قال الصولي أنشدني أحمد بن محمد بن إسحاق، قال: أنشدني علي بن محمد العلوي لنفسه:
أشكو إلى الله خطًا لا يبلغني خط البليغ ولا خط المرجينا
إذا هممت بأمر لي أزخرفه سدت سماجته عني التحاسينا
وقالوا: " رداءة الخط زمانة الأديب ". ونظر عبد الله بن طاهر إلى خط بعض كتابه فلم يرضه، فقال: " نحوا هذا عن مرتبة
[ ١ / ٥٢ ]
الديوان فإنه عليل الخط، ولا يؤمن أن يعدي غيره ". وقالوا: " رداءة الخط إحدى الزمانتين، كما أن حسنه إحدى البلاغتين ".
حدثني طلحة بن عبد الله، قال: اعتذر رجل إلى محمد بن عبد الله بن طاهر من شيء بلغه عنه، فرأى خطه قبيحًا فوقع في رقعته: " أردنا قبول عذرك، فاقتطعنا عنه ما قابلنا من قبح خطك. ولو كنت صادقًا في اعتذارك لساعدتك حركة يدك. أو ما علمت أن حسن الخط يناضل عن صاحبه بوضوح الحجة. ويمكن له درك البغية ".
وكان أبو هفان عبد الله بن أحمد المهزمي من أقبح الناس خطًا، وكان يبتدئ الخط من رأس الورقة ويعوج سطوره حتى يبقى آخر سطر في الورقة كلمة واحدة فرثاه يحيى بن علي فقال في مرثيه:
مع خط كأنه أرجل البط أو الحط في ذوي الفتيان
أنشدني العنزي الحسن بن علي في قبح الخط، وكان والله قبيح الخط والوجه، حسن العلم والعقل:
جزعت من قبح خطي وفيه وضعي وحطي
رجعت من بعد حذقي إلى تعلم حطي
الوصاة بإصلاح الخط وآلته: قال بعض الرؤساء من الكتاب: " ارخوا ذوائب خطوطكم "، يريد بذلك الحروف المخطوطة، كالياء والنون والعين والحاء المنفصلات وما أشبههن.
[ ١ / ٥٣ ]
قال الصولي: حدثني أبو الحسين محمد بن أحمد النيسابوري، قال: سمعت الحسين بن يحيى بن نصر الجرجاني يقول: قال إبراهيم بن العباس الصولي لغلام كان يكتب بين يديه: " ليكن قلمك صلبًا بين الدقة والغلظ، ولا تبره عند عقدة، ولا تجعلن في أنبوبه أنبوبة، ولا تكتبن بقلم ملتو، ولا ذي شق غير مستو، واختر من الأقلام ما يضرب إلى السمرة. وأحد سكينك، ولا تستعملها لغير قلمك. وتعهده بالإصلاح يصلح. وليكن مقطك صلبًا ليمضي الخط مستويًا لا مستطيلًا، وابر قلمك بين التحريف والاستواء. وإذا كتبت الدقيق فأمل قلمك إلى إقامة الحروف لإشباع الخط، وإذا جللت فإلى التحريف. واعلم أن تبطين القلم شؤم، وتحريفه حرف، وهما دمار الخط. واعلم أن وزن الخط مثل وزن القراءة، فأجود الخط أبينه، كما أن أحمد القراءة أبينها ".
وقال بعض الكتاب: " الحذق بالخط أن يقدر الكاتب بقلمه أجزاء حروفه وكلمه، وخاصة في طول الحرف لا في عرضه، ويفرق بين الحرف والحرف على قياس ما مضى من شرطه في قرب مساحته وبعد سياقته. ولا يقطع الكلمة بحرف يفرده في غير سطره. ويسوي إصلاح خطوطه كتابته ولا يغيره فيحليه بما ليس من زينته، ولا يمنعه حقًا فيخلف حليته، ويفسد قسمته.
