يا صاحبيَّ قفا عليَّ سويعةٍ كيما نلمَّ بقصرِ عبدِ القادرِ
عوجا معي لله درُّ أبيكُما نشفِ القلوبَ من الجوى المتخامرِ
أمَّا النزولُ فيائسٌ أنْ تفعلا لا تبخَلا عنِّي بموقفِ ناظرِ
كفَّا الملامَ ولاتَ حينَ ملامةٍ هذا أوانُ ترافدٍ وتناصرِ
أو فاصرِما حبلَ المودةِ بيننا هذا الطريقُ لمنجدٍ أو غائرِ
فتواقفا متشتِّتينَ هواهُما من مسعديَّ بالوفاءِ وغادرِ
فانقادَ لي هذا فأبصرَ رشدهُ وانحازَ ذاكَ إلى الطريقِ الجائرِ
لمَّا بدا وادي النُّويرةَ دوننا نرمي الفجاجَ بعنتريسٍ ضامرِ
رفعَ العقيرَةَ بالغناءِ فشاقني رجعٌ كحدرِ اللؤلؤِ المتناثرِ
رهبانُ مدينَ لو رأوْكِ تنازلوا والعصمِ من شغفِ العقول الفادرِ
فاغرورقتْ عينُ الفتى فزجرتهُ نهنهْ دموعكَ فارعوى للزاجرِ
حتّى إذا أرخى الظلامُ ستورهُ وتزاورَ العيّوقُ أيَّ تزاورِ
وتصوّبتْ أيدي النجومِ فغوَّرتْ وغوائرٌ منها أمامَ غوائرِ
عجنا بقصرِ بني شعيبٍ بعدَما سئمَ الخليطُ ونامَ كلُّ مسامرِ
ورمى الكرَى في الحارسينِ فهوَّموا من بعد ما بقيا بليل ساهرِ
قالَ ابنُ عمِّي ما ترى قلتُ اتئدْ ليس الجهولُ بخطِّةٍ كالخابرِ
اعقلْ قلوصًا جانبا لا ترعَها واقرنْ وظيفَ ذراعِها بالآخرِ
أمَّا الجوادُ فلم يبرحْ مكانتهُ بتقدِّمٍ منه ولا بتأخّرِ
عوّذتهُ فيما أزورُ حبائِبي إهمالهُ وكذاكَ كلُّ مخاطرِ
وإذا احتبَى قربوسهُ بعنانهِ علكَ الشَّكيمُ إلى انصرافِ الزَّائرِ
وعلمتُ أنَّ الأمرَ ليسَ دواؤهُ إلاّ الجسورُ ليسَ حينَ تجاسرِ
فخرجتُ أقدمُ صاحبي متوشِّحًا بحمائل الغصبِ الحسامِ الباترِ
أكزُ النيامَ ميامنا ومياسرا والقومُ نصبُ ميامنِي ومياسِري
ما راعني إلاّ نبيذُ وصيفةٍ بالسُّورِ تنبذُ بالحصى المتواترِ
مأمورةٍ لم تعدُ ما أُمرتْ به سقيًا لمأمورٍ هناكَ وآمرِ
وأبهنَ فاستشرفنَ لي من بينِ مسدلةِ النقابِ وحاسرِ
أشرفنَ إشرافَ الظِّباءِ تشايمتْ برقًا تبوَّجَ في حبِيٍّ ماطرِ
بملاحفٍ مصقولةٍ قد وصِّلتْ ومآزرٍ عقَّدْنها بمآزرِ
تسعٌ حُشدنَ لعاشرٍ يُصعدنهُ يا ربِّ سلّمْ شخصهُ من عاشرِ
فسدلنَ أسبابًا إليَّ ضعيفةً إمَّا وهتْ لم يلقَ لي من عاذرِ
فشددتُها في رسغِ أروعَ ماجدٍ ماضٍ على الأهوالِ غير مؤامرِ
وطليحهنَّ وساوسٌ قد قطَّعتْ قلبي مخافةَ نبأةٍ من سائرِ
فمطوتُ منكبَ صاحبي فأنافَ بي وجذبنَ بالأسبابِ بعدَ تشاورِ
فصبرنَ للأمرِ الذي حاولنهُ حتَّى ظفرنَ وبتنَ غيرَ صوابرِ
فلئنْ دخلتُ القصرَ مدخلَ فاتكٍ ما كنتُ في سترِ الحجالِ بفاجرِ
أمَّا الإزارُ وحوزهُ فمحرَّمٌ وليَ الوشاحُ وما خلا من ماطرِ
والشَّمُّ والتقبيلُ كانَ محلَّلًا واللَّمسُ إلاّ عن كثيبٍ مائرِ
[ ٤٥ ]
ما ذاكَ إلاّ أنَّني متكرِّمٌ حرُّ الأرومةِ بتُّ بينَ حرائرِ
بينَ الرَّبابِ وبينَ أترابٍ لها بيضٍ غذاهنَّ النعيمُ عباهرِ
فتقاصرَ الليلُ الطويلُ ولم يكنْ من قبلُ ذاكَ عليَّ بالمتقاصرِ
هطلتْ علينا بالسُّرورِ سماؤهُ وجرتْ كواكبهُ بأسعدَ طائرِ
لمَّا بدا ضوءُ الصباحِ مبشِّرًا أولاهُ أردافَ الدُّجى بأواخرِ
قالتْ ودمعُ العينِ يغسلُ كحلَها نفسي الفداءُ دنا الصباحُ فبادرِ
فخرجتُ في خمسٍ كواعبَ زرنَها ذاتَ العشاءِ خروجَ قدحِ الياسرِ
ما إنْ نمرُّ بحارسٍ إلاّ زوى عنَّا عرامةَ طرفهِ المتخازرِ
فمضينَ بي وقلوبهنَّ رواجفٌ يخفقنَ بينَ حشا وبينَ حناجرِ
لمَّا وقفنَ بالثَّنيَّة لم يكنْ إلاّ وداعُ مسلِّمٍ أو سائرِ
وإذا البلادُ بلاقعٌ من صاحبي لمحَ الصَّباحُ له لضوءٍ ناصرِ
هزمتْ عساكرُهُ دجى ظلمائها والليلُ منهزمٌ بغيرِ عساكرِ
