أخبرني محمد بن يحيى الصُّولي، قال: حدثنا يموت بن المزرَّع، عن الجاحظ، قال: أرسل إلي ثُمامةُ يوم جلي المأمون لإبراهيم بن المهديّ، وأمر بإحضار الناس على مراتبهم، فحضروا، فجيء بإبراهيم يحجُلُ في قيوده، فوقف على طرف الإيوان، وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فقال له المأمون: لا سلَّم الله عليك، ولا حفظك، ولا رعاك، ولا كلأك، يا إبراهيم؛ فقال له إبراهيم؛ على رسلك يا أمير المؤمنين! فلقد أصبحت وليَّ ثأري والقدرة تذهب الحفيظة، ومن مَدَّ له الاغترار في الأمل، هجمت به الأناة على التَّلف، وقد أصبح ذنبي فوق كلِّ ذنب، كما أن عفوك فوق كلِّ عفو، فإن تعاقب فَبِحَقِّكَ، وأن تعف فبفضلك. قال: فأطرق مليًا، ثم رفع رأسه فقال: إنَّ هذين أشارًا عليَّ بقتلك؛ فالتفت فإذا المعتصم والعبّاس بن المأمون؛ فقال: يا أمير المؤمنين، أمَّا حقيقة الرأي في معظم تدبير الخلافة والسياسة فقد أشارا عليك به، وما غشَّاك إذ كان ما كان مني، ولكنّ الله عَوَّدَكَ من العفو عادةً جريت عليها دافعًا ما تخاف بما ترجو، فكفاك الله. فتبسَّم المأمون، وأقبل على ثمامة، ثم قال: إنّ من الكلام ما يفوق الدرّ ويغلب السِّحر، وإنّ كلام عمّي منه، أطلقوا عن عمي حديده، وَرُدُّوهُ إليَّ مُكرَّمًا. فلمّا رُدَّ إليه قال: يا عمّ صر إلى المنادمة، وارجع إلى الأنس، فلم ترى مني أبدًا إلاّ ما تحبُّ. فلمّا كان من الغد بعث إليه بدرج فيه: " من الكامل ":
يا خيرَ منْ ذمَلَتْ يمانيةٌ بهِ بعدَ الرّسولِ لآيسٍ أَو طامِعِ
وأَبرَّ منْ عَبَدَ الإِلَهَ على الهدى نفسًا وأَحكَمَه بِحقٍ صَادِعِ
عسلُ الفوارعِ ما أُطِعْتَ فإِنْ تُهَجْ فالموتُ في جُرَعِ السِّمامِ الناقعِ
مُتَيَقِّظًْا حَذِرًا وما يخشى العِدَا نَبهَانَ من وَسَنات ليلِ الهاجعِ
واللهُ يعلمُ ما أَقولُ فإِنها جَهْدُ الأَليّةِ من حنيفٍ راكعِ
[ ٧ ]
قَسَمًا ومَا أُدلي إِليكَ بحجَّةٍ إِلاَّ التضرُّعَ من مُحبٍ خاشعِ
ما إِن عَصَيُتَك والغواةُ تَمُدُّني أَسبابُها إِلاَّ بِنيَّةِ طائعِ
حتى إِذا علقَتْ حبائِل شِقْوتي بِرِدَىً على حُفَر المهالِك هائعِ
لم أَدرَ أَنّ لمثل ذَنبي غافِرًا فأَقْمتُ أَرقُبُ أَيَّ حتفٍ صارعي
رَدَّ الحياةَ إِليَّ بعد ذَهابها ورَعُ الإِمام القاهرِ المتواضعِ
أَحياكَ مَنْ ولاّكَ أَطول مُدَّةٍ ورَمى عدُوَّكَ في الوتين بقاطعِ
إِنّ الذين قسم الفضائل حازها في صلب آدم للإِمام السابعِ
كم مِن يدٍ لكَ لا تحدّثني بها نفسي إِذا آلتْ إِليَّ مطامعيِ
أَسْدِيْتَها عفوًا إِليَّ هَنِيئَةً فشكرتُ مُصْطَنَعًا لأكرم صانعِ
وَرَحِمْتَ أَطفالًا كأَفراخ القطا وعويلَ عانسةٍ كقوسِ النازعِ
وَعَفَوْتَ عَمَّنْ لم يكنْ عن مثلِهِ عفوٌ ولم يشْفَعْ إِليك بشافعِ
إِلاَّ العلوَّ عن العقوبةِ بعدما ظفرَت يَداكَ بمسكتينٍ خاضعِ
قال: فبكى المأمون، ثم قال: عليَّ به، فأتي به فخلع عليه، وحمله، وأمر له بخمسة آلاف دينار، ودعا بالفرَّاش فقال له: إذا رأيت عمّي مقبلا فاطرح له تُكَأَةً، فكان ينادمه، ولا ينكر عليه شيئًا.
وزاد في رواية الصولي: وله في عفوه أشعار كثيرة، منها قصيدة أولها " من البسيط ":
أَعينكَ يا خيرَ من تعنى بمؤتلفِ من الثناءِ ائتلافَ الدُّرِّ في النَّظم
أَثني عليكَ بما جدَّدت من نعمٍ وما شكرتك إِذ لم أُثن بالنِّعَمِ
وفيها:
رددتَ مالي ولم تمنن عليَّ به وقبل ردِّك مالي ما حقنتَ دمي
فَنُؤْتُ منه وما كافأتُها بيدٍ هي الحياتان من موتٍ ومن عَدَمِ
البرُّ لي منكَ وطءُ العذر عندك لي فيما أَتيتُ فلم تعذُل ولم تَلُمِ
وقام عِلمكَ بي فاحتجً عندك لي مقام شاهدِ عَدْلٍ غير مُتَّهِمِ
تعفو بعدلٍ وتسطو إن سطوتَ بهِ فلا فقدانكَ من عافٍ ومنتقمِ