حدثني محمد بن يحيى بن أبي عباد قال، حدثني أبي قال، شهدت أبا تمامٍ ينشد أحمد بن المعتصم قصيدته التي مدحه بها:
مَا في وُقُوفِكَ سَاعَةً مِنْ بَاسِ تَقْضِي ذِمامَ الأَرْبُعِ الأَدْرَاسِ
فَلَعَلَّ عَيْنَكَ أنْ تُعِينَ بِمَائِهَا وَالدَّمْعُ مِنهُ خَاذِلٌ وَمْوَاسِي
والناس يروون هذا - أن تعين بمائها - وهو تصحيف، فلما قال:
أَبْليَتَ هذَا المَجْدَ أَبْعَدَ غَايَةٍ فِيهِ وَأَكرَمَ شِيمةٍ ونِحَاسِ
إِقْدَامَ عَمْروٍ في سَماحَةِ حَاتِمٍ في حِلْمِ أَحْنَفَ في ذَكَاءِ إِيَاسِ
قال له الكندي، وكان حاضرًا وأراد الطعن عليه: الأمير فوق من وصفت، فأطرق قليلًا، ثم زاد في القصيدة بيتين لم يكونا فيها:
لاَ تُنْكِروُا ضَرْبِي لَهُ مَنْ دُونَهُ مَثَلًا شَروُدًا في النَّدَى وَالبَاسِ
[ ٣٣ ]
فالله قد ضَرَبَ الأَقَلَّ لِنُورِهِ مَثَلًا منَ المِشْكَاةِ وَالنِّبْرَاسِ
قال: فعجبنا من سرعته وفطنته، وقد روى هذا الخبر على خلاف هذا، وليس بشيءٍ، وهذا هو الصحيح.
ويروى أنه عيب عليه قوله، وقد أنشد هذه القصيدة التي فيها:
شَابَ رَأْسِي وَما رَأيت مُشَيِبَ الرَّ أْسِ إلاّ من فَضْلِ شَيْبِ الفُؤَادِ
فزاد فيها من لحظته:
وكَذَاكَ الْقُلوُبُ في كلِّ بُؤسٍ وَنَعيِمٍ طَلاَئِعُ الأجْسَادِ
حدثني أحمد بن إسماعيل قال: حدثني عبد الله بن الحسين ولست أدري من عبد الله هذا قال: سمعت أبا تمام ينشد أحمد بن المعتصم في علةٍ اعتلها:
أَقْلَقَ جَفْنَ العَيْنَيْنِ عَنْ غُمُضِهْ وَشَدَّ هَذَا الحَشَا عَلَى مَضَضِهْ
شَجىً بَما عَنَّ لِلأَميِر أبي ال عَبَّاسِ أَمسْىَ نَصْبًا لِمعْتَرِضِهْ
منْ الآُلَى نَسْتَجِيرُ منْ شَرَقِ الدّهْ رِ بِهمْ إنْ أَلَمَّ أوْ جَرضَهْ
صَاغَهُمْ ذُو الجلاَلِ مِنْ جَوْهَرِ المَجْ دِ وَصاغَ الأَنامَ مِنْ عَرَضِهْ
سَهْمٌ مِنَ المُلكِ لاَ يُضَيِّعُهُ بَارِيهِ حَتَّى يَهْتَزَّ في غَرَضِهْ
وهذه من أحسن كنايةٍ في التعريض بالخلافة:
صِحَّتُهُ صِحَّةُ الرَّجَاءِ لَنا في حِينِ مُلْتَاثهِ وَمُنْتَقَضِهْ
فإنْ نَجِدْ عِلةً نُعَمَّ بهَا حتَّى كأَنَّا نُعَادُ مِنْ مَرَضِهْ
فقال له أحمد بن المعتصم: ما أبين العلة عليك! فقال: إنها علةُ قلبٍ تميت الخاطر، وتسد الناظر، وتبلد الماهر!.