خلَّفتهُ وفؤادهُ حذرَ العدى في مثلِ خافيةِ العقابِ الطَّائرِ
وإذا الجوادُ بموقفٍ أحرزتهُ لمَّا تحقَّقَ فيه قولُ الشاعرِ
قد ملَّ من علكِ الشَّكيمِ كأنَّه ناجٍ بصحراءِ المَعَى فقُراقرِ
قرَّبتهُ ثم استحلْتُ بمتنهِ وانقضَّ يهوي كالعقابِ الكاسرِ
فناقضه عبد القادر فقال:
يا قصرَ مسلمةَ الذي أهدَى لنا حورَ الظِّباءِ سُقيتَ صوبَ الماطرِ
قد كانَ يبلغُني فصرتُ مكذِّبًا عن حسنِ أهلكِ في الزَّمانِ الغابرِ
حتَّى رأيتُ الشمسَ أشرقَ نورُها في ريطةٍ مصقولةٍ وقراقرِ
ورأيتُ غزلانَ الخدورِ سوافرًا يبسمنَ عن كالأقحوانِ الزَّاهرِ
في مجلسٍ هطلتْ سماءُ سرورهِ دررًا تساقطُ من مِفنٍّ ماهرِ
فجنيتُ من ثمر الصَّبابةِ والهوى وخبطتُ من ورقِ النَّعيمِ النَّاضرِ
وظللنَ يرمينَ القلوبَ بأسهمٍ سمَّتُ مشاقصها بطرفٍ فاترِ
وأصبنَ منِّي مقتلًا فقتلنني يا من رأى ليثًا قتيل جآذرِ
دعْ ذا ولكن هل سمعتَ مقالها والعينُ تسعدها بدمعٍ ماطرِ
في غفلةٍ من أهلها لِفتاتها ويلي غدًا إن سارَ عبدُ القادرِ
قال عمرو بن قعاس المرادي:
ألا يا بيتُ بالعلياء بيتُ ولولا حبُّ أهلكِ ما أتيتُ
ألا يا بيتُ أهلكِ أوعدوني كأنِّي كلَّ ذنبهمُ جنيتُ
ألا بكرَ العواذلُ واستميتُ وهل أنا خالدٌ إمَّا صحوتُ
إذا ما فاتني لحمٌ غريضٌ ضربتُ ذراعَ بكري فاشتويتُ
وكنتُ إذا أرى زقَّا مريضًا يناحُ على جنازتهِ بكيتُ
أرجِّلُ لمَّتي وأجرُّ ذيلي وتحمل بزَّتي أفقٌ كميتُ
أمشِّي في ديار بني غطيفٍ إذا ما سامني ضيمٌ أبيتُ
وسوداءِ المحاجرِ إلفَ صخرٍ تلاحظني التَّطلُّعَ قد رميت
وغصنٍ ليِّنٍ غضرٍ رطيبٍ هصرتُ إليَّ منه فاجتنيتُ
وماءٍ ليسَ من عدٍّ رواءٍ ولا ماءِ السَّماء قد استقيتُ
وتامورٍ هرقتُ وليس خمرًا وحبَّةِ غيرِ طاحنةٍ فليتُ
ولحمٍ لم يذقهُ الناسُ قبلي أكلتُ على خلاءٍ وانتقيتُ
وبركٍ قد أثرتُ بمشرفيٍّ إذا ما زلَّ عن عقرٍ رميتُ
وصادرةٍ معًا والوِردُ شتَّى على أدبارها أُصلًا حدوتُ
وعاديةٍ لها ذنبٌ طويلٌ رددتُ بمضغةٍ مما اشتهيتُ
ونارٍ أوقدت من غيرِ زندٍ أثرتُ جحيمها ثم اصطليتُ
أثبِّتُ باطلي فيكونُ حقًّا وحقًّا غيرَ دي شبهٍ لويتُ
فلم أدبرْ على الأدنينِ إنّي نماني الأكرمونَ وما نميتُ
متى ما يأتني أجلي يجدني شبعتُ من اللَّذاذةِ واشتفيتُ
وقال عروة بن حزام العذري:
ألا يا غرابيْ دمنةِ الدارِ بيّنا أبا الصِّرمِ من أسماءَ تنتجيانِ
فإنْ كانَ حقًّا ما تقولانِ فانهضا بجسمي إلى وكريكما فكلاني
ولا يدرينَّ الناسُ ما كان ميتني ولا يأكلنَّ الطَّيرُ ما تذرانِ
[ ٤٦ ]
فإن تكشفا عنِّي القميصَ تبيَّنا بيَ السُّقمَ من عفراءَ ما تذرانِ
إذًا تجدا لحمًا قليلًا وأعظمًا بلينَ وقلبًا دائمَ الخفقانِ
فعفراءُ أصفى الناس عندي مودَّةً وعفراءُ عنِّي المعرضُ المتواني
على كبدي من حبِّ عفراءَ وقرةٌ وعينايَ من وجدٍ بها تكفانِ
سجومًا وتذرافًا وسحًّا وديمةً وسكبًا وإخضالا وتبتدرانِ
كأنَّهما وهيانِ في مستشنَّةٍ تسدَّانِ أحيانًا وتنفجرانِ
فأقسمُ لولا حبُّ عفراءَ ما التقى عليَّ رواقا بيتكِ الخلقانِ
ولا حملتْ عنسي بأغبرَ طامسٍ ولا وكلتْ عيناي بالهملانِ
فويلي على عفراءَ ويلًا كأنَّهُ على الصَّدرِ والأحشاءِ حدُّ سنانِ
أعفراءُ كمن من ميتةٍ قد أمتِّني وحزنٍ ألحَّ العينَ بالهملانِ
لقد تركتْ عفراءُ قلبي كأنَّهُ جناحُ عقابٍ دائمُ الطَّيرانِ
فيا ليتنا نحيا جميعًا وليتنا إذا نحنُ متنا ضمَّنا كفنانِ
ويا ليتنا عفراءُ منن غيرِ ريبةٍ بعيرانِ نرعى القفرَ مؤتلفانِ
هوى ناقتي خلفي وقدَّاميَ الهوى وإنِّي وإيَّاها لمختلفانِ
