عزا ابن الشجرى كثيرا من الشواهد إلى قائليها، وسكت عن نسبة بعض أبيات، عزوت قدرا منها، بالرجوع إلى دواوين الشعر ومصنّفات النحو وسائر كتب العربية، وشذّ منها شيء لم أجده فيما بين يدىّ من مظان، وقد انفرد ابن الشجرى بإنشاد أبيات، كما انفرد بنسبة أبيات، وظنّى أن مرجعه فى الحالين كتب أبى على الفارسى (١)، المخطوطة والمفقودة، فقد رأيت ابن الشجرى كثير التطواف حول أبى على، ويأتى هذا مبسوطا إن شاء الله فى حديثى عن مصادر ابن الشجرى.
وتمثّل بعض شواهد ابن الشجرى إضافات جيّدة لشعر بعض الشعراء، فقد أنشد بيتين لكثيّر لم أجدهما فى ديوانه المطبوع بتحقيق الدكتور إحسان عباس.
البيت الأول:
من اليوم زوراها خليلىّ إنها سيأتى عليها حقبة لا نزورها (٢)
ولم أجد هذا البيت أيضا فيما بين يدىّ من كتب النحو والتفسير واللغة.
والبيت الثانى:
وما زلت من ليلى لدن أن عرفتها لكالهائم المقصى بكلّ مكان (٣)
وهذا البيت أنشد من غير نسبة فى المنصف لابن جنى ٣/ ٥٢، وشرح ديوان المتنبى المنسوب إلى العكبرى ٢/ ٢٤١.
_________________
(١) رأيت تصديق هذا حين حقّقت كتاب الشّعر لأبى على.
(٢) المجلس الأول، ولكثير قصيدة من بحر هذا البيت وقافيته، ديوانه ص ٣١٢.
(٣) المجلس الحادى والثلاثون.
[ المقدمة / ١٠٧ ]
وتظهر أهمية شواهد ابن الشجرى أيضا، فيما حكاه عن سيبويه، فقد استدل على حذف المنادى بما أنشده سيبويه من قول الشاعر (١):
ألا يا إننى سلم لأهلك فاقبلى سلمى
وهذا الشاهد لم أجده فى كتاب سيبويه، اعتمادا على ما صنع له من فهارس، ومعروف عند الدارسين «أن بين أصول الكتاب القديمة اختلافا فى عدة الأبيات، وأن بعضها ربما انفرد بشواهد أخلّ بها غيره» (٢). وابن الشجرى نفسه يصرح بأن لكتاب سيبويه أكثر من نسخة (٣).
وهذه جملة ملاحظات حول منهج ابن الشجرى فى نسبة الشواهد وروايتها:
١ - روى ابن الشجرى قول أبى تمام (٤):
أفى الحقّ أن يمسى بقلبى مأتم من الشوق والبلوى وعيناى فى عرس
ورواية البيت فى ديوان أبى تمام ٤/ ٢٢٠:
أسكن قلبا هائما فيه مأتم من الشوق إلا أنّ عينى فى عرس
ويا بعد ما بين الروايتين فى مجال الدرس الأدبى.
٢ - وأنشد بيت الفرزدق (٥):
ولو بخلت يداى بها وضنّت لكان علىّ للقدر الخيار
ورواية الديوان ص ٣٦٤:
ولو رضيت يداى بها وقرّت لكان لها على القدر الخيار
ويقال فيه ما قيل فى سابقه.
_________________
(١) المجلس التاسع والثلاثون. والبيت من غير نسبته فى اللسان (سلم).
(٢) فهرس شواهد سيبويه ص ٩ لشيخنا العلامة أحمد راتب النّفّاخ.
(٣) المجلس الحادى عشر.
(٤) المجلس الثامن عشر.
(٥) المجلس نفسه.
[ المقدمة / ١٠٨ ]
٣ - نسب ابن الشجرى هذا البيت من الرجز، إلى الشماخ (١):
*ربّ ابن عمى لسليمى مشمعل*
والصواب أنه لجبار بن جزء، على ما فى ديوان الشماخ ص ٣٨٩، وجزء أخو الشماخ. وهذا البيت أنشده ابن الشجرى مع بيت بعده، من غير نسبة، فى المجلس التاسع والستين.
٤ - أنشد ابن الشجرى فى المجلس الثانى والعشرين، هذين البيتين، ونسبهما إلى تأبط شرا:
فإما تعرضنّ أميم عنى وينزعك الوشاة أولو النّياط
فخور قد لهوت بهنّ عين نواعم فى البرود وفى الرّياط
ثم أنشدهما فى المجلس الثالث والأربعين، ونسبهما إلى الهذلى من غير تعيين، والبيتان من قصيدة للمتنخل الهذلى، كما فى شرح أشعار الهذليين ص ١٢٦٧.
