تقاسيم فى التثنية
قال أدام الله نعمته (١): التثنية والجمع المستعملان بالحرف أصلهما التثنية والجمع بالعطف، فقولك: جاء الرجلان، ومررت بالزيدين (٢) أصله: جاء الرجل والرجل، ومررت بزيد وزيد، فحذفوا العاطف والمعطوف، وأقاموا حرف التثنية مقامهما اختصارا، وصحّ ذلك لاتفاق الذاتين فى التسمية بلفظ واحد، فإن اختلف لفظ الاسمين رجعوا إلى التكرير بالعاطف، كقولك: جاء الرجل والفرس، ومررت بزيد وبكر، إذ كان ما فعلوه من الحذف فى المتفقين يستحيل فى المختلفين، ولمّا التزموا فى تثنية المتّفقين ما ذكرناه من الحذف كان (٣) التزامه فى الجمع مما لا بدّ منه ولا مندوحة عنه، لأنّ حرف الجمع ينوب عن ثلاثة فصاعدا إلى ما لا يدركه الحصر.
ويدلّك على صحة ما ذكرته لك أنهم ربّما رجعوا إلى الأصل فى تثنية المتفقين وما فويق (٤) ذلك من العدد، فاستعملوا التكرير بالعاطف، إما للضرورة، وإما للتفخيم، فالضرورة كقول القائل (٥):
_________________
(١) فى هـ: ﵁.
(٢) فى الأصل: «بالرجلين»، لكن فيه بعد ذلك فى التمثيل والتفصيل: «ومررت بزيد وزيد» وأثبت ما فى هـ، ومثله فى الخزانة ٣/ ٣٤٠، من كلام ابن الشجرى. وانظر المقتصد ١/ ١٨٣، وشرح المفصل ٥/ ٢، وشرح الجمل ١/ ١٣٥، والبسيط ص ٢٤٧.
(٣) فى الأصل: «وكان». ولم ترد الواو فى هـ، والخزانة.
(٤) فى هـ: «فوق». وما فى الأصل مثله فى الخزانة.
(٥) هو منظور بن مرثد الأسدىّ. ويقال: منظور بن حبة-وحبّة أمّه-انظر المؤتلف-
[ ١ / ١٣ ]
كأنّ بين فكّها والفكّ
أراد أن يقول: بين فكّيها، فقاده تصحيح/الوزن والقافية إلى استعمال العطف، ومثله:
ليث وليث فى مكان ضنك (١)
ومثله فيما جاوز الاثنين قول أبى نواس (٢):
أقمنا بها يوما ويوما وثالثا ويوما له يوم التّرحّل خامس (٣)
فإن استعملت هذا فى السّعة فإنما تستعمله لتفخيم الشىء الذى تقصد تعظيمه، كقولك لمن تعنّفه بقبيح تكرّر منه، وتنبّهه على تكرير عفوك عنه: قد صفحت لك عن جرم وجرم وجرم وجرم، وكقولك لمن يحقر أيادى أسديتها إليه،
_________________
(١) = والمختلف ص ١٤٧، ومعجم الشعراء ص ٢٨١. والبيت الشاهد ينسب أيضا إلى رؤبة، وهو فى زيادات ديوانه ص ١٩١، وانظر إصلاح المنطق ص ٧، وأسرار العربية ص ٤٧، وضرائر الشعر ص ٢٥٧، والبسيط ص ٢٠٠،٢٤٧، وحواشيه-والخزانة ٣/ ٣٤٠،٣٤٣، واللسان (فكك).
(٢) أنشد المصنف هذا البيت مع أبيات أخر ضمن قصة-ونسبه لجحدر بن مالك الحنفى-فى المجلس الرابع والستين، وينسب أيضا لواثلة بن الأسقع الصحابى، كما فى الخزانة ٣/ ٣٤١، والدرر اللوامع ١/ ١٨، وأنشد من غير نسبة فى أسرار العربية ص ٤٨، وضرائر الشعر ص ٢٥٧، والمقرب لابن عصفور ٢/ ٤١، وشرح الجمل له ١/ ١٣٧، والهمع ١/ ٤٣.