فإنْ تحملي شوقي وشوقكِ تظلعي وما ليَ بالحملِ الثقيلِ يدانِ
ألا ليتَ عمِّي يومَ فرَّقَ بيننا سقي السُّمَّ ممزوجًا بشثِّ يمانِ
فيا عمِّ لا بلَّتكَ من ذي قرابةٍ بلالٌ وزلَّتْ تحتكَ القدمانِ
وذاكَ بما فرَّقتَ بيني وبينها ونحن بنيَّا العمِّ مؤتلفانِ
يكلِّفني عفراءُ ستينَ بكرةً وما ليَ يا عفراءُ غيرُ ثمانِ
يكلِّفني عفراءُ ما ليسَ لي به ولا بالجبالِ الراسياتِ يدانِ
فواللهِ ما حدَّثتُ سرَّكِ صاحبًا نصيحًا ولا فاهتْ به الشَّفتانِ
سوى أنَّني قد قلتُ يومًا لصاحبي ضحى وقلوصانا بنا تخدانِ
ألا حبَّذا من حبِّ عفراءَ ملتقى نعامٍ وبركٍ حيثُ يلتقيانِ
جعلتُ لعرَّافِ اليمامةِ حكمهُ وعرَّافِ نجدٍ إن هما شفياني
فقالا نعمْ نشفي من الدَّاء كلِّهِ وقاما مع العوَّادِ يبتدرانِ
وما تركا من رقيةٍ يعلمانها ولا سلوةٍ إلاّ بها رقياني
فقالا شفاكَ اللهُ واللهِ ما لنا بما ضمِّنتْ منكَ الضُّلوعِ يدانِ
كأنَّ قطاةً علِّقتْ بجناحها على كبدي من شدَّةِ الخفقانِ
وقال حسان بن ثابت:
أسألتَ رسمَ الدَّارِ أم لم تسألِ بينَ الجوابي فالبضيعِ فحوملِ
فالمرجِ مرجِ الصُّفَّرينِ فجاسمٍ فديارِ تبنى درَّسًا لم تحللِ
دارٌ لقومٍ قد أراهم مرَّةً فوقَ الأعزَّةِ عزُّهم لم ينقلِ
للهِ درُّ عصابةٍ نادمتهمْ يومًا بجلَّقَ في الزَّمانِ الأولِ
أولادُ جفنةَ حولَ قبرِ أبيهمِ قبر ابن ماريةَ الكريمِ المفضلِ
يسقونَ من وردَ البريصَ عليهم بردى يصفِّقُ بالرّحيقِ السَّلسلِ
يسْقونَ درْياقَ المدامِ ولم تكنْ تعدو ولائدهمْ لنقفِ الحنظلِ
يغشونَ حتَّى ما تهرُّ كلابهمْ لا يسألونَ عن السَّوادِ المقبلِ
بيضُ الوجوهِ كريمةٌ أحسابهمْ شمُّ الأنوفِ من الطِّراز الأولِ
فلبثتُ أيَّامًا طوالا فيهمُ ثم ادَّكرتُ كأنني لم أفعلِ
إمَّا تريْ رأسي تغيَّر رأسي تغيَّر لونهُ شمطًا وأصبحَ كالثَّغامِ الممحلِ
فلقد يراني الموعديُّ كأنَّني في قصرِ دومةَ أو سواءِ الهيكلِ
ولقد شربتُ الخمرَ في حانوتها صهباءَ صافيةً كطعمِ الفلفلِ
يسعى عليَّ بكأسها متنطِّفٌ فيعلُّني منها ولو لم أنهلِ
إنَّ التي ناولتني فرددتها قُتلتْ قتلْتَ فهاتها لم تقتلِ
كلتاهما حلبُ العصير فعاطني بزجاجةٍ أرخاهما للمفصلِ
بزجاجةٍ وقصتْ بما في جوفها رقصَ القلوصِ براكبٍ مستعجلِ
نسبي أصيلٌ في الكرام ومذوَدي تكوي مواسمهُ جنوبَ المصطلي
وفتىً يحبُّ المجدَ يجعلُ مالهُ من دونِ والده وإن لم يسألِ
[ ٤٧ ]
ولقد تعمِّمنا العشيرةُ أمرها ويصيبُ قائلنا سواءَ المفصلِ
فتزورُ أبوابَ الملوكِ ركابنا ومتى نحكَّمُ في العشيرةِ نعدلِ
وقال الحارثي:
ألممْ بزينبَ جازَ منكَ بكورُ وغدًا يجدُّ بمن تحبُّ مسيرُ
كيفَ اللِّقاءُ ومنْ نحبُّ لقاءه متنجِّدٌ بكرًا وأنتَ تغورُ
كم حرَّةٍ ركدتْ عليَّ وزفرةٍ إذ قيلَ من تهوى غدًا سيسيرُ
سقيًا لمن ودَّعتهُ فكأنَّهُ مما يجنُّ من الفراقِ يهيرُ
إنّي غداةَ فراقهمْ إذ لم أمتْ كمدًا غداةَ فراقهمْ لصبورُ
فيا مرابيضَ حمَّ يومُ فراقكمْ فهلِ اللِّقاءُ لعاشقٍ مقدورُ
قالت وشخص دمعها من عينها وهوى يجيشُ به حشىً وضميرُ
إنَّ الذي قدرَ الفراقَ على الذي تهوى النفوسُ من اللقاءِ قديرُ
قد ينزحُ الألاَّفُ ثم تكرهمْ مررٌ ويعتقبُ الأمورَ أمورُ
فوجمتُ من أسفٍ وقلتُ لعلَّهُ وعلمتُ أنَّ مقالها تصبيرُ
ما ضرَّ أهلكِ لو ينوَّلُ عاشقٌ أولم يسهَّلْ أذنهُ فيزورُ
نفسوا القليلَ عليهِ منكِ وعندهُ لو نالهُ منكِ القليلُ كثيرُ
لا شيءَ أيسرُ من زيارةِ طارقٍ يهوى لقائكِ واللّقاءُ يسيرُ
نفسي معلَّقةٌ بذكركَ والحشا قلقٌ إليكِ إذا ذكرتِ يطيرُ
