وقَالَ أَبُو نصر: عَنِ الأصمعى: ذرىء رأس الرجل يذرأ ذرأً، وقد علته ذرأة، أي بياض، وأنشد:
وقد علتني ذرأة بادي بدى
وأنشد أَبُو بَكْرِ بن دريد بعد هذا البيت.
ورثية تنهض فِي تشدّد
وقوله: بادي بدى، أي فِي أول الأمر، ويقَالَ: حدي أذرأ، وعناق ذراء إذا كان فِي رأسه ورأسها بياض، ومنه قيل: ملح ذرآنيّ، أي شديد البياض، وقَالَ غيره وذرآنيّ أيضًا.
وقَالَ
[ ١ / ٢٠٠ ]
اللحياني: يُقَال: ذرأ الله الخلق يذرؤهم، والله البارئ الذارئ، والحلق مذروءون ومبروءون.
وقَالَ أَبُو نصر: ذرا يذرو ذروًا إذا مرّ مرًّا سريعًا، وذرا ناب الجمل يذرو ذروًا إذا انكسر حدّه، وقَالَ أوس بن حجر:
وإن مقرم منّا ذرا حدّ نابه تخمّط فينا ناب آخر مقرم
وذرت الريح التراب تذروه ذروًا، ومنه قيل: ذري الناس الحنطة، قَالَ: ويقَالَ: ذرت الريح التراب تذريه، بمعنى ذرته تذروه، وطعنه فأذراه عَنْ فرسه، أي رمى به وقلعه عَنِ السّرج، وقَالَ الأصمعيّ: أذرته إذا قلعته من أصله قلعًا، وذرته طيّرته، قَالَ ابن أحمر:
لها منخل تذري إذا عصفت به أهابيّ سفساف من التّرب توأم
وقَالَ اللحياني: ذرت الريح التراب تذروه وتذريه إذا سحفته وأذهبته.
قَالَ: وقَالَ الكسائي: ذروت وذرَيت وذرّيت بمعنى واحد، أي نقّيتها فِي الريح.
قَالَ أَبُو نصر: فلان يُذّري فلانًا، أي يرفع من شأنه ويمدحه، قَالَ الراجز.
عمدًا أذرّي حسبي إن يشتما بهدر هدّار يمجّ البلغما
وقَالَ أَبُو زيد: ذرّيت الشاة إذا جززتها وتركت عَلَى ظهرها شيئًا منه لتعرف به، ولا يكون ذلك إلا فِي الضأن، وقَالَ أَبُو نصر وغيره: ذروة كلّ شيء أعلاه، ويقَالَ: فلان فِي ذرى فلان، أي فِي دفئه وظلّه.
ويقَالَ: استذر بهذه الشجرة، أي كن فِي دفئها، وهو الذرى مقصور.
ويقَالَ: جاء ينقض مذرويه، إذا جاء باغيًا يتهدّد، قَالَ: والمذروان: الناحيتان، قَالَ بعض هذيل يذكر القوس:
على كلّ هتافة المذروين صفراء مضجعة فِي الشّمال
يعني: الجانبين اللذين يقع عليهما الوتر من أسفل ومن أعلي.
: وهذا القول مشتمل عَلَى من سمّى ناحيتي الرأس مذروين، وعلى ما رواه أَبُو عبيد، عَنْ أبي عبيدة أن المذروين أطراف الأليتين، وأنشد لعنترة:
أحولي تنقض استك مذرويها لتقتلني فهأنذا عمارا
[ ١ / ٢٠١ ]
قَالَ: وليس لهما واحد، لأنه لو كان لهما واحد فقيل مذري لقيل فِي التثنية مذريان بالياء وما كانت بالواو، وقَالَ أَبُو نصر: يُقَال: بلغني عنه ذرء من خبر، أي طرف ولم يتكامل.