(٣) ديوانه ص ٢٩٥، والكامل ص ١٠٤٩، وأمالى الزجاجى ص ١٤٧ وأمالى المرتضى ١/ ١٩٨، وضرائر الشعر ص ٢٥٨، والمغنى ص ٣٩٣، وشرح أبياته ٦/ ٨٣، والخزانة ٣/ ٣٤٠، عن ابن الشجرى كما سبق. وأنشد من غير نسبة فى المقرب ٢/ ٤٩ وشرح الجمل ١/ ١٤٦. وانظر معجم الشواهد ص ١٩٧، ثم انظر رأى ضياء الدين بن الأثير فى ضعف هذا البيت، فى المثل السائر ٣/ ٢٤، وردّ صلاح الدين الصفدى عليه فى الغيث المسجم ١/ ١٨٥.
(٤) جاء بهامش الأصل: «فسّر الأبّديّ فى شرح الجزولية مدّة الإقامة فى هذا البيت الذى لأبى نواس بأنها أربعة أيّام، والصواب أنها ثمانية، ويدلّ عليه قوله «ويوما» بعد قوله «ثالثا»، فدلّ على أنه يوم-
[ ١ / ١٤ ]
أو ينكر ما أنعمت به عليه: قد أعطيتك ألفا وألفا وألفا، فهذا أفخم فى اللفظ، وأوقع فى النفس من قولك: قد صفحت لك عن أربعة أجرام، وقد أعطيتك ثلاثة آلاف.
والتثنية تنقسم إلى ثلاثة أضرب: تثنية لفظيّة، وتثنية معنويّة وردت بلفظ الجمع، وتثنية لفظيّة كان حقّها التكرير بالعطف.
فالضّرب الأول عليه معظم الكلام، كقولك فى رجل: رجلان، وفى زيد: زيدان.
والضّرب الثانى: تثنية آحاد ما فى الجسد كالأنف والوجه والبطن والظهر، تقول: ضربت رءوس الرجلين، وشققت بطون الحملين (١)، ورأيت ظهوركما، وحيّا الله وجوهكما، فتجمع وأنت/تريد: رأسين وبطنين وظهرين ووجهين، ومن ذلك فى التنزيل قوله جل ثناؤه: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ (٢) وجروا على هذا السّنن فى المنفصل عن الجسد، فقالوا: مدّ الله فى أعماركما، ونسأ الله فى آجالكما، ومثله فى المنفصل فيما حكاه سيبويه (٣): ضع رحالهما.
ومن العرب من يعطى هذا كلّه حقّه من التثنية، فيقولون (٤): ضربت رأسيهما،
_________________
(١) = رابع، ثم قال «له» أى لذلك اليوم الرابع يوم الترحّل خامس، وتقدير البيت: أقمنا بها يوما ويوما وثالثا ويوما رابعا، يوم الترحّل خامس له، أى لذلك اليوم الرابع، وخامس الرابع تاسع، وهذا التاسع هو الترحّل، فيبقى ثمانية. والذى يوهم كون الإقامة أربعة حمل قوله «خامس» على أنه خامس واحد، وليس كذلك، وإنما هو خامس أربعة. وهذا التفسير، أى كون الإقامة ثمانية منقول عن الأستاذ أبى موهوب منصور الجواليقى. من خط تلميذ ابن هشام». انتهت الحاشية، وأورد ابن هشام ملخصها فى الموضع المذكور من المغنى. وعبارة الأبّديّ فى شرحه على الجزولية: «لولا الضرورة لقال أياما أربعة» راجع: الأبذى ومنهجه فى النحو مع تحقيق السفر الأول من شرحه على الجزولية، ص ١١١ (رسالة دكتوراة مخطوطة، بكلية اللغة العربية-جامعة أم القرى-من إعداد الأخ الدكتور سعد حمدان الغامدى).
(٢) فى هـ «الجملين»، وسيأتى بالحاء المهملة قريبا.
(٣) الآية الرابعة من سورة التحريم، وانظر معانى القرآن ١/ ٣٠٦، وإعراب القرآن المنسوب خطأ إلى الزجاج ٣/ ٧٨٧، وشرح الحماسة ص ٨٨٦، وقد حكى البغدادىّ هذا الكلام عن ابن الشجرى-الخزانة ٣/ ٣٧٠.
(٤) الكتاب ٣/ ٦٢٢، عن يونس، وحكاه فى ٢/ ٤٩ «وضعا رحالهما» بصيغة الماضى لا الأمر، ونبّه عليه البغدادى فيما سبق من الخزانة. وبهذه الصيغة أعاده ابن الشجرى فى المجلس الخامس والستّين.