لا تنكري قلقي إليكِ وصبوتي إنَّ المحبَّ بما أتى معذورُ
لو شئتِ لانتعشَ المحبُّ بزورةٍ يحيى لهُ طرفٌ بها مسرورُ
ولقد بسطتُ يدي لبذلِ نوالكمْ إنَّ المحبَّ إلى الحبيبِ فقيرُ
ولقد ذكرتكِ والجحيمُ معرَّفٌ وجدًا بوجهكِ والمحبُّ ذكورُ
لولا الحياءُ وأن يقالَ شكا الهوى . . إلى من بهواك يجيرُ
لكن سترتكِ أن يشادَ بذكرنا وسترتُ نفسي والكريمُ ستورُ
قال العواذلُ قد كبرتَ عن الصِّبا صدقَ العواذلُ إنَّني لكبيرُ
إنْ يمسِ شيبٌ قد تفرَّعَ لمَّتي فالحبُّ مقتبلُ الشبابِ غديرُ
أبلى ويعقبه التَّقادمُ جِدَّةً إنَّ الهوي لمعمِّرٌ موفورُ
وقال مالك بن الريب يذكر غربته ومرضه ويرثي نفسه:
ألا ليتَ شعري هل أبيتنَّ ليلةً بجنبِ الغضى أزجي القلاصَ النَّواجيا
فليتَ الغضى لم يقطعِ الرَّكبُ عرضهُ وليتَ الغضى ماشى الرِّكابَ لياليا
أقولُ لزيدٍ وهو مثلي به جوى أرى الرأيَ منَّا أن نزورَ المعاويا
وكيفَ زيارٌ للمعاويّ بعدما وجدنا طبيبا دون ذاك مداويا
فباتَ يعلّلني بمن يسكنُ الغضى وإن لم يكنْ يا زيدُ إلاّ الأمانيا
أراني من حبِّ الغضى لاحقًا بهِ فيمسكهُ أهلي وراعيه ماليا
لقد كانَ في أهل الغضى لو دنا الغضى مزارٌ ولكنَّ الغضى ليسَ دانيا
خليليَّ من عليا ربيعةَ مازنٍ بسمنانَ هل يغنيكما ما غنانيا
حسبتُ الغضى يشفي الهيامَ فلم أجدْ شميمَ الغضى يشفي الهيام هياميا
وكنتُ حسبتُ الحنَّ قد مات فانقضى فقضَّيتُ عن حنِّ النّساءِ لياليا
فلمَّا هبطنا أرضَ عمرٍو من الغضى دماثِ الروابي والحقوقِ المخابيا
إذًا في الغضى يا سقيَ من يسكنُ الغضى شبيهةُ سوداءَ التي لستُ ناسيا
ألمْ ترني بعتُ الضَّلالةَ بالهدى وأصبحتُ في جيشِ ابنِ عفَّانَ غازيا
وأصبحتُ في أرضِ الأعاجمِ بعدما أرانيَ عن أرضِ الأعاجم قاصيا
دعاني الهوى من أهلِ أوْدَ وصحبتي بذي الطِّبسينِ فالتفتُّ ورائيا
أجبتُ الهوى لما دعاني بعبرةٍ تقنَّعتُ منها أن ألامَ ردائيا
أقولُ وقد حالتْ قرى الكردِ دوننا جزى الله عمرًا خيرَ ما كانَ جازيا
إنِ اللهُ يرجعني من الغزو لا أرى وإن قلَّ مالي طالبًا ما ورائيا
لعمري لئنْ غالتْ خراسان هامتي لقد كنتُ عن بابيْ خراسانَ نائيا
فلله درِّي يومَ أتركُ طائعا بنيَّ بأعلى الرَّقمتينِ وماليا
ودرُّ الظِّباءِ السَّانحاتِ عشيَّةً يخبِّرنَ أنّي هالكٌ من أماميا
[ ٤٨ ]
ودرُّ كبيريَّ اللَّذيْن كلاهما عليَّ شفيقٌ ناصحٌ لو نهانيا
ودرُّ الرِّجالِ الشَّاهدينَ تفتُّكي بأمريَ ألاَّ يقصروا من وثاقيا
ودرُّ الهوى من حيثُ يدعو صحابهُ ودرٌّ لحاجاتي ودرُّ انتهائيا
تذكرتُ من يبكي عليَّ فلم أجدْ سوى السيفِ والرُّمحِ الرُّدينيِّ باكيا
وأشقرَ محذوفٍ يجرُّ عنانهُ إلى الماءِ لم يتركْ لهُ الدَّهرَ ساقيا
يقوِّدهُ قومٌ وقد ماتَ ربُّهُ يباعُ بوكسٍ بعدَ ما كان غاليا
ولكن بأكنافِ السُّمينةِ نسوةٌ عزيزٌ عليهنَّ العشيَّةَ ما بيا
عجوزي وبنتايَ اللَّتانِ هما ليا وبنتٌ لأيوبٍ تبكِّي البواكيا
صريعٌ على أيدي الرِّجالِ بقفرةٍ يسوُّونَ خدِّي حيثُ حمَّ قضائيا
ولمَّا تراءتْ عندَ مروَ منيَّتي وخلَّ بها جسمي وحانتْ وفاتيا
أقولُ لأصحابي ارقبوني فإنَّني يقرُّ بعيني أنْ سهيلٌ بدا ليا
فيا صاحبيْ رحلي دنا الموتُ وانزلا برابيةٍ إنِّي مقيمٌ لياليا
أقيما عليَّ اليومَ أو بعضَ ليلةٍ ولا تُعجلاني قد تبيَّنَ شانيا
وقوما إذا ما استلَّ روحي وهيِّئا ليَ السِّدرَ والأكفانَ عند فنائيا
وخُطَّا بأطرافِ الرّماحِ مضجعي وردَّا على عينيَّ فضلَ ردائيا
ولا تحسداني باركَ اللهُ فيكُما من الأرضِ ذاتِ العرضِ أنْ توسعا ليا
