من أحسن ما قيل في الاستظهار على الزمان ودفع الهموم بالراح قول المأمون:
أما ترى الدهر ما تفنى عجائبه والدهر يخلط ميسورًا بمعسور
وليس للهم إلا كل صافيةٍ كأنها دمعةٌ من عين مهجور
وقول ابن المعتز:
سلط على الأحزان بنت الدنان وارحل إلى السكر برطلٍ وثان
وهاتها بنت يهوديةٍ سحارةٍ تحكم عقد اللسان
[ ٣٠ ]
نعم قرى السمع على شربها نفخ المزامير وعزف القيان
ومن أحسن ما قيل قول ابن الرومي:
واله ما أدري لأية علةٍ يدعونها في الراح باسم الراح
ألريحها أم روحها تحت الحشا أم لارتياح نديمها بالراح
ومن قلائد أبي نواسٍ قوله:
تمتع من شرابٍ ليس يبقى وصل بعرى الغبوق عرى الصبوح
ألم ترني أبحت الراح عرضي وعض مراشف الظبي المليح
فإني عالمٌ أن سوف تنأى مسافة بين جثماني وروحي
ومن أحسن ما قيل في رقتها وصفائها قول الصاحب:
رق الزجاج وراقت الخمر وتشابها فتشاكل الأمر
فكأنما خمرٌ ولا قدحٌ وكأنما قدحٌ ولا خمر
ومن أحسن ما قال ابن المعتز:
وندمانٍ سقيت الراح صرفًا وافق الصبح مرتفع السجوف
صفت وصفت زجاجتها عليها كمعنىً دق في ذهنٍ لطيف
ومن غرر أبي عثمان الخالدي قوله:
هتف الصبح بالدجى فاسقنيها قهوةً تترك الحليم سفيها
[ ٣١ ]
ليس يدرى لرقةٍ وصفاءٍ هي في كأسها أم الكأس فيها
ومن أحسن ما قيل في شعاعها على يد الساقي قول التنوخي:
وراحٍ من الشمس مخلوقةٌ بدت لك في قدحٍ من نهار
كأن المدير لها باليمين إذا جال للسقي أو باليسار
تدرَّع ثوبًا من الياسمين له فرد كمٍ من الجلنار
وقول السري الموصلي:
وبكرٍ شربناها على الورد بكرةً فكانت لنا وردًا إلى صحوة الغد
إذا قام مبيض اللباس يديرها توهمته يسعى بكمٍ مورد
ولأبي القاسم الحريري في رقتها:
قم غلامي وهات كاس رضاب ال كرم من فيك مازجًا برضاب
من شاربٍ كأنه في القواري ر شهابٌ ممثلٌ في سراب
ليس يدري إذا تناوله الشا رب يجلى لأعين الشراب
أشرابٌ ممثلٌ في زجاجٍ أم زجاجٌ ممثلٌ في شراب
[ ٣٢ ]
ومن غرر ابن المعتز:
وخمارةٍ من بنات اليهود ترى الزق في بيتها شائلا
وزنا لها ذهبًا جامدًا فكالت لنا ذهبًا سائلا
وقوله أيضًا:
من لي على رغم العذول بقهوةٍ بكرٍ ربيبة حانةٍ عذراء
موجٍ من الذهب المذاب يضمه كأسٌ كقشر الدرة البيضاء
وقوله أيضًا:
يا نديمي عاطياني فقد لا ح صباحٌ وأذن الناقوس
من كميتٍ كأنه أرض تبرٍ في نواحيه لؤلؤٌ مغروس
ومما يستحسن للنظام قوله:
ما زلت آخذ روح الزق في لطفٍ وأستبيح دمًا من غير مجروح
حتى انتشيت ولي روحان في بدني والزق مطرحٌ جسمٌ بلا روح
وأحسن ما قيل في المطبوخ قول بعضهم:
وراح عذبتها النار حتى وقت شرابها نار العذاب
يذيب الهم قبل الشرب لون لها في مثل ياقوت مذاب
وفي ضده للسري الموصلي:
هات التي تورث شرابها غدًا بيوم الحشر أوزارا
ومن أحسن ما قيل في مزج الشراب قول أبي تمام:
عنبية ذهبية سبكت لها ذهب المعاني صاغة الشعراء
فكأنها وكأن بهجة كأسها نار ونور قيدا بوعاء
صعبت فراض المزج سيء خلقها فتعلمت من حسن خلق الماء
وقول الآخر وهو متنازع:
[ ٣٣ ]
وحمراء قبل المزج صفراء بعده أتت بين ثوبي نرجسٍ وشقائق
حكت وجنة المعشوق صرفًا فسلطوا عليها مزاجًا فاكتست لون عاشق
ومن أحاسن ابن المعتز قوله:
وأمطر الكأس ماء من أبارقه عليها مزاجًا فاكتست لون عاشق
ومن أحاسن ابن المعتز قوله:
وأمطر الكأس ماءً من أبارقه فانبت الدر في أرضٍ من الذهب
وسبح القوم لما أن رأوا عجبًا نورًا من الماء في نارٍ من العنب
ومن أحسن ما قيل قول الدمشقي:
عذبتها بالمزاج فابتسمت عن برد نابت على لهب
كأن أيدي المزاج قد سبكت في كأسها فضةً على ذهب
ومن قوله أيضًا:
امزج بمائك نار كأسك واسقني فلقد مزجت مدامعي بدمائي
