أَلاَ يَا طَاِلبًا يُفْدِيهِ مِنِّي الْجْسِمُ وَالرُّوحُ
فُؤَادُ الْهَائِمِ الْمسْكِي نِ بِاِلْهْجَرانِ مَجْرُوحُ
وَقَلْبُ الصَّبِّ بِالَّصدِّ الذَّيِ أَظْهَرْتَ مَقْرُوحُ
فَأَلاَّ كَانَ ذَا الصَّدُّ وَبَابُ الصَّبْرِ مَفْتُوحُ
وأنشدني أحمد بن يزيد لهبة الله بن إبراهيم:
يا جَليِلًا فِي الْعُيُون وَمَليحًا فِي الْمُجُونِ
وَالَّذِي يَمْطُلُنِي الْوَعْدَ وَلاَ يَقْضِى دُيوُنِي
أَنْتَ بَاعَدَتْ بَهْجْرٍ بَيْنَ نَوْمِي وَجُفوُنِي
سَوْفَ يَدْعُونَيِ إنْ لَمْ تَرْثِ لِي دَاعِي الْمَنُونِ
وقال أيضًا
إنْ كُنْتُ أَذْنَبْتُ بِحُبِّي لَكُمْ فَلَسْتُ مِنْ ذَا الذَّنْبِ التَّائِبِ
رَضيِتُ أَقْصَى الْعَيْبِ فِي حُبِّكُمْ فَمَا عَسَى يَبْلُغُ بِي عَائِبِي
غَلَبْتُ فِي فَخْرٍ وَفيِ سُؤْدُد لَكِنْ هَوَاكُمْ أَبَدًا غَالِبِي
يَعْلَمُ رَبِّي أَنَّنِي مُدْنَفٌ وَشَاهِدِي فِي النَّاِس كاَلْغَائِبِ
[ ٥١ ]
حدثني الحسن بن يحيى قال كان هبة الله بن إبراهيم يجالس الخلفاء وآخر من جالس المعتمد على الله، وكان أحسن الناس علما بالغناء وكانت صنعته له ضعيفة، قال فوقعت لأبي شبل البرجمي الشاعر إليه حاجة فهجاه فقال:
صَلِفٌ تَنْدَقُّ مِنْهُ الرَّقَبهْ وَمَخازٍ لَمْ تُطقْهَا الْكَتَبَهْ
كُلَّمَا بَادَرَهُ بَدْرٌ بِمَا يَشْتَهِيهِ مِنْه نَادَى يَا أَبَهْ
لَيْتَهُ كَانَ النَّوَى الْفَرْحُ بِهِ لَمْ يَزِدْ فِي هَاِشمٍ هَذا الْهِبَهْ
وقال هبة الله
عَذَّبَنِي الْحُبُّ وَأَبْلاَنِي مَا أَعْنَفَ الْحُبَّ بالإِنْسَانِ
مَا أَطْيَبَ الْوَصْلَ عَلىَ عَاشِقٍ إنْ لَمْ تُنَغِّصْهُ بِهِجْرَانِ
من أول شعر عمله هبة الله، وشهر به قوله:
أَصَابَكَ الظَّبْيُ إذْ رَمَاكَا وَعْن ظِبَاِء النَّقَا حَوَاكَا
فَلَوْ تَمَنَّيْتَ لَمْ تَجُزْهُ وَلَوْ تَمَنَّى لَمَا عَدَاكَا
يَا ظَالِمًا نَفْسَهُ بِظُلْمِي لاَ تَبْك مِمَّا جَنَتْ يَدَاكَا
أَنْتَ الذَّي إنْ كَفَرْتَ وُدِّي صَرَفْتُ قَلْبي إلىَ سِوَاكَا
فعمل أبوه إبراهيم بن المهدي في هذا الشعر لحنًا في الثقيل الأول
[ ٥٢ ]
عنده، وفي الثقيل الثاني عند إسحق وعند الناس، وعمل فيه علوية لحنًا في الرمل، حدثني بذلك الحسين بن يحيى الكاتب، وقال هبة الله أيضًا
أَنْكَرْتُ مِنْ هَجْرِكَ ما أَعْرفُ وَجُرْتَ فِي الْحُبِّ فَمَا تُنْصفُ
لَوْ كُنْتَ مِثْلِي عارِفًا فِي الْهَوَى عامَلْتَنِي فِيِه بِمَا تَعْرِفُ
لَكِنْ تَجَاوَزْتَ طَرِيقَ الهْوَىَ وَضَلَّ فِيِه الْهَائمُ الْمُدْنَفُ
وجدت بخط إبراهيم بن شاهين، أنشدني العباس بن محمد لهبة الله ابن إبراهيم يرثي أباه:
الْحَمْدُ للهِ عَلَى مَا أَرَى أَفْقَدَنِي الْمَوْتُ لذَيذَ الكْرَىَ
أَصُبَحَ أَعْلَى النَّاِس فِي قَدْرِهِ مُنْخَفضًِا يَعْلوُ عَلَيْهِ الثَّرَى
قَدْ وَتَرَ المَوْتُ الْوَرَى كُلَّهُمْ بِمَوْتِ إبْراهِيمَ خَيْرِ الوْرَىَ
وقال وأحسبه في غلامه
يا مَنْ أَرَدْتُ لِنَفْسِي فَصاَر غَدْرًا لِغَيْرِي
وَمَنْ ذَخَرْتُ لَنْفِسي فَعادَ ذُخْرًا لِضَيْرِي
شَفِيتُ منْكَ بِشَرٍّ وَما سَعِدْتُ بَخيْرٍ
[ ٥٣ ]
جَرَى لِي الْفَأْلُ يَوْمَ ال نَّوَى بِأَشْأَمِ طَيْرِ
ومن شعره
وَمُهَفْهِفٍ فَضَحَتْ رَشا قَةُ قَدِّهِ الْغُصْنَ الرَّطيبا
وإذا بَدَا إشْراقُهُ لِلشَّمْسِ أَسْرَعَتِ الَمِغيبا
يا قاِسيًا أَدْعُو بعَطْفِهِ فَيَأْبَى أَنْ يُجيِبا
لَوْ كانَ فِعْلُكَ مِثْلَ وَجْهِكَ لَمْ أَكُنْ صَبًّا كَئيِبًا
ومات هبة الله بن إبراهيم بن المهدي في شهر ربيع الأول من سنة خمس وسبعين ومائتين، عن توبة حسنة ووصية جميلة، بعد أن فرق في حياته مالًا عظيمًا.
وحدثني محمد بن يحيى بن ثابت قال: لما اشتدت علة هبة الله بن إبراهيم جعل يقول:
إلَى المُهَيْمِنِ رَبِّي أَتُوبُ مِنْ كُلِّ ذَنْبِ
رَجَوْتُهُ عْنَد مَوْتِي لدَفْع هَمِّي وَكَرْبِي
يا رَبِّ فَاغْفِرْ ذُنوبِي فَأَنْتَ غَوْثِي وَحَسْبي
[ ٥٤ ]