قال كبت الله أعداءه (١): كان بنو زياد العبسيّون الرّبيع وعمارة وقيس وأنس، كلّ واحد منهم قد رأس فى الجاهلية وقاد جيشا، وأمهم فاطمة بنت الخرشب الأنمارية، وكانت إحدى المنجبات (٢)، وهى التى سئلت فقيل لها: أىّ بنيك أفضل؟ فقالت:
ربيع، بل عمارة، بل قيس، بل أنس، ثم قالت: ثكلتهم إن كنت أدرى. وكان لكلّ واحد منهم لقب، فكان عمارة يقال له: الوهّاب، وكان الربيع يقال له:
الكامل، وقيس يقال (٣) له: الجواد، وأنس يقال له: أنس الحفاظ، وكان عمارة آلى على نفسه ألاّ يسمع صوت أسير ينادى فى الليل/إلا افتكّه، وفيه يقول المسيّب ابن عامر (٤).
جزى الله عنّى والجزاء بكفّه عمارة عبس نضرة وسلاما
كسيف الفرند العضب أخلص صقله تراوحه أيدى الرّجال قياما
إذا ما ملمّات الأمور غشينه تفرّجن عنه أصلتيّا حساما
_________________
(١) فى هـ: تغمده الله برضوانه.
(٢) فى هـ: «كانت من المنجبات». وأخبار فاطمة فى غير كتاب، انظر المحبر ص ٣٩٨،٤٥٨، والكامل ١/ ٢٢٦، والشعر والشعراء ١/ ٣١٦، والأغانى ١٧/ ١٩٧، ويقال فى الأمثال: «أنجب من فاطمة بنت الخرشب» انظر الدرة الفاخرة ١/ ٤١٠، ومجمع الأمثال ٢/ ٣٤٩.
(٣) الذى فى المراجع: قيس الحفاظ وأنس الفوارس.
(٤) لم أعرف المسيّب هذا، ولم أجد أبياته فيما بين يدىّ من مراجع، وقد أنشد البغدادىّ البيت الثانى منسوبا إلى المسيب هذا، حكاية عن ابن الشجرى. الخزانة ٣/ ١٦٣.
[ ١ / ٢٣ ]
لعمرك ما ألفيته متعبّسا ولا ماله دون الصّديق حراما
النّضرة: الحسن، ونضر الله وجهك: حسّنه، ومنه ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ (١) ﴿وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ (٢) والسّلام: التحيّة، والسّلام: السّلامة، والسّلام: الله جلّت عظمته، ومن السّلامة قول الشاعر:
تحيّى بالسّلامة أمّ بكر وهل لى بعد قومى من سلام (٣)
ومن السلامة أيضا قول الله جلّ ثناؤه: ﴿لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٤) وسمّى الله الجنة دار السلام، لسلامة أهلها من الآفات: الفقر والمرض والموت والأحزان.
والفرند: جوهر السيف. والأصلتىّ: الحسن، والأصلتىّ: الماضى من كلّ شيء.
ونصب «قياما» على الحال من الرجال، والحال من المضاف إليه قليلة، فمن ذلك قول الجعدىّ يصف فرسا (٥):
كأنّ حواميه مدبرا خضبن وإن كان لم يخضب
نصب «مدبرا» على الحال من الهاء، والحامية: ما فوق الحافر، وقيل الحامية:
ما عن يمين الحافر وشماله (٦)، وهذا أثبت.
وأنشدوا فى الحال من المضاف إليه قول تأبّط شرّا: (٧)
_________________
(١) سورة القيامة ٢٢.
(٢) سورة الإنسان ١١.
(٣) أنشده المصنف أيضا فى المجلس الثامن، وهو من قصيدة لابن شعوب-وهى أمه-واسمه عمرو بن سمى، قالها فى بكاء قتلى بدر. راجع من نسب إلى أمه من الشعراء ص ٨٣ (نوادر المخطوطات)، وسيرة ابن هشام ٣/ ٢٩، والبيت من غير نسبة فى تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ٦، واللسان (سلم) واشتقاق أسماء الله، لأبى القاسم الزجاجى ص ٢١٥، وفى حواشيه زيادة فى تخريج البيت، وفى نسبته.