واشرب على زهر الرياض مدامةً تنفي الهموم بعاجل السراء
فكأنها وكأن حامل كأسها غذ قام يجلوها على الندماء
شمس الضحى رقصت فنقط وجهها بدر الدجى بكواكب الجوزاء
وأظرف ما سمعت في كراهة المزاج قول الصابي:
حرم الماء فأبعد ه وإن كان مباحا
أقراحٌ أنا حتى أشرب الماء قراحا
ومن أحسن ما قيل في الساقي قول ابن المعتز:
قد حثني بالكأس أول فجره ساقٍ علامة دينه في خصره
وكأن حمرة لونها من خده وكأن طيب نسيمها من نشره
[ ٣٤ ]
حتى إذا صب المزاج تبسمت عن ثغرها فحسبته من ثغره
ومن أحسن ما قال أبو فراس الحمداني:
تبسم إذ تبسم عن أقاحٍ وأسفر حين أسفر عن صباح
فمن لألاء غرته صباحي ومن صهباء ريقته اصطباحي
ومن أحاسن عبد الله بن عبد الله بن طاهر في الساقي:
سقتني في ليلٍ شبيهٍ بشعرها شبيهة خديها بغير رقيب
فما زلت في ليلين منه ومن دجى وشمسين من راحٍ ووجه حبيب
ومن أحاسن ابن المعتز قوله:
وساقٍ مطيعٌ لأحبابه على الرقباء شديد الجره
وفي عطفة الصدغ خالٌ له كما مست الصولجان الكره
ومن أحاسن الخالدي:
فالكف عاجٌ والحباب لآلئٌ والراح تبرٌ والزجاج زبرجد
ومن أحسن ما قيل في وصف الشراب قول ابن الرومي:
ومدامةٍ كحشاشة النفس لطفت عن الإدراك بالحس
فكأنها وكأن شاربها قمرٌ يقبل عارض الشمس
وقول ابن المعتز:
كأنما الكأس إلى ثغرها متصلًا بالأنمل الخمس
ياقوتةٌ حمراء قد صيرت واسطةً للبدر والشمس
[ ٣٥ ]
ومن أحسن ما قيل في نعت الراح على السماح قول بعضهم:
أيسر جودي أنني كلما أسرفت في السكر ولم أدر
ندمت في الصحو على كل ما أبقيت من مالي في السكر
ومن أحسن ما قيل في الاعتذار من هفوة السكر:
قل للأمير أدام الله رفعته العفو أفضل ما تنحوه من نحو
إن الشراب له شرطٌ سمعت به أن لا يعاد حديث السكر في الصحو
وقول الآخر:
يا ابن عثمان بلغوك مقالًا لم أقله ولم يكن من كلامي
إن أكن لم أقله فالعذر فضلٌ أو أكن قلته فذنب المدام
وفي ذم النبيذ:
تركت النبيذ وأصحابه وصرت قرينًا لمن عابه
شرابٌ يضل سبيل الرشاد ويفتح للشر أبوابه
ومن أحسن ما قيل في استهداء الشراب قول السري:
أبا حسنٍ إن وجه الربيع جميلٌ يزان بحسن العقار
فإن الربيع نهار السرو ر والراح شمسٌ لذاك النهار
وإنك مشرقها إن أردت وإن لم ترد غربت في استتار
فأجر إلي بحار العقار فمن فيض كفك فيض البحار
ومن أحسن ما قيل عند زورة الحبيب:
نفسي فداؤك يا أبا غسان خذ قصتي واسمع طرائف شاني
عندي حبيبٌ كاملٌ وحبيبتي بدر الدجى من فوق غصن البان
[ ٣٦ ]
فابعث بها بكرًا كأن حبابها دمعٌ تحدر من جفون عوان
ولك الثنا والود من شرابها والإثم في عقبي وفي ميزاني
ومن أحاسن ما يليق في هذا الباب:
قم فاسقني بين خفق الناي والود ولا تبع طيب موجودٍ بمفقود
نحن الشهود وخفق العود خاطبنا نزوج ابن سحابٍ بنت عنقود
ومن أحسن ما قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
عيد بنا إن هذا يوم تعييد واشرب على الأخوين الناي والعود
ومن أحسن ما قيل في العود ووصف الزامر والمغني معًا:
يا صاح هلا زرتنا في مجلسٍ حضر السرور به ونعم الحاضر
زمر المغني فيه من إحسانه والكأس دائرةٌ وغنى الزامر
ومن أحسن ما قيل في العود قول سعيدٍ بن حميد:
وناطقٍ بلسانٍ لا ضمير له كأنه فخذٌ نيطت على قدم
يبدي ضمير سواه في الحديث كما يبدي ضمير سواه منطق القلم
ولسيف الدولة في المغني:
ومغن عذب الكلام يجازي ك بما تشتهيه في ميدانك
ألمعيٌ كأن قلبك في أض لاعه أو كلامه في لسانك
وقول بعضهم في هجاء المغني:
غناؤك فقرٌ يزيل الغنى وضربك يوجب ضرب العنق
فأنت الكلاب إذا ما عوت وأنت الحمار إذا ما نهق
[ ٣٧ ]