قال: حدثنا أبو بكر قال: حدثنا المغيرة بن محمد المهلبي قال: حدثنا محمد بن عباد عن أبيه، قال: لحن أيوب في حرف فقال أستغفر الله.
وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري وقد قرأ في كتابه لحنا: قنع كاتبك سوطا.
حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب، قال: كان ابن قادم مع إسحاق بن إبراهيم المصعبي فكتب كاتبه ميمون بن إبراهيم إلى المأمون كتابًا فيه: " وهذا المال مالًا يجب على فلان "، فخط المأمون على " مالًا " ووقع بخطه في حاشية الكتاب: أتكاتبني بلحن يا إسحاق؟! فاشتد ذلك عليه.
قال: فحدثني ابن قادم، قال: أتاني ميمون فقال: الله الله في احتل لي. فحضرت فسألني إسحاق عن الحرف فقلت: الوجه وهذا المال مال، ومالًا يجوز على تأول، لأخلص الكاتب. فقال إسحاق لكاتبه: قد عفوت عنك فدعني من يجوز والزم صحيح الإعراب. قال: ثم أكب ميمون علي يقرأ النحو حتى فهم منه
[ ١ / ١٢٩ ]
شيئًا كثيرًا.
حدثني أبو عبد الرحمن الألوسي العباس بن عبد الرحيم قال: سمعت عبد الله بن قتيبة يقول كتب إلي رجل من سر من رأى: قد قرأت كتابك المترجم بكتاب الكتاب وقد أعبت عليك فيه حرفًا. فكتبت إليه: وصل كتابك وفهمته وقد عبت عليك قولك وأعبت عليك والسلام.
قال أبو بكر: هذا شيء يتسع فيكثر فجئت منه بطرف لأنه وحده يكون كتابًا كبيرًا لو ذكرته.
وقالوا: " اللحن في الكتاب، أقبح منه في الخطاب ".
وأكثر العلماء يلحن في كلامه لئلا ينسب إلى الثقل والبغض، فأما في الكتاب وإنشاد الشعر فإن ذلك قبيح غير جائز.
يقال: لحن يلحن لحنًا فهو لاحن إذا أمال الصواب عن جهة إلى جهة أخرى. وأما قوله ﷿: " ولتعرفنهم في لحن القول "، فإن الكلبي يقول في لحنه في مداره. قال: وحقيقته في اللغة إمالة الشيء من جهته، إما لخطأ أو عمد، ليؤرى عن إرادته. قال القتال الكلابي:
ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا ووحيت وحيًا ليس بالمرتاب
وحكى الجاحظ في كتاب البيان والتبيين أنه يستحسن من الجارية اللحن وتكره الفصاحة. قال ولذلك قال مالك بن أسماء الفزاري:
[ ١ / ١٣٠ ]
منطق رائع وتلحن أحيا نًا وأحلى الحديث ما كان لحنا
فذهب بهذا إلى لحن الخطأ، وهو قبيح من مثله وخطأ فاحش عليه أن يتأول هذا، ثم لم يرض حتى احتج له. والذي أراد مالك أنها فطنة تأتي بالشيء تريد غيره وتميل ظاهره عن باطنه. وقد قيل للجاحظ: غير هذا في كتابك فإنه قبيح، فقال: افعل، ولكن كيف لي بما سارت به الركبان.
ويقال من هذا: فلان ألحن بحجته من فلان، أبي ألحن بإمالة الباطل إلى الحق بفصاحته وعلمه. ويصدق ذلك قول رسول الله ﷺ: " لعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من صاحبه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار ".
قال أبو بكر: حدثنا محمد بن يزيد قال: حدثني الجاحظ عن أبي عبيدة قال: رآني أبي وأنا أكتب كتابًا فقال:
[ ١ / ١٣١ ]
" يا بني اجعل فيه لحنًا ليزول عنه حرفة الصواب ".
يقال: لحن الرجل يلحن لحنًا إذا أخطأ بتسكين الحاء ولحن يلحن لحنًا إذا أمال الشيء إلى الجهة التي يريدها. ويجعلون هذا مكان هذا، إلا أن الاختيار في الثاني فتح الحاء. قال ابن أم صاحب فحرك الحاء:
غمست عنهم وما ظني مخافتهم وسوف يعرفهم ذو اللب واللحن
غمست عميت. حدثنا أبو العيناء قال: قدم أبو علاء المنقري. من الأهواز فقال لي: يا أبا عبد الله ما أكبر دباءها وما أبخل أهلها! قلت: وما أكثر اللحن فيها! قال: كثير جدًا. وكان فصيحًا على لحنه.
حدثنا جبلة بن محمد الكوفي، قال: حدثني أبي قال: عاد بن أبي ليلى بعض أشراف الكوفة، وكان له أخ لحان، فجعل يقول: " يا أخي افتح عيناك حرك شفتاك كلم أبي عيسى ". فقال له ابن أبي الحي: " أظن علة أخيك استماع لحنك ".
قال الصولي: وحدثنا أبو العيناء قال: قال رجل لأبي شيبة القاضي: علي كفارة يمين فبأي شيء أكفر. بدقيقا بسويقا. فقال الرجل: ما لحنت أطيب من لحنك. وقال له بن مصقلة: لو كان لحنك من الذنوب لكان من الكبائر.
وقال أبو بكر وأنشدني عون بن محمد:
لقد كان في عينك يا حفص شاغل وأنف كمثل العود عما تتبع
[ ١ / ١٣٢ ]
تتبع لحنًا من كلام مرقش وأنفك كمثل إيطاء وأنت المرقع
حدثنا الباجي قال: كتب ابن الرومي كتابًا بخطه فلحن فيه إلى أبي الحسن محمد بت أبي سلالة وقد كان احتبس عن ابن الرومي فكتب إليه ابن الرومي وقد علم بذلك:
ألا أيها الموسوم باسم وكنية وجدناهما اشتقا من الحمد والحسن
أتبخل بالقرطاس والخط عن أخ وكفاك أندى بالعطاء من المزن
أيغلق عني علمه بكتابه أخ لي وقلبي عنده علق الرهن
عطفناك فاعطف إن كل ابن حرة أخو مكسر صلب وذو معطف لين
وإن سقطاتي في كتابي تتابعت فلا تلحني فيما جنيت على ذهني
حدثنا محمد بن القاسم بن خلاد قال: حدثني الأصمعي قال: دخلت على مالك بن أنس بالمدينة، فما هبت عالمًا قط هيبتي له، فتكلم فلجن فقال: مطرنا البارحة مطرًا وأي مطرًا، فخف في عيني فقلت له: يا أبا عبد الله قد بلغت من العلم هذا المبلغ فلو أصلحت من لسانك! فقال لي: فكيف لو رأيت ربيعة بن عبد الرحمن؟! قلنا له: كيف أصبحت؟ فقال: بخيرًا بخيرًا.
وما أحسن ما قال بعض الزهاد: " أعربنا في كلامنا فما لحن، ولحنا في كلامنا فما أعرب ".
[ ١ / ١٣٣ ]