(٤) سورة الأنعام ١٢٧.
(٥) ديوان النابغة الجعدى ص ٢٠، وقد أنشد المصنف البيت فى المجالس: الثالث والعشرين، والرابع والعشرين، والسادس والسبعين، وهو فى الخيل لأبى عبيدة ص ١٦٤، والخزانة ٣/ ١٦١، وفى حواشى الديوان فضل تخريج.
(٦) هذا تفسير ابن قتيبة. وسيأتى التصريح به فى المجلس الرابع والعشرين.
(٧) ديوانه ص ٦٢، والخزانة ٣/ ١٦٤، وأعاده المصنف فى المجالس: الحادى والثلاثين، والسادس والسبعين، والحادى والثمانين.
[ ١ / ٢٤ ]
سلبت سلاحى بائسا وشتمتنى فيا خير مسلوب ويا شرّ سالب
ولست أرى أن «بائسا» حال من ضمير المتكلم الذى فى «سلاحى» ولكنه عندى حال من مفعول «سلبت» المحذوف، والتقدير: سلبتنى بائسا سلاحى، وجاء بالحال من المحذوف لأنه مقدّر عنده منوىّ، ومثل ذلك فى القرآن قوله جلّ وعزّ:
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ (١) فوحيدا حال من الهاء العائدة فى التقدير على «من» ومثله: ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولًا﴾ (٢) ألا ترى أنك لا بدّ أن تقدّر خلقته وحيدا، وبعثه الله رسولا، لأن الاسم الموصول لا بدّ له من عائد لفظا أو تقديرا.
وإنما وجب العدول (٣) عن نصب «بائس» على الحال من الياء التى فى «سلاحى» لما ذكرته لك من عزّة حال المضاف إليه، فإذا وجدت مندوحة عنه وجب تركه.
وسلب: يتعدى إلى مفعولين، يجوز الاقتصار على أحدهما، كقولك: سلبت زيدا ثوبا، وقالوا: سلب زيد ثوبه، بالرفع على بدل الاشتمال، وثوبه، بالنصب على أنه مفعول ثان، وفى التنزيل: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ (٤) فيجوز على هذا أن تجعل «بائسا» مفعولا ثانيا بتقدير حذف الموصوف: أى سلبت سلاحى رجلا بائسا، كما تقول: لتعاملنّ منّى رجلا منصفا، ومما جاءت فيه الحال من المضاف إليه فى القرآن قوله تعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ (٥) قيل:
إن «حنيفا» حال من إبراهيم، وأوجه من ذلك عندى أن تجعله حالا من «الملّة» وإن خالفها بالتذكير، لأن الملّة فى معنى الدّين، ألا ترى أنها قد أبدلت من الدّين فى قوله جلّ وعزّ: ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ﴾ (٦) فإذا جعلت «حنيفا» حالا من «الملّة»
_________________
(١) سورة المدثر ١١.
(٢) سورة الفرقان ٤١.
(٣) فى هـ: من.
(٤) سورة الحج ٧٣.
(٥) سورة البقرة ١٣٥.
(٦) سورة الأنعام ١٦١، و«قيما» ضبطت فى الأصل بفتح القاف وتشديد الياء، وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو. السبعة لابن مجاهد ص ٢٧٤، وقال أبو جعفر الطبرى فى تفسيره ١٢/ ٢٨٢ إنها قراءة عامة قراءة المدينة وبعض البصريين.
[ ١ / ٢٥ ]
فالناصب له هو الناصب للملّة، وتقديره: بل نتّبع ملّة إبراهيم حنيفا، وإنما أضمر «نتّبع» لأن ما حكاه الله عنهم من قولهم: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ معناه:
اتبعوا اليهودية أو النّصرانية، فقال لنبيّه قل بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا.
وإنما ضعف مجىء الحال من المضاف/إليه، لأن العامل فى الحال ينبغى أن يكون هو العامل فى ذى الحال.