ويستقبح أن يقع في الخط نوعان مختلفان، ويقوم في النفس من ذلك ما يقوم فيها من الشعر إذا اختلفت أعاريضه، وخلط فصيحه بمولده. وأحلى الخطوط المحقق اللطيف، المستدير الحروف، المفتوح الصادات والطاآت، المختلس التاآت والحاآت.
[ ١ / ٥٤ ]
ولا يحسن أن يجمع في الحرف مشقتان، ولا بين يائين معروقتين ". قال الصولي: والمشتق مكروه، وخاصة في الكتاب إلى الرئيس، لأنهم يتأولون ذلك ضربًا من الاستخفاف بقدر المكاتب. كذلك قال إبراهيم بن العباس الصولي، وهو إمام من أئمة الكتاب يقتدى به فيها: وربما طغى القلم فوصل منفصلًا، وفصل متصلًا.
وقد يمشق الكاتب في حالين متضادين في أشد ما يكون نشاطًا، لشوق يده إلى الخط، وبعد عهدها به، وتفلتها إليه، فتنازعه يده إلى ذلك، وتغلبه إلى الإسراع، فتجري على غلوائها، وتمضي على درتها، ولا تتمهل لرفع حرف ولا خفض آخر.
وتستروح أيضًا في حال التعب والكلال إلى المشتق، لما يلحق الأنامل من مشقة التعطف والتلوي على القلم، بتقريب بعض الحروف من بعض، وعطف شيء على شيء. فإذا كانت الكلمة على أربعة أحرف جعلت المشقة واسطة بين حرفين أولين وحرفين آخرين، مثل مقيد ومخلب، وعنها وفيها. فإن كانت ثلاثة أحرف أوسطها ميم، كانت المشقة بين الميم والحرف. ولا يجوز أن يمشق بين حرفين أحدهما ميم.
وإذا اتصلت باء وتاء ونون في كلمة، فكان على عدد أشكال السين والشين رفعت الوسطى، مثل بينك وبيتك. ولو لم تفعل
[ ١ / ٥٥ ]
ذلك، وسويت بين الثلاث، لجاءت الكلمة كأنها شك أو سك، ويحتمل الإثنين السين والشين. وأن يمشقا ولا يحققا في كل المواضع؛ إلا في: بسم الله الرحمن الرحيم، لمعان أولها التعظيم لاسم الله ﵎، والثاني ليتبين تحقيقك لذلك وتحسينك له، ولأن بسم الله الرحمن الرحيم أول ما يبتدئ الكاتب به وهو وافر النشاط، غير حسير اليد، ولا جافي القلم؛ فليس له عذر في ترك التحقيق حينئذ ولا له حاجة إلى التروح.
وكذلك يكره مشقهما منفصلتين، مثل الناس والباس، لا يكون معهما في هذه القسمة حرف يعضدهما.
وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: " شر الكتابة المشق، وشر القراءة الهذرمة ". وأكثر سروات الكتاب يكرهون شق الكاف، وقد شقها بعضهم إذا كانت أول الحرف ومبتدأ السطر، ويستقبح شقها إذا كانت في آخر الكلمة منفصل أو متصلة، وذلك في مثل مالك وتارك.
ويستقبح أن ينقطع دعاء فيقع أوله في آخر السطر وبعضه في أول السطر الآخر، وكذلك الكنية والمضاف وغير ذلك، وما عمل بعضه في بعض، وما جعل اسمًا واحدًا وهو اثنان في الأصل، وذلك مثل أعزه الله في الدعاء، وعبد الله في الأسماء، وغلام زيد في الإضافة، وتأبط شرًا في العامل بعضه في بعض، وخمسة عشر فيما جعل الإسمان اسمًا واحدًا، ومعدي كرب وحضرموت وأيادي سبأ ويد الدهر ويد المسند وهو الدهر أيضًا،
[ ١ / ٥٦ ]
وشذر مذر وقالي قلا، ومثل هذا كثير، وما ذكرناه منه يدل على سائره.