يشتمل على أمثلة من هذه الأبواب الأربعة أفردنا أحكامها والقول فيها ليأنس الناظر بما يتقدم قبلها من ذكر ما مضى.
اعلم أن افتعل من باب ما اعتل فاؤه يجيء مدغمًا وهو الوجه المختار، وذلك كقولك: اتَّعد، واتَّهب، واتَّزن، واتَّأس، واتَّبس، ومعنى اتَّهب: قبل الهبة وكذلك اتَّعد معناه: التزم العدة وقبلها، وكذلك اتَّزن معناه: قبل الوزن، واتَّأس من اليأس، واتَّبس من اليبس، والأصل فيها: اوتعد، واوتزن، واوتهب، وايتأس، وايتبس، فأبدل من الواو والياء تاء ثم أدغم الأولى في الثانية، ولو تركوهما على أصلهما لتبعا ما قبلهما، ومن العرب من يتركه على الأصل، وإنما صلح الإدغام بين الواو والتاء لتقارب الحرفين وتناسبهما في كونهما من حروف الزوائد والإبدال، ألا ترى أن تقول: تخمة، والأصل: وُخمة، وتُكأة والأصل: وِكأة، وتقول: تقي يتَّقي، والأصل: وقى يقي، وتقول: اتكأته، والأصل: أوكأته، وإنهما في مخرجهما يتقاربان، ألا ترى أن التاء من طرف اللسان، وطرف الثنية الأعلى وأنه لا منبع للحرف بعد إلاّ الشفة التي منها الواو، فلما تناسبتا من هذه الوجوه طلب فيهما الإدغام لاجتماعهما.
[ ٦ ]
واسم الفاعل والمصدر يبنيان على الفعل، فتقول: متَّعد، ومتَّزن، وبينهما اتِّعاد واتِّزان، ومتى كان الفعل متعديًا كان اسم المفعول على ذلك أيضًا، إلاّ أنه ينفصل عن الفاعل بانفتاح الهاء فيه، فتقول: هو متَّهب له، لما صلح أن يقول: اتَّهبته.
واعلم أن اسم المكان والمصدر اللذين يكونان بزيادة الميم يكونان في هذا الباب على مفعِل نحو: موعد، ومودِق، وموزِن، ومورد، وموضِع، إلاّ أحرفًا شذت: كموهَب اسم رجل بفتح الهاء، وإنما هو مصدر وهب، ويدل على أن الأصل فيه مفعِل بكسر العين قولك: موهِبة الله حسنة، وموحَد، إذا قلت: جاء القوم موحَد موحَد، كما تقول: جاء القوم أُحادَ أُحادَ، وموكَل اسم موضع، وكان القياس فيه أن يقال: موحِد، وموهِب، وموكِل.
فأما ما اعتل عينه، فالمصدر على مفعَل، مفتوح العين، ويعتل كما اعتل فعله نحو: المقال، والمزار، والمقام، والمرام، وإن جمعت صحت الواو لبعد الجمع من الواحد وكونها في موضع الحركة، تقول: مقاوم، هذا في بنات الواو، لأنه كله يفعُل بضم العين، وفي بنات الياء جاء في المصدر مفعَل بفتح العين، وهو القياس نحو: المعاش، وجاء فيه مفعِل بالكسر أيضًا نحو: المحِيض، والقياس في مفعِل في مثله أن يكون اسم المكان لأنه جاء كله على يفعِل بكسر العين، وأما ما اعتل لامه، فمفعَل منه مفتوح اسمًا كان أو مصدرًا، نحو: المغزى، والمدعى، والمرعى، والمرسى، والمجرى.