رجعنا إلى ما بدأنا به من الإخبار عن عمارة بن زياد العبسىّ. قالوا: وكان عمارة يحسد عنترة على شجاعته، إلا أنه كان يظهر تحقيره، ويقول لقومه: إنكم قد أكثرتم من ذكره، ولوددت أنى لقيته خاليا حتى أريحكم منه، وحتى أعلمكم أنه عبد، وكان عمارة مع جوده كثير المال، وكان عنترة لا يكاد يمسك إبلا، ولكن يعطيها إخوته ويقسمها فيهم، فبلغه ما يقول عمارة فقال (١):
أحولي تنفض استك مذرويها لتقتلنى فها أنا ذا عمارا
متى ما تلقنى خلوين ترجف روانف أليتيك وتستطارا
وسيفى صارم قبضت عليه أشاجع لا ترى فيها انتشارا
حسام كالعقيقة فهو كمعى سلاحى لا أفلّ ولا فطارا
ومطّرد الكعوب أحصّ صدق تخال سنانه فى اللّيل نارا
ستعلم أيّنا للموت أدنى إذا دانيت لى الأسل الحرارا
وخيل قد دلفت لها بخيل عليها الأسد تهتصر اهتصارا
المذروان: جانبا الأليتين المقترنان، ومن كلام العرب: «جاء ينفض مذرويه (٢)»
_________________
(١) ديوانه ص ٧٥، والأبيات أنشدها المصنف فى حماسته ١/ ٢٦، وانظر غريب الحديث لأبى عبيد ٤/ ٤٥٥، والكامل ١/ ١٠٠، والشعر ص ١١٨، وتفسير الطبرى ١١/ ٢٨٣، والتبصرة ص ٢٣٦، وأمالى المرتضى ١/ ١٥٦، والسمط ١/ ٤٨٣، والحماسة البصرية ١/ ١٦، وشرح الجمل ١/ ٤٠٢، والخزانة ٣/ ٣٦٢، واللسان (طير-فطر-هصر-كمع-رنف-عقق-فلل).
(٢) مجمع الأمثال ١/ ١٧١، قال الميدانى: يضرب لمن يتوعّد من غير حقيقة.
[ ١ / ٢٦ ]
إذا جاء يتهدّد. وهذا الحرف مما شذ عن [قياس (١)] نظائره، وكان حقّه أن تصير واوه إلى الياء كما صارت إلى (٢) الياء فى قولهم: ملهيان ومغزيان، لأن الواو متى وقع فى هذا النحو طرفا رابعا فصاعدا استحق الانقلاب إلى الياء، حملا على انقلابه فى الفعل فى نحو يلهى ويغزى، وإنما انقلبت الواو ياء فى قولك: ملهيان ومغزيان وإن لم تكن طرفا، لأنّها فى تقدير الطّرف، من حيث كان حرف التثنية لا يحصّن ما اتّصل به، لأن دخوله كخروجه، وصحّت الواو فى المذروين؛ لأنّهم بنوه على التثنية، فلم يفردوا فيقولوا مذرى (٣)، كما قالوا: ملهى، فصحّت لذلك، كما صحّت الواو والياء فى العلاوة والنّهاية، فلم يقلبا إلى الهمزة، لأنهم بنوا الاسمين على التأنيث، وكما صحّت الياء فى الثّنايين من قولهم: عقلته بثنايين: إذا عقلت يديه جميعا بطرفى حبل، لأنهم صاغوه مثنّى، ولو أنهم تكلّموا بواحده لقالوا: ثناء، مهموز كرداء، ولقالوا فى تثنيته: ثناءان وثناءين، كرداءين.
وقوله: «متى ما تلقنى خلوين» نصب «خلوين» على الحال من الفاعل والمفعول، أراد خاليين، ويروى، برزين: أى بارزين، ومثله الحال من ضمير الاثنين المستتر فى الظّرف من قوله ﷿: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ﴾ (٤).
والرّانفة: طرف الألية الذى يلى الأرض إذا كان الإنسان قائما. وأما الألية
_________________
(١) ليس فى هـ.