خُذاني فجرَّاني ببُردي إليكما فقد كنتُ قبلَ اليومِ صعبًا قياديا
وقد كنتُ عطَّافًا إذا الخيلُ أدبرتْ سريعًا لدى الهيجا إلى ما دعانيا
وقد كنتُ محمودًا لذي الزَّادِ والقرى ثقيلًا على الأعداءِ عضبٌ لسانيا
وقد كنتُ صبَّارًا على القرنِ في الوغى وعن شتمي ابنَ الغمِّ والجارِ وانيا
فطوْرًا تراني في ظلالٍ ونعمةٍ ويومًا تراني والعتاقُ ركابيا
ويومًا تراني في رحًا مستديرةٍ تخرِّقُ أطرافَ الرِّماحِ ثيابيا
وقومًا على بئرِ السُّمينةِ أسمِعا بها الغرَّ والبيضَ الحسانَ الرَّوانيا
بأنَّكما خلَّفتماني بقفرةٍ تهيلُ عليَّ الرِّيحُ فيها السَّواقيا
ولا تنسيا عهدي خليليَّ بعدما تقطَّعُ أوصالي وتبلى عظاميا
ولنْ يعدمَ الوالونَ بثًَّا يصيبهمْ ولنْ يعدمَ الميراثَ منِّي المواليا
يقولونَ لا تبعدْ وهم يدفنونني وأينَ مكانُ البعدِ إلاّ مكانيا
غداةَ غدٍ يا لهفَ نفسي على غدٍ إذا أدلجوا عنِّي وأصبحتُ ثاويا
وأصبحَ مالي من طريفٍ وتالدٍ لغيري وكانَ المالُ بالأمسِ ماليا
أرجِّي شبابًا مُطرهمًَّا وصحةً وكيفَ رجاءُ الشَّيخِ ما ليسَ لاقيا
عينية لقيط بن يعمر الإيادي:
يا دارَ عمرةَ من محتلِّها الجرعا هاجتْ ليَ الهمَّ والأحزانَ والوجعا
تامتْ فؤادي بذاتِ الجزعِ خرعبةٌ مرَّت تريدُ بذاتِ العذبةِ البيعَا
بمقلَتي خاذلٍ أدماءَ طاعَ لها نبتُ الرِّياضِ تزجِّي وسطهُ ذرعَا
وواضحٍ أشنبِ الأنيابِ ذي أُشرٍ كالأقحوانِ إذا ما نورهُ لمعَا
جرَّتْ لما بيننا حبلَ الشُّموسِ فلا يأسًا مُبينا أرى منها ولا طمعَا
فما أزالُ على شحطٍ يؤرِّقني طيفٌ تعمَّدَ رحلي حيثُما وضعَا
إنِّي بعينيَ إذ أمَّتْ حمولهمُ بطنَ السَّلوطحِ لا ينظرنَ منْ تبعَا
طورًا أراهمْ وطورًا لا أبيِّنهمْ إذا تواضعَ خدرٌ ساعةَ لمعَا
بل أيُّها الرَّاكبُ المُزجي على عجلٍ نحوَ الجزيرةِ مرتادًا ومنتجعَا
أبلغْ إيادًا وخلِّلْ في سراتهمُ إنِّي أرى الرأيَ إنْ لم أُعصَ قد نصعَا
يا لهفَ نفسيَ إنْ كانتْ أموركمُ شتَّى وأُحكمَ أمرَ النَّاسِ فاجتمعَا
ألا تخافونَ قومًا لا أبالكمُ أمسَوا إليكم كأمثالِ الدَّبا سرعَا
أيناءُ قومٍ تآووكمْ على حنقٍ لا يشعرونَ أضرَّ اللهُ أمْ نفعَا
أحرارُ فارسَ أبناءُ الملوكِ لهمْ من الجموعِ جموع تزدهي القلعَا
[ ٤٩ ]
فهم سراعٌ إليكم بينَ ملتقطٍ شوكًا وآخرَ يجني الصَّابَ والسَّلعَا
لو أنَّ جمعهمُ راموا بهدَّتهِ شمَّ الشَّماريخِ من ثهلانَ لانْصدعَا
في كلِّ يومٍ يسنَّونَ الحرابَ لكمْ لا يهجعونَ إذا ما غافلٌ هجعَا
خزرٌ عيونُهم كأنَّ لحضهمُ حريقُ نارٍ ترى منهُ السَّنا قطعَا
لا الحرثُ يشغلهمْ بل لا يرونَ لهم من دون بيضتكمْ ريَّا ولا شبعَا
وأنتمْ تحرثونَ الأرضَ عن عرضٍ في كلِّ معتملٍ تبغونَ مزدرعَا
وتُلحقونَ حيالَ الشَّولِ آونةَ وتنتجونَ بذاتِ القلعةِ الرُّبعَا
وتلبسونَ ثيابَ الأمنِ ضاحيةَ لا تفزعونَ وهذا اللَّيثُ قد جمعَا
أنتمْ فريقانِ هذا لا يقومُ لهُ هصرُ اللّيوثِ وهذا هالكٌ صقعَا
وقد أظلَّكمُ من شطرِ ثغرِكم هولٌ ظلمٌ تغشاكمُ قطعَا
مالي أراكمْ نيامًا في بلهنيةٍ وقد ترونَ شهابَ الحربِ قد سطعَا
فاشفوا غليلي برأيٍ منكمُ حسنٍ يضحِ فؤادي له ريَّانَ قد نقعَا
ولا تكونوا كمنْ قد باتَ مكتنعًا إذ يقالُ له افرُجْ غمَّةً كنعَا
قوموا قيامًا على أمشاطِ أرجلكمْ ثم افزعوا قد ينالُ الأمرَ من فزعَا
صونوا خيولَكم واجْلوا سيوفكمُ وجدِّدوا للقسيِّ النَّبعَ والشَّرعَا
واشروا تلادكمُ في حرزِ أنفسكمْ وحرزِ نسوتكمْ لا تهلكوا هلعَا
ولا يدعُ بعضكمْ بعضًا لنائبةٍ كما تركتمْ بأعلى بيشةَ النَّخعَا