واعلم أن اسم المفعول، واسم الفاعل من الأول يصحان كواهِب، وموهوب، وواعد، وموعود، وإن بنيت أفعَل كأوعَد، وأورق، وأورث، فإنه يثبت الواو، وكذلك في اسم الفاعل، والمفعول، تقول: موعِد، للفاعل، وموعَد، للمفعول، ومصدره يكون على إفعال، كإيْعاد، وإيْراق، تنقلب الواو ياء لانكسار ما قبله، وعلى هذا انقلابه في مثل: مِيعاد، ومِيزان، ولو بنيت منه استفعل لصح الواو أيضًا، تقول: استوهب، وفي المصدر ينقلب أيضًا لانكسار ما قبله، تقول: اسْتيهاب، واسْتيراق، في مصدر استورق، فاعلمه، وقس ما لم نذكره على ما ذكرناه.
وأما ما اعتل عينه كقال، ونام، ودام، فإنه يعتل في: أفعل، وافتعل، واستفعل، وانفعل، وما أشبهه بانقلاب عينه، تقول: أقالَ يُقيل، واقتالَ يقتال، واستقال يستقيل، وانقاد ينقاد، وانقلاب العين في هذه المواضع إما أن يكون لتحركه وانفتاح ما قبله، ألا ترى أن اختار أصله اخْتير، واقتالَ أصله اقْتول، وانقاد أصله انْقود، وإما أن يكون لإلقاء حركة العين على ما قبله، ألا ترى أن أقال أصله أقول، وأن استقاد أصله استقود، واستقال أصله استقول، واستمال أصله استميل.
واسم الفاعل والمفعول يعتل في الكل، تقول: هو مَقيل، والمفعول: مُقال، ومستقيل، ومستقال، وهو مختار، والشيء مختار، يكون للمفعول على وزنه للفاعل، وهو منقاد، والعلة في انقلاب العينات في هذه المواضع على ما تقدم.
وإن بنيت لما لم يسم فاعله قلت: اخْتير، واعْتيد، وابتيع، فعل به على ما فعل في قيل، وسير به، وفي هذا من اللغات مثل ما قيل في قيل، وبيع، فاعلمه.
وقد جاءت أحرف صحيحة في هذا الباب كأغيلت المرأة، واحولَّ، وهي أحرف قليلة أرادوا في تصحيحها التنبيه على ما اطّرد في الباب من الاعتلال، والمرجع في جميعه إلى السماع، فأما: اجْتوروا، فإنما صحيح لما كان في معنى تجاوروا، فكما صح الواو في تجاوروا صح ههنا، وهذا كما قالوا: حوِلَ، وعوِرَ، لما كان في معنى: احولَّ، واعورَّ، وكل هذا يجري مجرى الشذوذ، وكذا قوله تعالى:) اسْتحوذ عليهم الشيطان (هو مما خرج من الباب المطرد لينتهوا به على أصل الباب، وهذا عادتهم في جميع أبواب الإعراب أن ينبهوا على الأصول المرفوضة بأحرف يسيرة.
فأما مصدر ما انقلب لنقل الحركة إلى ما قبله كأعاد، وأقال، واستقال، واستعاد، فإنه يزاد فيه الهاء، تقول: استقالة، واستعاذة، وإقالة، وإعادة.
وقال النحويون: زيادة الهاء هنا بدل من نقل حركة العين إلى الفاء، وقد تحذف الهاء في بعضها، وذلك كقوله تعالى:) وإقامَ الصلاة وإيتاء الزكاة (.
[ ٧ ]
واعلم أن مثل معيشة، ومصيبة، فالياء فيهما في موضع الحركة، لأنها من الفعل مفعُلة، ومفعِلة لكن الكسرة استثقلت فيها فنقلت إلى ما قبلها حملًا على الفعل لكونهما مصدرًا واسم فاعل، والقياس في جمعها تصحيح حرف العلة، وترك الإبدال منه، إذ كان يهمز في الجمع ما كان مدةً في الواحد لا عينًا، نحو: عجوز وعجائز، وصحيفة وصحائف، ورسالة ورسائل، فتكون معايش جمع معيشة، ومصاوب جمع مصيبة، فأما قولهم: مصائب فمما شذ عن القياس، وإن كثر في الاستعمال، كأنهم توهموها فعيلة.