(٥) فى هـ «فيقول» وما فى الأصل مثله فى الخزانة ٣/ ٣٧١، عن ابن الشجرى.
[ ١ / ١٥ ]
وشققت بطنيهما، وعرفت ظهريكما، وحيّا الله وجهيكما، فممّا ورد بهذه اللغة قول الفرزدق (١):
بما فى فؤادينا من الشوق والهوى
وقول أبى ذؤيب (٢):
فتخالسا نفسيهما بنوافذ كنوافذ العبط التى لا ترقع
أراد بطعنات نوافذ، والعبط: جمع العبيط: وهو البعير الذى ينحر لغير داء.
والجمع فى هذا ونحوه، هو الوجه، كما جاء فى التنزيل: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا﴾ (٣)، وجمع هميان بن قحافة بين اللغتين فى قوله:
ومهمهين قذفين مرتين ظهراهما مثل ظهور التّرسين (٤)
المهمه: المفازة الخرقاء، والقذف والقذيف: البعيد، والمرت: كلّ مكان لا ينبت مرعى.
وربما استغنوا فى هذا النحو بواحد، لأن إضافة العضو إلى اثنين تنبئ عن المراد، كقولك: ضربت رأس الرجلين، وشققت بطن الحملين، ولا يكادون يستعملون
_________________
(١) ديوانه ص ٥٥٤، والكتاب ٣/ ٦٢٣، والجمل ص ٣١٢، والتبصرة ص ٦٨٥، وما يجوز للشاعر فى الضرورة ص ١٨٥، وتفسير الطبرى ٨/ ٤١، وأنشده ابن الشجرى مرة أخرى فى المجلس الخامس والستين. وانظر معجم الشواهد ص ٢٣٦. وعجز البيت: فيبرأ منهاض الفؤاد المشعف وفى رواية القافية خلاف، انظره فى حواشى الكتاب والطبرى.
(٢) شرح أشعار الهذليين ص ٤٠، وتخريجه فى ص ١٣٦٢، ومعجم الشواهد ص ٢٢٧، هو أيضا فى شواهد التوضيح ص ٦١.
(٣) سورة الأعراف ٢٣.
(٤) ينسب أيضا إلى خطام المجاشعى. وأعاده ابن الشجرى فى المجلس الخامس والستين. وانظر الكتاب ٢/ ٤٨،٣/ ٦٢٢، والبيان والتبيين ١/ ١٥٦، وغريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٣٩، والجمل ص ٣١٣، والتبصرة ص ٦٨٤، وإعراب القرآن المنسوب خطأ إلى الزجاج ص ٧٨٧، وشواهد التوضيح ص ٦١، وضرائر الشعر ص ٢٥٠، والخزانة ٣/ ٣٧٤، وشرح شواهد الشافية ص ٩٤، ومعجم الشواهد ص ٥٤٣.
[ ١ / ١٦ ]
هذا إلا فى الشعر (١)، وأنشدوا شاهدا عليه:
كأنه وجه تركيّين قد غضبا مستهدفين لطعن غير تذبيب (٢)
ذبّ فلان عن فلان: دفع عنه، وذبّب فى الطعن والدفع: إذا لم يبالغ فيهما.
قال سيبويه (٣): وسألته، يعنى الخليل، عن قولهم: ما أحسن وجوههما [فجمعوا وهم يريدون اثنين (٤)] فقال: لأن الاثنين جميع، وهذا بمنزلة قول الاثنين: نحن فعلنا [ذاك (٥)]، ولكنهم أرادوا أن يفرّقوا بين ما يكون مفردا (٦)، وبين ما يكون شيئا من شيء.
/والقول فى تفسير هذه الحكاية: أنهم قالوا: ما أحسن وجوه الرجلين، فاستعملوا الجمع موضع الاثنين، كما قال الاثنان: نحن فعلنا، ونحن إنما هو ضمير موضوع للجماعة، وإنما استحسنوا ذلك لما بين التثنية والجمع من التقارب، من
_________________
(١) قال البغدادى: «والعجب من ابن الشجرى فى حمله الإفراد على ضرورة الشعر؛ فإنه لم يقل أحد إنه من قبيل الضرورة. . . وتبعه ابن عصفور فى كتاب ضرائر الشعر، والصحيح أنه غير مختص بالشعر» الخزانة ٣/ ٣٧١. هذا كلام البغدادى، وفيه نظر، فإن عبارة «ولا يكادون يستعملون هذا إلاّ فى الشعر» تؤذن بأنه قد يستعمل فى سعة الكلام أيضا.