(٢) هكذا جاءت العبارة فى الأصل، وفيما نقله البغدادى عن ابن الشجرى. وجاء فى هـ: كما صارت إليها فى قولهم. . .
(٣) انظر هذه المسألة والتى بعدها: (مذروان-عقلته بثنايين) فى كتاب الشعر ص ١١٩، وحواشيه، والكامل ص ١٣٣، والمقتضب ١/ ١٩١، والمخصص ١٥/ ١١٤، وليس فى كلام العرب ص ٢٦٦، ٣٣٤، وشرح الحماسة ص ١١٩١، وشرح الرضىّ على الكافية ٣/ ٣٥٩.
(٤) سورة الحشر ١٧.
[ ١ / ٢٧ ]
فقال أبو علىّ الحسن بن أحمد الفارسىّ ﵀: قد جاء (١) من المؤنّث بالياء حرفان، لم يلحق فى تثنيتهما التاء وذلك قولهم: خصيان وأليان، فإذا أفردوا قالوا: خصية وألية، وأنشد أبو زيد (٢):
ترتجّ ألياه ارتجاج الوطب
وأنشد سيبويه (٣):
كأنّ خصييه من التّدلدل ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل
انتهى كلامه (٤). وقد جاءت فى قوله-: «روانف أليتيك» تاء التأنيث، كما ترى، /فالعرب إذا مختلفة فى ذلك.
_________________
(١) عبارة أبى علىّ فى التكملة ص ١١٨ «وقد جاء حرفان لم يلحق. . .».
(٢) فى نوادره ص ١٣٠، وانظره فى التكملة، والمقتضب ٣/ ٤١، وأدب الكاتب ص ٤١٠، والمنصف ٢/ ١٣١، والمقرب ٢/ ٤٥، وشرح الجمل ١/ ١٤٠، والخزانة ٣/ ٣٦٠، واللسان (ألا-خصا) وأنشده ابن سيده فى المخصص ١٦/ ٩٨، عن أبى علىّ.
(٣) الكتاب ٣/ ٥٦٩،٦٢٤، والمقتضب ٢/ ١٥٦، وإصلاح المنطق ص ١٦٨، والتكملة والمنصف المواضع السابقة-والمخصص ١٢/ ١١٠،١٣/ ١٩٦،١٦/ ٩٨، وشرح الحماسة ص ١٨٤٧، والمقرب ١/ ٣٠٥،٢/ ٤٥، وشرح الجمل ١/ ١٤٠،٢٧٦،٢/ ٢٩، وما يجوز للشاعر فى الضرورة ص ١٨٤، وهمع الهوامع ١/ ٢٥٣، والخزانة، الموضع السابق، واللسان (ثنى-خصا). والبيتان ينسبان لخطام المجاشعى، ولجندل بن المثنى، ولسلمى الهذلية، ولشمّاء الهذلية. راجع الدرر اللوامع ١/ ٢٠٩، ومعجم الشواهد ص ٥٢٤.
(٤) الذى حكاه الرضىّ عن أبى على الفارسىّ، يدلّ على أنه يجوز أن يقال: «أليتان وخصيتان» بتاء التأنيث، وأن حذف التاء منهما إنما يجيء فى ضرورات الشعر، كما فى الشاهدين السابقين، وقد نبه البغدادىّ على ذلك. انظر شرح الكافية ٢/ ١٧٦، والخزانة ٣/ ٣٥٩. والمسألة محررة فى المراجع التى ذكرتها فى تخريج الشاهدين. وجاء بهامش الأصل «جاء من كلام العرب أيضا التاء فى تثنية خصية. أنشد العلامة إمام النحاة ابن مالك فى شرح التسهيل، لطفيل الغنوى: فإنّ الفحل تنزع خصيتاه فيضحى جافرا قرح العجان انتهى. فبطل بهذا وبقول عنترة: «أليتيك» قول الفارسىّ من أن العرب لا تثبت فى تثنية هاتين الكلمتين التاء. ثم قول الفارسى «فإذا أفردوا قالوا خصية وألية» يوهم أنهم لم يقولوا غير ذلك. وقد نقل ابن مالك أنهم قالوا: ألى وخصى، بمعنى ألية وخصية. انتهى من خط تلميذ ابن هشام». قلت: لم أجد هذا البيت فى ديوان طفيل الغنوى، المطبوع، وهو ليزيد بن الصعق، فى اللسان (خصا).