اذكوا العيونَ وراءَ السَّرحِ واحترسوا حتَّى ترى الخيلَ من تعدائها وجعَا
فإنْ غلبتمْ على ضنٍّ بداركمُ فقد لقيتُم بأمرِ حازمٍ فزعَا
لا تلهكمْ إبلٌ ليستْ لكم إبلٌ إنَّ العدوَّ بعظمٍ منكمُ فزعَا
هيهاتَ لا مالَ من زرعٍ ولا إبلٍ يرجى لغابركمْ إنْ أنفكم جُدعَا
لا تثمروا المالَ للأعداءِ إنَّهمُ إنْ يظفروا يحتووكمْ والتلادَ معَا
واللهِ ما انفكَّتِ الأموالُ مذْ أبدٍ لأهلها إنْ أُصيبوا مرةً تبعَا
يا قومُ إنَّ لكمْ من أرثِ أوَّلكمْ عزًّا قد أشفقتُ أن يودي فينقطعَا
وما يردُّ عليكمْ عزُّ أوَّلكمْ إنْ ضاعَ آخرهُ أو ذلَّ واتَّضعَا
ولا يغرَّنكمْ دنيا ولا طمعٌ أنْ تنعشوا بزماعٍ ذلك الطَّمعَا
يا قومُ بيضتكمْ لا تفجعنَّ بها إنِّي أخافُ عليها الأزلمَ الجدعَا
يا قومْ لا تأمنوا إن كنتمُ غيُرًا على نسائكمُ كسرى وما جمعَا
هو الجلاءُ الذي تبقى مذلَّتهُ إنْ طارَ طائركمْ يومًا وإنْ وقعَا
هو الفناءُ الذي يجتثُّ أصلكمُ فشمِّروا واستعدُّوا للحروبِ معَا
وقلِّدوا أمركُم لله درُّكمُ رحبَ الذِّراعِ بأمرِ الحربِ مضطلعَا
لا مترفًا إنْ رخاءُ العيشِ ساعدهُ ولا إذا عضَّ مكروهٌ به خشعَا
لا يطعمُ النَّومَ إلاَّ ريثَ يبعثهُ همٌّ يكادُ أذاهُ يحطمُ الضّلعَا
مسهَّدَ النَّوم تعنيه أموركمُ يؤمُّ منها إلى الأعداءِ مطَّلعَا
ما زالَ يجلبُ درَّ الدَّهرِ أشطرهُ يكونُ متَّبعًا يومًا ومتَّبعَا
وليسَ يشغلهُ مالٌ يثمِّرهُ عنكم ولا ولدٌ يبغي له الرِّفعَا
حتَّى استمرَّتْ على شزرٍ مريرتهُ مستحكم السِّنِّ لا قمحا ولا ضرعَا
كمالكِ بن قنانٍ أو كصاحبهِ زيدِ القنا يومَ لاقى الحارثينِ معَا
إذ عابهُ عائبٌ يومًا فقالَ لهُ دمِّثْ لنفسكَ قبلَ اليومِ مضطجعَا
فساورهُ فألفَوهُ أخا عللِ في الحربِ يختبلُ الرِّئبالَ والسَّبعَا
مستنجدًا يتحدَّى النَّاسَ كلّهمُ لو قارعَ النَّاسَ عن أحسابهم قرعَا
هذا كتابي إليكم والنَّذيرُ لكمْ فمن رأى مثلَ ذا رأيًا ومن سمعَا
لقد بذلتُ لكم نُصحي بلا دخلٍ فاستيقظوا إنَّ خيرَ القولِ ما نفعَا
وقالت الخنساء بنت عمرو ترثي أخاها صخرًا
أقذى بعينكِ أمْ بالعينِ عوَّارُ لا بلْ بكيتَ لمن أقوتْ لهُ الدَّارُ
[ ٥٠ ]
تبكي لصخرٍ هي العبرَى وقد عبرتْ ودونهُ من ترابِ الأرضِ أستارُ
كأنَّ عيني لذكراهُ إذا خطرتْ فيضٌ يسيلُ على الخدَّينِ مدرارُ
تبكي خناسُ على صخرٍ وحقَّ لها أودى بهِ الدَّهرُ إنَّ الدَّهرَ عثّارُ
في جوفِ رمسٍ مقيمًا قد تضمَّنه في قبرهِ مقمطرَّاتٌ وأحجارُ
يا صخرُ ورَّادُ ماءٍ لقد تناذرهُ أهلُ المواردِ ما في وردهِ عارُ
مشيَ السَّبنتى إلى هيجاءَ معضلةٍ لهُ سلاحانِ أنيابٌ وأظفارُ
مثلَ الرُّدينيّ لم تدنسْ شبيبتهُ كأنَّهُ تحتَ طيِّ البُردِ أسوارُ
جهمُ المحيَّا تضيءُ اللَّيلَ صورتهُ آباؤهُ من طوالِ السَّمكِ أحرارُ
رحبُ اليدينِ بفعلِ الخيرِ ذو فجرٍ ضخمُ الدَّسيعةِ بالخيراتِ أمَّارُ
جلدٌ مخيلٌ وهوبٌ بارعٌ يسرٌ وفي الحروبِ إذا لاقيتَ مسعارُ
حامي الحقيقةَ مهديُّ الطريقة ممحوضُ الخليقة نفَّاعٌ وضرَّارُ
حوَّاطُ قاصيةٍ قوَّالُ عاصيةٍ جزَّارُ قاصيةٍ للجيشِ جرَّارُ
فلتبكِ ناعيةٌ بالفجعِ داعيةٌ في يومِ واعيةٍ ما فيهِ إسرارُ
فعَّالُ ساميةٍ ورَّادُ طاميةٍ للمجدِ ناميةٍ تعنيهِ أسفارُ
حلوٌ حلاوتهُ فصلٌ مقالتهُ ماضٍ مريرتهُ في الهيجِ مغوارُ
فليبكِه مقترٌ وافى حريبتهُ دهرٌ وحالفهُ بؤسٌ وإقتارُ
أو رفقةٌ حارَ حاديهمْ بمظلمةٍ كأنَّ ظلمتَها في الطِّخيةِ القارُ
لم ترهْ جارةٌ يمشي بساحتِها لريبةٍ حينَ يُخلي بيتهُ الجارُ