(٢) للفرزدق. ديوانه ص ٣٧١، ورواية العجز فيه: مستهدف لطعان غير منحجر وقد أنشد البغدادى البيت عن ابن الشجرى، ثم قال: «والبيت الشاهد قافيته رائية لا بائية» ويبدو أن ابن الشجرى قد تابع الفراء فى إنشاد البيت على قافية الباء، فإنه رواه هكذا فى معانى القرآن ١/ ٣٠٨. وقد جاءت هذه القافية فى بيت للفرزدق، فى ديوانه ص ٢٥، من قصيدة يمدح بها الحكم بن أيوب الثقفى. قال: مجاهد لعداة الله محتسب جهادهم بضراب غير تذبيب وانظر التبصرة ص ٦٨٤، والبيان لأبى البركات الأنبارى ١/ ٢٩١، وشرح المفصل ٤/ ١٥٧، وشرح الجمل ١/ ٤٢١،٢/ ٤٤٤.
(٣) الكتاب ٢/ ٤٨.
(٤) لم يرد عند سيبويه، ولا عند البغدادى فيما حكاه فى الخزانة ٣/ ٣٦٨.
(٥) زيادة من الكتاب والخزانة.
(٦) فى الكتاب والخزانة: «منفردا» وكذلك فيما يأتى.
[ ١ / ١٧ ]
حيث كانت التثنية عددا تركّب من ضمّ واحد إلى واحد، وأول الجمع، وهو الثلاثة، تركّب من ضمّ واحد إلى اثنين، فلذلك قال: «لأن الاثنين جميع» وقوله:
«ولكنهم أرادوا أن يفرّقوا بين ما يكون مفردا وبين ما يكون شيئا من شيء» معناه أنهم أعطوا المفرد حقّه من لفظ التثنية، فقالوا فى رجل: رجلان، وفى وجه:
وجهان، ولم يفعل ذلك أهل اللغة العليا فى قولهم: ما أحسن وجوه الرجلين، وذلك أن الوجه المضاف إلى صاحبه إنما هو شيء من شيء، فإذا ثنّيت الثانى منهما علم السامع ضرورة أن الأول لا بدّ من أن يكون وفقه فى العدّة (١)، فجمعوا الأول كراهة أن يأتوا بتثنيتين متلاصقتين فى مضاف ومضاف إليه، والمتضايفان يجريان مجرى الاسم الواحد، فلمّا كرهوا أن يقولوا: ما أحسن وجهى الرجلين، فيكونوا كأنهم قد جمعوا فى اسم واحد بين تثنيتين، غيّروا لفظ التثنية الأولى بلفظ الجمع، إذ العلم محيط بأنه لا يكون للاثنين أكثر من وجهين، فلمّا أمنوا اللبس فى وضع الوجوه موضع الوجهين استعملوا أسهل اللفظين (٢).
فأمّا ما فى الجسد منه اثنان، فتثنيته إذا ثنّيت المضاف إليه واجبة، تقول: فقأت عينيهما، وقطعت أذنيهما، لأنك لو قلت: أعينهما وآذانهما، لالتبس بأنك أوقعت الفعل بالأربع.
فإن قيل: فقد جاء فى القرآن: ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ (٣) فجمع اليد، وفى الجسد يدان، فهذا يوجب بظاهر اللفظ إيقاع القطع بالأربع.
الجواب: أن المراد: فاقطعوا أيمانهما، وكذلك هى فى مصحف عبد الله (٤)، فلما/ علم بالدليل الشرعىّ أن القطع محلّه اليمين، وليس فى الجسد إلاّ يمين واحدة، جرت مجرى آحاد الجسد فجمعت كما جمع الوجه والظهر والقلب (٥).
_________________
(١) فى هـ «لا بدّ أن يكون وفقه فى جميع العدّة» وفى الخزانة ٣/ ٣٧٠ «لا بدّ أن يكون وفقه فى العدد».
