حالا ن وحول وقرب عهد عهاد
فكأن الوحول ليل محب وكأن السماء كف جواد
[ ٢٤ ]
وفي اتصال الندى قول الحسن بن وهب:
يوجب العذر في تراخي اللقاء ما توالى من هذه الأنداء
فسلام الإله أهديه مني كل يوم لسيد الوزراء
لست أدري ماذا أذم وأشكو من سماء تعوقني عن سماء
غير أني أدعو على تلك بالصح ووأدعو لهذه بالبقاء
ومن أظرف ما قيل في الاستزارة قول أبي الفتح البستي:
عندي فديتك سادة أحرار وقلوبهم شوقًا إليك حرار
وشرابنا شرب العلوم وروضنا نزه الحديث ونقلنا الشعار
فامنن علينا بالبدار فإنما أعمار أوقات السرور قصار
وقوله أيضًا:
لقاؤك يدني لي المرتجى ويفتح باب الهوى المرتج
فأسرع إلينا ولا تبطئن فإنا صيام إلى أن تجي