واعلم أن فاعل في هذا الباب، وتفاعل، وتفعَّل، وفعَّل، وافعلَّ، وافعالَّ، ومصادرها، كلها تصح لانفتاح حرف العلة فيها وسكون ما قبلها.
واعلم أن الواو تنقلب إلى الياء في هذا الباب كثيرًا، فمن ذلك: حلَت حِيالًا، وصامت صيامًا، والأصل: صوامًا، وحوالًا، لكنه لما انكسر ما قبل الواو، واعتل الفعل، تبعه المصدر في الاعتلال، ولو سلم الفعل لسلم المصدر أيضًا، ألا ترى أنك تقول: جاورته جِوارًا، ولاوذته لواذًا، ومما قلب: سوط وسياط، لما سكن الواو في الواحد وضعف، وقع بعده في الجمع ألف قريبة من الطرف، قلبت ياء لانكسار ما قبله، ولو تحرك الواو في الواحد، كطويل وطوال ولم يكن بعد ألف في الجمع كعود وعِوَدة لسلم.
وإذا انقلبت الواو في الواحدة انقلبت في الجمع نحو: ديمة وديَم، ومثل هذا في القرب والبعد: سيايد في جمع سيّد، ودياوير في جمع دَيَّار، ومثله ما تبع الواحد في الاعتلال: صائم وصيَّم، وقائم وقيَّم، وهذا لقربه من الطرف، ألا ترى أنه لو بعد لصح، ونحو: قوَّام وصوَّام، وإذا اجتمع واو وياء فأيهما سبق الآخر بالسكون يقلب بالواو ياء، ثم يدغم الأول في الثاني، على ذلك: سيِّد وهيِّن، وديَّار، وقيَّام، وكيَّة، وليَّة، ومرميّ، ومقضيّ، فاعلمه.
فإن قيل: فلم قلت: تغازيت، وتعاطيت، ومستقبله لا ينكسر عينه، قلت: هذا مبني على عاطى، وغازى، لأن التاء دخل عليهما فاستمرا على ما كان، ومثل هذا حملهم مستقبل شقيَ، ورضيَ، على الماضي في القلب إلى الياء فقالوا: هما يرضيان، ويشقيان، لما قالوا: رضيت، وشقيت، فتقدير: صلَّى يصلِّي، فعَّل يفعِّل، والأصل: يصلي، وكذلك أعطى يعطي، وقد تقدم القول في أن أفعل الأصل في مستقبله أن يجيء: يُأفعِل، على زنة: دحرج يدحرج، فكما يقال: يدحرج، يجب أن يقال: يُأفعِل، والماضي من هذه الأبنية التي ذكرناها انقلب آخره لتحركه وانفتاح ما قبله، كما مثلت في: أعطى، وصلَّى.
فما الفعل من الحوَّة والقوَّة، فحوي وقوي، يصح الأول من حرفي العلة فيه لئلا يتوالى إعلالان، فتختل الكلمة، وعلى ذلك تقول في الحوَّة: احْواوى يحْواوي احْويواء، هكذا حكاه الأصمعي، وذهب النحويون في مصدره إلى أنه يقال: احْوياء، ولأن الواو والياء إذا اجتمعا فأيهما سبق الآخر بالسكون يقلب الواو ياء ويدغم الأول في الثاني، وقياس ما حكاه الأصمعي أنه صحح المصدر لصحة الفعل، وقد يتفق في هذا الباب موافقة فعل الواحدة من المؤنث فعل الجمع منها في اللفظ، تقول: أنتِ تصلِّين، وهو من الفعل تفعِّلين، كان الأصل: تصليين، فاستثقلت الكسرة في الياء وقبلها كسرة فأسكنوها، فالتقى ساكنان فحذفت الياء الأولى لالتقائهما فصار تصلين، والياء في تصلين ضمير الفاعل، والنون علامة الرفع، وتقول في الجمع: أنتن تصلِّين، هذا من الفعل: تفعّلن، وهو على أصله، فالياء لام الفعل، والنون ضمير الفاعلات، فاعتبر كل ما وافق لفظ الواحدة فيه لفظ الجمع بهذا، وقدَّره بالصحيح، فاعلمه.