(٢) هنا انتهى ما حكاه البغدادىّ عن ابن الشجرىّ. وقال عقبه: وهذا علّة البصريين.
(٣) سورة المائدة ٣٨.
(٤) ابن مسعود، ﵁. وانظر معانى القرآن ١/ ٣٠٦، وتفسير الطبرى ١٠/ ٢٩٤، والخزانة ٣/ ٣٧١.
(٥) فى الخزانة: والبطن.
[ ١ / ١٨ ]
والضرب الثالث من ضروب التثنية: تثنية التغليب، وذلك أنهم أجروا المختلفين مجرى المتفقين، بتغليب أحدهما على الآخر، لخفّته أو شهرته، جاء ذلك مسموعا فى أسماء صالحة، كقولهم للأب والأم: الأبوان، وللشمس والقمر: القمران، ولأبى بكر وعمر ﵄: العمران، غلّبوا القمر على الشمس لخفّة التذكير، وغلّبوا عمر على أبى بكر، لأن أيام عمر امتدّت فاشتهرت، ومن زعم أنهم أرادوا بالعمرين عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، فليس قوله بشىء، لأنهم نطقوا بالعمرين من قبل أن يعرفوا عمر بن عبد العزيز، وروى أنهم قالوا لعثمان رضوان الله عليه: نسألك سيرة العمرين، وقال الفرزدق (١):
أخذنا بآفاق السماء عليكم لنا قمراها والنّجوم الطّوالع
أراد لنا شمسها وقمرها، وعنى بالشمس إبراهيم، وبالقمر محمدا ﵌، وبالنّجوم عشيرة (٢) النبى ﵌، وكذلك أراد المتنبى بالقمرين الشمس والقمر فى قوله (٣):
واستقبلت قمر السّماء بوجهها فأرتنى القمرين فى وقت معا
ولو لم يرد الشمس والقمر لم يدخل (٤) الألف واللام، ولقال: أرتنى قمرين.
وقيل فى قوله تعالى: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ (٥): إن المراد المشرق والمغرب، فغلّب المشرق لأنه أشهر الجهتين.
_________________
(١) ديوانه ص ٥١٩، وأنشده ابن الشجرى أيضا فى المجلس الحادى والستين. وانظر الكامل ١/ ١٤٣، والمقتضب ٤/ ٣٢٦، ومجالس العلماء ص ٣٦، وإعراب القرآن المنسوب خطأ إلى الزجاج ص ٧٨٨، وشرح الجمل ١/ ١٣٦، ومعجم الشواهد ص ٢٢١.
(٢) حكى تاج الدين السبكى فى طبقات الشافعية الكبرى ٢/ ١٩٨، عن والده، هذا التأويل عن أمالى ابن الشجرى، لكن ورد فى حكايته أن المراد بالنجوم «الصحابة». وانظر الموضع السابق من مجالس العلماء، والمغنى ص ٧٦٥، وشرح أبياته ٨/ ٨٨.
(٣) ديوانه ٢/ ٢٦٠، ومعجم الشواهد ص ٢١٤.
(٤) هذا من تأويل الشيخ عبد القاهر فى أسرار البلاغة ص ٢٩٣.
(٥) سورة الزخرف ٣٨، وحكى تأويل ابن الشجرىّ، الزركشىّ فى البرهان ٣/ ٣١٢.
[ ١ / ١٩ ]
وقالوا لمصعب بن الزبير (١) وابنه المصعبان، وقالوا لعبد الله بن الزّبير وأخيه مصعب: الخبيبان، وكان عبد الله يكنى أبا خبيب، قال الراجز (٢):
قدنى من نصر الخبيبين قدى
وقد أفرد صاحب (إصلاح المنطق) لهذا الضرب (٣) بابا.
