وحدثوا أن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي كتب إلى عثمان بن عفان ﵁: أني قد اشتريت لك غلامًا حبشيًا شاعرًا فانظر هل تريده، فعرض عليه، فقال: إنه عبد بني الحسحاس هو ابن نفاثة بن سعد بن أسد من أسد بن خزيمة بن مدركة، واسم العبد سحيم، فقالوا: نعم هو شاعر يرغب فيه، فقال: لا حاجة لي فيه، لأن الشاعر لا حريم له، حظ العبد الشاعر منه إذا شبع أن يشبب بنسائهم، وإذا جاع أن يهجوهم، ورده.
قالوا: فاشتراه رجل، فلما رحل به أنشأ يقول:
أشوقًا ولمَّا يمضِ في غيرِ ليلةٍ فكيفَ إذا سارَ المطيُّ بنا شهرا
وما كنتُ أخشى مالكًا أن يبيعني بشيءٍ وإن أضحتْ أناملهُ صفرا
أخوكم ومولى مالكمْ وحليفكم ومن قد قوى فيكم وعاشركم دهرا
فلما بلغهم هذا الشعر ردوه وأكرموه وبقي فيهم مدة، حتَّى وجدوه يشبِّب بنسائهم، فأجمعوا قتله، فأخذوه وهو شارب ثمل، فهزئت به امرأة منهم وهو على تلك الحال شماتة به، فقال:
فإنْ تهزئي منِّي فيا ربَّ ليلةٍ جعلتكِ فيها كالقباءِ المفرَّجِ
قالوا: ومرَّت التي اتهموه بها، فأهوى لها يده فضربوه، فقال:
فإنْ تقتلوني تقتلوني وقد جرى لها عرقٌ فوقَ الفراشِ وماءُ
فشدوا وثاق العبد للقتل، فقال:
شدُّوا وثاقَ العبدِ لا يفلتكمُ إنَّ الحياةَ من المماتِ قريبُ
ولقدْ تحدَّرَ من جبينِ فتاتكمْ عرقٌ على ظهرِ الفراشِ وطيبُ
فقتل.
قالوا: وقد كان أنشد عمر بن الخطاب ﵁:
[ ٦٨ ]
عميرةَ ودِّع إن تجهَّزتَ غاديا كفى الشَّيبُ والإسلامُ للمرءِ ناهيا
فقال له عمر: لو قدَّمت الإسلام لأجزتك، فقال: والله ما سعرت. يريد: ما شعرت. وقال له أيضًا: لو كان شعرك كله هكذا لأحسنت جائزتك، فلما بلغ قوله:
وبتنا وسادانا إلى علجانةٍ وحقفٍ تهاداهُ الرِّياحُ تهاديا
قال: إنك مقتول، فقتل.