ولا تراهُ لما في البيتِ يأكلهُ لكنَّه بارزٌ في الصُّبحِ مهمارُ
وإنَّ صخرًا لمولانا وسيِّدُنا وإنَّ صخرًا إذا نشْتو لنحَّارُ
وإنَّ صخرًا لتأتمُّ الهداةُ بهِ كأنَّهُ علمٌ في رأسهِ نارُ
فقلت لمَّا رأيتُ الدَّهرَ ليسَ له معاتبٌ دائبٌ يُسدي ونيّارُ
لقد نعى ابنُ نهيكٍ أخا ثقةٍ كانتْ ترجَّمُ عنهُ قبلُ أخبارُ
فبتُّ ساهرةً للنَّجمِ أرقبهُ حتَّى أتى دونَ غورِ النَّجمِ أستارُ
فما عجولٌ لذي بوٍّ تطيفُ به قد ساعدتَها على التَّحنانِ أظآرُ
أودى بهُ الدَّهرُ عنها فهيَ مزرمةٌ لها حنينانِ إصغارٌ وإكبارُ
ترتعُ ما غفلتْ حتَّى إذا ادَّكرتْ فإنَّما هي إقبالٌ وإدبارُ
يومًا بأوجعَ منِّي يومَ فارقَني صخرٌ وللدَّهرِ إحلاءٌ وإمرارُ
لا بدَّ من ميتةٍ في صرفِها غيرٌ والدَّهرُ في صرْفه حولٌ وأطوارُ
وقال قيس بن الخطيم:
أتعرفُ رسمًا كاطِّرادِ المذاهبِ لعمرةَ وحشًا غيرَ موقفِ راكبِ
ديارُ التي كادتْ ونحنُ على مِنى تحلُّ بنا لولا نجاءُ الرَّكائبِ
تبدَّتْ لنا كالشَّمسِ تحتَ غمامةٍ بدا حاجبٌ منها وضنَّتْ بحاجبِ
ولم أرَها إلاَّ ثلاثًا على مِنى وعهدي بها عذراءَ ذاتَ ذوائبِ
ومثلكِ قد أصبيتُ ليستْ بكنَّةٍ ولا جارةٍ ولا حليلةِ صاحبِ
دعوتُ بني عوفٍ لحقْنِ دمائهمْ فلما أبَوا سامحتُ في حربِ حاطبِ
وكنتُ أمرأ لا أبعثُ الحربَ ظالمًا فلمَّا أبَوا أشعلتُها كلَّ جانبِ
أربتُ بدفعِ الحربِ حتَّى رأيتُها عد الدفعِ لا تزدادُ غيرَ تقاربِ
فإذْ لم يكنْ من غايةِ الموتِ مدفعٌ فأهلًا بها إذا لم تزلْ في المراحبِ
فلمَّا رأيتُ الحربَ حربًا تجرَّدتْ لبستُ مع البردينِ ثوبَ المحاربِ
مضاعفةً يغشى الأناملَ فضلُها كأنَّ قتيريْها عيونُ الجنادبِ
أتتْ عصبٌ مِ الكاهنينِ ومالكٍ وثعلبةَ الأثرينَ رهطِ ابنِ غالبِ
رجالٌ متى يدعوا إلى الرَّوعِ يُرقلوا إليهِ كإرقالِ الجِمالِ المصاعبِ
إذا فزعوا مدُّوا إلى الرَّوعِ صارخًا كموجِ الآتيِّ المزبدِ المتراكبِ
ترى قصدَ المرَّانِ تهوي كأنَّها تذرُّعُ خرصانٍ بأيدي الشَّواطبِ
صحبْنا بها الآطامَ حولَ مزاحمٍ قوانسُ أُولى بيضِنا كالكوكبِ
[ ٥١ ]
لوَ انَّكَ تُلقي حنظلًا فوقَ بيضِنا تدحرجَ عن ذي سامهِ المتقاربِ
إذا ما فررْنا كانَ أسْوا فرارنا صدودُ الخدودِ وازورارَ المناكبِ
إذا قصرتْ أسيافَنا كانَ وصلُها خُطانا إلى أعدائنا بالتَّقاربِ
أُجالدهمْ يومَ الحديقةِ حاسرًا كأنَّ يدِي بالسَّيفِ مخراقُ لاعبِ
ويومَ بعاثٍ أسلمتْنا سيوفُنا إلى نسبٍ في جذمِ غسَّانَ ثاقبِ
يعرِّينَ بيضًا حين نلقى عدوَّنا ويغمدنَ حمرًا ناحلاتِ المضاربِ
أطاعتْ بنا بنو عوفٍ أميرًا نهاهمُ عن السِّلمِ حتَّى كانَ أوَّلَ واجبِ
عجبتُ لعوفٍ إذ تقولُ نساؤهمْ ويرمينَ دفعًا ليتَنا لم نحاربِ
صحبناهمُ شهباءَ يبرقُ بيضُها تبينُ خلاخيلَ النِّساءِ الهواربِ
أصابتْ سراةً مِ الأغرِّ سيوفُنا وغودرَ أولادُ الإماءِ الحواطبِ
ومنَّا الذي آلى ثلاثينَ ليلةً عن الخمرِ حتَّى زاركمْ بالكتائبِ
رضيتُ لهم ألاّ يريمونَ قعرَها إلى عازبِ الأموالِ إلاَّ بصاحبِ
فلولا ذُرى الآطامِ قد تعلمونهُ وتركُ الفضا شوركتمُ في الكواعبِ
فلا تمنعوا منَّا مكانًا نريدهُ لكم محرزًا إلاَّ ظهورَ المشاربِ
فهلاَّ لدى الحربِ العوانِ صبرتمُ لوقعتِنا والبأسُ صعبُ المراكبِ
ظآرناكمُ بالبيضِ حتَّى لأنتمُ أذلُّ من السُّقبانِ بينَ الحلائبِ
ولمَّا هبطنا الحرثَ قالَ أميرُنا حرامٌ علينا الخمرُ ما لمْ نضاربِ
فسامحهُ منَّا رجالٌ أعزَّةٌ فما برحوا حتَّى أُحلَّت لشاربِ