[ ١ / ٢٨ ]
ومعنى «تستطار»: تستخفّ، ويحتمل قوله «وتستطارا» وجهين من الإعراب، أحدهما: أن يكون مجزوما معطوفا على جواب الشرط، وأصله:
تستطاران، فسقطت نونه للجزم، فالألف على هذا ضمير عائد على الرّوانف، وعاد إليها وهى جمع ضمير تثنية، لأنها من الجموع الواقعة فى مواقع التثنية، نحو قولك:
وجوه الرجلين، فعاد الضمير على معناها دون لفظها، إذ المعنى رانفتا أليتيك، كما أن معنى الوجوه من قولك: حيّا الله وجوهكما، معنى الوجهين، لأنه لا يكون لواحد أكثر من وجه، كما أنه ليس للألية إلا رانفة واحدة.
والوجه الثانى: أن يكون نصبا على الجواب بالواو، بتقدير: وأن تستطارا (١)، فالألف على هذا لإطلاق القافية، والتاء للخطاب، وهى فى الوجه الأول للتأنيث، ويجوز أن تجعل التاء فى هذا الوجه أيضا لتأنيث الرّوانف، وجاء الجواب بعد الشرط والجزاء، كما يجيء بعد الكلام الذى ليس بواجب، كالنهى والنفى فى قولهم: «لا تأكل السمك وتشرب اللبن»، و«لا يسعنى شيء ويعجز عنك»، ومثله فى انتصاب الجواب بالواو بعد الشرط والجزاء قول الله ﷿: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ -ثم قال: - ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ. وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ (٢) ومن قرأ: ﴿وَيَعْلَمَ﴾ رفعا-وهو نافع (٣) وابن عامر-استأنفه، ومثله فى النصب على الجواب بعد الواو قول النابغة (٤):
فإن يهلك أبو قابوس يهلك ربيع الناس والشّهر الحرام
ونأخذ بعده بذناب عيش أجبّ الظّهر ليس له سنام
_________________
(١) سيأتى الكلام على هذا والذى بعده فى المجلس الرابع والأربعين.
(٢) سورة الشورى ٣٣ - ٣٥.
(٣) السبعة لابن مجاهد ص ٥٨١، وانظر معانى القرآن ٣/ ٢٤، وإعراب القرآن للنحاس ٣/ ٦٣.
(٤) ديوانه ص ٢٣١، وقد استشهد المصنف بالبيت الثانى فى المجلس التاسع والخمسين. وانظر معجم لشواهد ص ٣٥١، والتبيين للعكبرى ص ٢٨٧.
[ ١ / ٢٩ ]
قد روى [ونأخذ (١)] جزما بالعطف على جواب الشرط، ويروى: «ونأخذ»، رفعا على الاستئناف، ويروى: «ونأخذ»، نصبا على الجواب، ومثله الجواب بالفاء بعد الشرط والجزاء فى قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ (٢) الاختلاف فى «فيغفر» كالاختلاف فى «ونأخذ» قرأه ابن كثير (٣)، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائى، جزما بالعطف على «يحاسبكم» وقرأ عاصم وابن عامر، رفعا على الاستئناف، ويروى (٤) نصبه على الجواب عن ابن عباس (٥) ﵁، وإنما نصبوا الجواب بعد جملة الشرط والجزاء، لأن الجزاء متعلّق بالشرط، يقع بوقوعه ويمتنع بامتناعه، فأشبه النفى.
والأشاجع: عروق ظاهر الكفّ، واحدها: أشجع، وبه سمّى الرجل، وهو قبل التسمية مصروف كما ينصرف أفكل، ويقال: رجل عارى الأشاجع: إذا كان قليل لحم الكفّ.