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، لمعقر بن حمار البارقي:
إذا استرخت عماد الحيّ شدّت ولا يثنى لقائمة وظيف
يقول: هم سائرون وبيوتهم عَلَى ظهور إبلهم، فإذا استرخى منها شيء شد من غير أن ينيخوا بعيرًا ويثنوا وظيفه
وأنشدنا أَبُو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدى المعروف بنفطويه:
أما والله ثمّ الله حقًا يمين البرّ أتبعها يمينا
لقد حلّت أميمة من فؤادي تلاعًا ما أبحن وما رعينا
ولكنّ الخليل إذا قلانا وآثر بالمودّة آخرينا
صددت تكرما عنه بنفسي وإن كان الفؤاد به ضنينا
قَالَ: أنشدني عبيد الله بن إسحاق بن سلام:
نزلت بمكّة فِي قبائل نوفل ونزلت خلف البئر أبعد منزل
حذرا عليها من مقالة كاشح ذرب اللسان يقول ما لم أفعل
وأنشدني نفطويه لنفسه:
أتخالني من زلّة أتعتّب قلبي عليك أرقّ مما تحسب
قلبي وروحي فِي يديك وإنما أنت الحياة فأين عنك الذهب
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، البيت الأول من هذين البيتين، عَنْ أبى العباس أحمد بن يحيى، وقرأت القصيدة بأسرها على أبى بكر بن دريد لجميل بن معمر العذريّ:
وقالوا لا يضيرك نأي شهر فقلت لصاحبيّ فمن يضير
يطول اليوم إن شحطت نواها وحول نلتقي فيه قصير
وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بن أبى الأزهر مستملى أبي العباس المبردّ، قَالَ: أنشدنا الزبير لبثينة:
وإن سلوّى عَنْ جميل لساعة من الدهر ما حانت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمر إذا متّ بأساء الحياة ولينها
[ ١ / ٢٠٢ ]
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، ﵀، قَالَ: أنشدنى أبى:
لما تبدّت من الأستار قلت لها سبحان سبحان ربي خالق الصور
ما كنت أحسب شمسًا غير واحدة حتى رأيت لها أختا من البشر
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد لابن الدمينة:
ألا لا أرى وادي المياه يثيب ولا النّفس عَنْ وادي المياه تطيب
أحبّ هبوط الواديين وإنني لمستهتر بالواديين غريب
أحقًا عباد الله أن لست واردًا ولا صادرًا إلا عَلَيَّ رقيب
ولا زائرًا وحدي ولا فِي جماعة من الناس إلا قيل أنت مريب
وهل ريبة فِي أن تحنّ نجيبة إلى إلفها أو أن يحن نجيب
وإن كثيب الفرد من جانب الحمى إليّ وإن لم آته لحبيب
وقرأت عليه أيضًا:
صفراء من بقر الجواء كأنما ترك الحياء بها رداع سقيم
من محذيات أخي الهوى جرع الأسى بدلال غانية ومقلة ريم
وقصيرة الأيام ودّ جليسها لو دام مجلسها بفقد حميم
وقرأت عليه أيضًا:
لك الله إنّي واصل ما وصلتني ومثن بما أوليتني ومثيب
فلا تتركي نفسي شعاعًا فإنها من الوجد قد كادت عليك تذوب
وإني لأستحييك حتى كأنما عليّ بظهر الغيب منك رقيب
وقرأت عليه لجميل بن معمر العذريّ، وأنشدني البيتين الأولين أَبُو معاذ عبدان المتطبب:
فلو أرسلت يومًا بثينة تبتغي يميني ولو عزّت عَلَى يميني
لأعطيتها ما جاء يبغي رسولها وقلت لها بعد اليمين سليني
[ ١ / ٢٠٣ ]
سليني مالي يا بثين فإنما يبيّن عند المال كل ضنين
فما لك لمّا خبّر الناس إنني أسأت بظهر الغيب لم تسليني
فأبلي عذرًا أو أجيء بشاهد من الناس عدل أنهم ظلموني
ولست وإن عزّت عَلَى بقائل لها بعد صرم يا بثين صليني
ونبّئت قومًا فيك قد نذروا دمي فليت الرّجال الموعدين لقوني
إذا ما رأوني مقبلًا عَنْ جنابة يقولون من هذا وقد عرفوني
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن السراج هذين البيتين الأخيرين:
فليت رجالا فيك نذروا دمي وهمّوا بقتلي يا بثين لقوني
إذا ما رأوني طالعًا من ثنيّة يقولون من هذا وقد عرفوني