٥ - نسب ابن الشجرى إلى رؤبة هذين البيتين:
والله لولا أن يحشّ الطّبّخ بى الجحيم حين لا مستصرخ (٢)
ولم يردا فى ديوان رؤبة المطبوع، وهما فى ديوان أبيه العجاج ص ٤٥٩.
٦ - وصنع عكس هذا، حين نسب بيتا للعجاج (٣)، والصواب أنه لرؤبة فى ديوانه ص ١٦، وذلك قوله:
*وقد تطوّيت انطواء الحضب*
٧ - ونسب إلى رؤبة (٤):
_________________
(١) المجلس التاسع عشر.
(٢) المجلس الخامس والثلاثون، وأنشد جزءا من البيت الثانى، من غير نسبة فى المجلس الحادى والثلاثين.
(٣) المجلس التاسع والخمسون.
(٤) المجلس الثامن والسبعون، ولم يرد البيتان فى ديوان رؤبة المطبوع.
[ المقدمة / ١٠٩ ]
يا أيها المائح دلوى دونكا إنى رأيت الناس يحمدونكا
ونسبة البيتين إلى رؤبة خطأ، تبع فيه ابن الشجرى القاضى الجرجانى فى الوساطة ص ٢٧٥، وقد تعقب البغدادىّ (١) ابن الشجرى فى هذه النسبة، ثم عزا البيتين إلى راجز جاهلى من بنى أسيد بن عمرو بن تميم.
٨ - استشهد ابن الشجرى على حذف اللام فى الشعر بقول الأعشى (٢):
أبالموت الذى لا بدّ أنى ملاق لا أباك تخوّفينى
فإن كان ابن الشجرى يريد الأعشى الكبير، ميمون بن قيس، فإنى لم أجد هذا البيت فى ديوانه المطبوع، وقد تكلمت عليه فى حواشى التحقيق.
٩ - روى ابن الشجرى «متتايع» فى هذا البيت (٣):
أرى ابن نزار قد جفانى وملنى على هنوات شأنها متتايع
بالياء التحتية، وشرح التتايع بأنه التهافت فى الشر، وقد ذكرت فى حواشى التحقيق أن الرواية «متتابع» بالباء الموحدة، فى كل ما رجعت إليه من كتب، وهى الكتاب والمقتضب والمنصف، وسرّ صناعة الإعراب، وشرح المفصل، وشرح الملوكى، واللسان، ثم نقلت عن الأعلم أنهما روايتان.
١٠ - روى ابن الشجرى بإسناده إلى بديع الزمان الهمذانى، قصيدة بشر ابن عوانة الأسدى، التى مطلعها (٤):
أفاطم لو شهدت ببطن خبت وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا
وقال فى تقدمة القصيدة: «قيل إن أجود شعر قيل فى لقاء الأسد، من الشعر القديم هذه القصيدة».
_________________
(١) الخزانة ٣/ ١٨.
(٢) المجلس الثالث والأربعون.
(٣) المجلس التاسع والأربعون.
(٤) المجلس الرابع والستون.
[ المقدمة / ١١٠ ]
ويرى الأستاذ الدكتور مصطفى الشّكعة (١) أن بشر بن عوانة الأسدى هذا شخصية وهمية، اخترعها بديع الزمان فى مقاماته، وأجرى على لسانها هذه الأبيات.
وقد سبق إلى هذا التنبيه الأستاذ الزركلى (٢)، ﵀ رحمة واسعة.
١١ - أنشد ابن الشجرى شاهدا على التمدح هذين البيتين (٣):
لحافى لحاف الضيف والبيت بيته ولم يلهنى عنه غزال مقنّع
أحادثه إن الحديث من القرى وتعلم نفسى أنه سوف يهجع
ونسبهما لعقبة بن مسكين الدارمى، وقد انفرد ابن الشجرى بهذه النسبة، كما ذكر البغدادى (٤)، وأفاد أن البيتين لمسكين الدارمى، وأن الجاحظ والأعلم الشنتمرى نسبا البيتين إلى كعب بن سعد الغنوى، ونسبهما التبريزى إلى عتبة بن بجير.
_________________
(١) مناهج التأليف عند العلماء العرب ص ٣٩٦.
(٢) الأعلام ٢/ ٢٧، وانظر المثل السائر ٣/ ٢٨٤.
(٣) المجلس الخامس والستون.
(٤) الخزانة ٤/ ٢٥٤، والبيتان فى ديوان مسكين ص ٥١، وتخريجهما فى ٧٦.
[ المقدمة / ١١١ ]