وقوله: «حسام كالعقيقة فهو كمعى» العقيقة: الشّقّة من البرق، وهى ما انعقّ منه، وانعقاقه: تشقّقه. والكمع، والكميع: الضّجيع، وجاء فى الحديث- النّهى عن المكامعة والمكاعمة-والمكامعة: أن يضطجع الرجلان فى ثوب واحد ليس بينهما حاجز، والمكاعمة: أن يقبّل الرجل الرجل على (٦) فيه.
وقوله: «لا أفلّ ولا فطارا»: أى لا فلّ فيه ولا فطر، والفلّ: الثّلم، والفطر:
الشّقّ.
_________________
(١) زيادة من الخزانة ٣/ ٣٦٠، حكاية عن ابن الشجرى.
(٢) سورة البقرة ٢٨٤.
(٣) السبعة ص ١٩٥، وإرشاد المبتدى ص ٢٥٣.
(٤) فى هـ: وروى.
(٥) وتروى هذه القراءة أيضا عن الأعرج وأبى حيوة. إعراب القرآن للنحاس ١/ ٣٠٤، ومشكل إعراب القرآن ١/ ١٢١، والبحر ٢/ ٣٦٠. وانظر الإشارة إلى هذه القراءة فى الكتاب ٣/ ٩٠.
(٦) مأخوذ من كعام البعير، وهو أن يشدّ فمه إذا هاج، وكلّ مشدود الفم: مكعوم. ذكره أبو عبيد فى غريب الحديث ١/ ١٧١.
[ ١ / ٣٠ ]
وموضع قوله: «كالعقيقة» رفع، وصف لحسام، ففى الكاف ضمير عائد على الموصوف. وانتصاب «أفلّ» على الحال من المضمر فى الكاف، والعامل فى الحال ما فى الكاف من معنى التشبيه، والتقدير: حسام يشبه العقيقة غير منفلّ ولا منفطر.
وقوله: «ومطّرد الكعوب»: أى متتابع الكعوب، أى ليس فى كعوبه اختلاف [يقال (١)]: اطّرد القول: إذا تتابع، والكعوب من الرمح: العقد ما بين كل أنبوبين كعب.
والأحصّ: الأملس، يقال: انحصّ رأسه: إذا ذهب شعره، وسنة حصّاء:
لانبت فيها
والصّدق: الصّلب، وقوله:
ستعلم أيّنا للموت أدنى إذا دانيت لى الأسل الحرارا
أراد: إلى الموت أدنى، وإذا دانيت إلىّ الأسل، فوضع اللام فى موضع «إلى»، لأن الدّنوّ وما تصرّف منه أصله التعدّى بإلى، ومثله فى إقامة اللام مقام «إلى» قول الله سبحانه: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ (٢) أى أوحى إليها، ومثله ﴿قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ ثم قال: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ (٣).
والأسل: الرّماح. والحرار: العطاش، ومن دعائهم: «رماه الله بالحرّة (٤) تحت القرّة»: أى بالعطش تحت البرد.
_________________
(١) ليس فى هـ.
(٢) سورة الزلزلة ٥، وانظر كتاب الشعر ص ١٠٣،٣٦٠.
(٣) سورة يونس ٣٥، وانظر كتاب الشعر ص ١٠٣.
(٤) بكسر الحاء، وحقّها الفتح، ولكنهم كسروها لتزاوج القرّة.
[ ١ / ٣١ ]
وقوله: «وخيل قد دلفت لها بخيل» الدّليف: المشى الرّويد، وهو فويق الدّبيب، وهو مشى الكتيبة إلى الكتيبة.
وقوله: «عليها الأسد تهتصر» معنى تهتصر: تجتذب أقرانها، يقال:
هصرت الغصن واهتصرته: إذا جذبته، ويقال: رجل هصر: إذا كان شديد الجذب للأقران، ومنه اشتقاق: مهاصر، اسم رجل. آخر المجلس.
[ ١ / ٣٢ ]