واعلم أنه لا يكون اسم آخره واو وما قبله مضموم، ولهذا قلبوا: أدْلٍ، وأحقٍ، وهما جمع: دلوٍ، وحقوٍ، بلى، قد جاء في الأفعال نحو: يغزو، ويدنو، وهذا كاستثقالهم الواوين في الجمع وقلبهم لها ياء نحو: عصيّ، وجثيّ، ويدل على استثقالهم لمكان الجمع أنه لو كانتا في الواحد لصحتا، وذلك كقولهم: عتا عتوًّا، ومن العرب من يقلب في المصدر أيضًا، على ذلك قوله تعالى:) أيهم أشدُّ على الرَّحمن عتيَّا (.
[ ٨ ]
واعلم أن الواو والياء إذا كان جاريًا في إعراب، وقبلهما ألف ثالثة فصاعدًا، أبدل منها همزة، نحو: غذاء، وسقاء، وبناء، وكساء، وهذا كانقلابهما إذا تحركتا وقبلهما فتحة، ولم يمنع مانع من القلب، فإن لم يكونا حرفي إعراب أصلًا وفرعًا، أو كانت الألف ثابتة لم يقلبا نحو: شقاوة، ونهاية، وراي، وآي، جمع رآية وآية.
والعام أن ما اعتل فاؤه ولامه، فإن البناء بالزيادة منه يصح فيه الأول، تقول: أوكاه يوكيه إذا شده، فصح فاء الفعل كما ترى، وعلى هذا إذا بنيت استفعل، تقول: استوكى، وتفعَّل: كتوقَّى، وتفاعل: كتواقى، وتواصى القوم، وقياس الآخر في الكل كقايس ما اعتل لامه، بلى قد يتفق فيه الإعلال بالإدغام، وذلك كقولك: اتَّقى، افتعل من وقى، والأصل: أُوْتَقى، فأبدلت من الواو ثم أدغمته في الثانية.
فإذا بنيت فعِل مما اعتل لامه كرضي، وصلي، فإنك في اتصال المضمر به تقول: رضُوا فتضمر عين الفعل، وصلوا بالأمر، وكذلك في بنات الياء تقول: حيُوا حياة طيبة، ولو بنيت منه فعلوا بفتح العين لفتحت عين الفعل في اتصال ضمير الغائبين به، تقول: دعَوا، ورمَوا، وإنما كان كذلك لأن الأصل في صلوا صليُوا، وفي بقوا بقيوا، فاستثقلت الضمة في الياء وقبلها كسرة فنزعوها، فاجتمع ساكنان الياء وواو الضمير، فحذفت الياء ثم ضمت اللام والقاف لمجاورتهما لواو الضمير، والأصل في دعَوا ورمَوا: دعووا ورميوا، فقلبت الياء والواو لتحركهما وانفتاح ما قبلهما، فالتقى ساكنان: الألف وواو الضمير، فحذفت الألف وبقيت الفتحة في الميم والعين ليكون دلالة على الألف الساقطة، فلا يلتبس باب فعِلوا بباب فعَلوا، فاعلمه.
ويستوي بنات الياء والواو إذا جاوزت الثلاثة، لأن الواو ينقلب ياء في المستقبل البتَّةَ، فجعل الماضي على الياء أيضًا، على ذلك اغْزَيتُ واسْتَغْزَيْتُ، وتَغَازَيْنَا، وإن كان من الغَزْو، فاعلمه.