كان لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة (٤) من شعراء الجاهلية وأدرك الإسلام فحسن إسلامه، وترك قول الشعر فى الإسلام، وسأله عمر بن الخطاب رضوان الله عليه فى خلافته، عن شعره واستنشده، فقرأ سورة البقرة، فقال: إنما سألتك عن شعرك، فقال: ما كنت لأقول بيتا من الشّعر بعد إذ علّمنى الله البقرة وآل عمران، فأعجب عمر قوله، وكان عطاؤه ألفين فزاده خمسمائة، وعاش إلى بعض أيام معاوية، وكان عطاؤه بالكوفة، وكتب معاوية إلى زياد بأن المال قد قلّ وكثر أهل العطاء، فانقص من أعطيات أهل الشرف خمسمائة [خمسمائة (٥)] فنقصهم زياد عند أخذهم للعطاء رجلا رجلا، حتى انتهى إلى لبيد، فقال (٦) له: هذان الخرجان يا أبا عقيل فما هذه العلاوة (٧)؟ فقال له لبيد: أمضها لا أبا لك، فعن قليل ما يرجع إليك الخرجان والعلاوة، فاستحيا منه زياد لسنّه
_________________
(١) اسمه عيسى. راجع تاريخ الطبرى ٦/ ١٥٨ (حوادث سنة ٧١)، واللسان (صعب) وزاد قولا آخر أن المراد بالمصعبين: مصعب بن الزبير وأخوه عبد الله.
(٢) هو حميد الأرقط، وقيل غيره. الكتاب ٢/ ٣٧١، واستقصيت تخريجه فى كتاب الشعر ص ١٥٥، وقد أعاده ابن الشجرى فى المجلس التاسع والخمسين.
(٣) إصلاح المنطق ص ٤٠٠، وترجم له بباب الاسمين يغلّب أحدهما على صاحبه لشهرته أو لخفّته.
(٤) بقية نسبه فى الأغانى ١٥/ ٣٦١، وترجمة لبيد فى غير كتاب. انظر الشعر والشعراء ١/ ٢٧٤، وحواشيه.
(٥) ليس فى هـ.
(٦) الذى فى الأغانى والشعر والشعراء أن القائل هو معاوية.
(٧) العلاوة-بكسر العين-ما عولى فوق الحمل وزيد عليه. النهاية ٣/ ٢٩٥.
[ ١ / ٢٠ ]
وشرفه، فأعطاه عطاءه على تمامه، ولم يفعل ذلك مع أحد غيره، فكان ذلك آخر ما قبض [من العطاء (١)].
وكان لبيد آلى على نفسه فى الجاهلية ألاّ تهبّ الصّبا إلاّ نحر وأطعم الناس حتى تسكن، وألزم ذلك (٢) نفسه فى الإسلام، وخطب الوليد بن عقبة بن أبى معيط الناس بالكوفة فى يوم صبا، فقال: معاشر الناس، إن أخاكم لبيد بن ربيعة آلى على نفسه فى الجاهلية ألاّ تهبّ الصّبا إلا نحر وأطعم الناس حتى تسكن، وأقام على سنّته فى الإسلام، وهذا اليوم من أيامه فأعينوه، وأنا أول من يعينه، ونزل عن المنبر، فبعث إليه بمائة بكرة، وكتب إليه بهذه الأبيات:
أرى الجزّار يشحذ شفرتيه إذا هبّت رياح أبى عقيل (٣)
أشمّ الأنف أصيد عامرىّ طويل الباع كالسيف الصّقيل
وفى ابن الجعفرىّ بما عليه على العلاّت والمال القليل
فلما وصلت الأبيات إلى لبيد، قال لبنت له: يا بنيّة أجيبيه، فقد رأيتنى وما أعيا بجواب شاعر، فقالت:
إذا هبّت رياح أبى عقيل دعونا عند هبّتها الوليدا
أشمّ الأنف أصيد عبشميّا أعان على مروءته لبيدا
بأمثال الهضاب كأنّ ركبا عليها من بنى حام قعودا
أبا وهب جزاك الله خيرا نحرناها وأطعمنا الثريدا
فعد إنّ الكريم له معاد وظنّى بابن أروى أن يعودا
_________________
(١) ليس فى هـ.
(٢) فى هـ «وألزم نفسه ذلك. . .»، وما فى الأصل مثله فى الحماسة الشجرية ١/ ٣٧٨.
(٣) الأبيات فى الأغانى، والشعر والشعراء، والحماسة الشجرية، وجمهرة أشعار العرب ١/ ٨٧، وشرح القصائد السبع ص ٥١٥.
[ ١ / ٢١ ]
فقال لها أبوها: أحسنت لولا أنك استزدتيه، فقالت: إن الأمراء لا يستحيا من الطلب إليهم، ولا غضاضة على سائلهم، فقال: وأنت فى هذا القول أشعر.
[ ١ / ٢٢ ]