فليتَ سويدًا راءَ منْ خرَّ منكمُ ومنْ فرَّ إذ يحدونهمْ كالجلائبِ
فأبْنا إلى أبنائنا ونسائنا وما منْ تركنا في بعاثٍ بآئبِ
وغيِّبتْ عن يومٍ كفتْني عشيرتي ويوم بعاثٍ كانَ يومَ التَّغالبِ
وقال أيضًا:
ردَّ الخليطُ الجِمالَ وانصرفوا ماذا عليهم لو أنَّهم وقفوا
لو وقفوا ساعةً نسائلهمْ ريثَ يضحِّي جمالهُ السَّلفُ
فيهمْ لعوبُ العشاءِ آنسةُ ال دَّلِّ عروبٌ يسوؤها الخلفُ
بينَ شكولِ النِّساءِ خلقتُها قصدٌ فلا جبلةٌ ولا قضفُ
تغترقُ الطَّرفَ وهي لاهيةٌ كأنَّما شفَّ وجهها نزفُ
قضى لها اللهُ حينَ يخلقُها ال خالقُ ألاَّ يكنَّها سدفُ
تنامُ عن كبرِ شأنِها فإذا قامتْ رويدًا تكادُ تنغرفُ
حوراءُ جيداءُ يستضاءُ بها كأنَّها خوطُ بانةٍ قصفُ
تمشي كمشيِ الزَّهراءِ في دمثِ ال رَّملِ إلى السَّهلِ دونهُ الجرفُ
ولا يغثُّ الحديثُ ما نطقتْ وهو بفيها ذو لذَّةٍ طرفُ
تحزنهُ وهو مشتهًى حسنٌ وهو إذا ما تكلَّمت أنفُ
كأنَّ لبَّاتها تبدَّدها هزلى جرادٍ أجوازهُ جلفُ
كأنَّها درَّةٌ أحاطَ بها ال غوَّاصُ يجلو عن وجهها الصَّدفُ
وللهِ ذي المسجدِ الحرامِ وما جلِّلَ من يمنةٍ لها خنفُ
إنِّي لأهواكِ غيرَ ذي كذبٍ قد شفَّ منِّي الأحشاءُ والشَّغفُ
بل ليتَ أهلي وأهلَ أثلةَ في دارِ قريبٍ من حيثُ يختلفُ
أيهاتَ من أهلهُ بيثربَ قد أمسى ومنْ دونَ أهلهِ سرفُ
يا ربِّ لا تبعدنْ ديارَ بني عذرةَ حيث انصرفتُ وانصرفوا
أبلغْ بني جحجبى وقومهمُ خطمةَ أنَّا وراءهم أُنفُ
وأنَّنا دونَ ما يسومهمُ الأع داءُ من ضيمِ خطَّةٍ نكفُ
إنَّا ولو قدَّموا التي علموا أكبادُنا من ورائهم تجفُ
نفلي بحدِّ الصَّفيحِ هامهمُ وفليُنا هامهمْ بنا عنفُ
لمَّا بدتْ غدوةً جباههمُ حنَّتْ إلينا الأرحامُ والصُّحفُ
فقولُنا للمقدَّمينَ قفوا عن شأوِكم والحروبُ تختلفُ
يتبعُ آثارَها إذا اختلجتْ سخنٌ عبيطٌ عروقهُ تكفُ
قالَ لنا النَّاسُ معشرٌ ظفروا قلنا فإنَّا لقومنا خافُ
إنَّ لنا حوزة وحومتها بين ذُراها مخارفٌ دلفُ
[ ٥٢ ]
يذبُّ عنهنَّ سامرٌ مصعٌ سودَ الغاشي كأنَّها عرفُ
وقال حاتم بن عبد الله الطائي:
أتعرفُ أطلالًا ونؤيًا مهدَّما كخطِّكَ في رقّ كتابًا منمنما
إذاعتْ بهِ الأرواحُ بعدَ أنيسِها شهورًا وأيَّامًا وحولًا وجرَّما
فأصبحنَ قدْ غيَّرنَ ظاهرَ تربهِ وبدَّلتِ الأنواءُ ما كانَ معلما
وغيَّرها طولُ التَّقادمِ والبلى فما أعرفُ الأطلالَ إلاَّ توهُّما
ديارُ التي قامتْ تريكَ وقد عفتْ وأقوتْ من الزُّوَّارِ كفًّا ومعصما
تهادى عليها حليُها ذاتَ بهجةٍ وكشحًا كطيِّ السَّابريةِ أهضما
ونحرًا كفاثورِ اللُّجينِ يزينهُ توقُّدُ ياقوتٍ وشذرًا منظَّما
كجمرِ الغضى هبَّتْ له بعدَ هجعةٍ من اللَّيلِ أرواحُ الصَّبا فتبسَّما
تضيءُ لنا البيتَ الكليلَ خصاصهُ إذا هي ليلًا حاولتْ أن تنسَّما
إذا انصرفتْ فوقَ الحشيَّةِ مرَّةً ترنَّمَ وسواسُ الحليّ ترنّما
فبانتْ لطيَّاتٍ لها وتبدَّلتْ به بدلًا مرَّتْ له الطَّيرُ أشأما
وعاذلتينِ هبَّتا بعدَ هجعةٍ تلومانِ مِتلافا مُفيدا ملوَّما
تلومانِ لمَّا غوَّرَ النَّجمُ ضلَّةً فتًى لا يرى الإنفاقَ في الحقِّ مغرما
ألا لا تلوماني على ما تقدَّما كفى بصروفِ الدَّهرِ للمرءِ محكما
فقلتُ وقد طالَ العتابُ عليهما وأوعدَتاني أن تبيتا وتصرما
فإنَّكما لا ما مضى تُدركانهِ ولستُ على ما فاتني متندِّما
فنفسكَ أكرمْها فإنَّكَ إنْ تهنْ عليكَ فلنْ تلقى لها الدَّهرَ مكرما
أهنْ في الذي تهوى التِّلادَ فإنَّه إذا متُّ كانَ المالُ نهبًا مقسَّما
ولا تشقينْ فيهِ فيسعدَ وارثٌ به حينَ تُحشى أغبرَ الجوفِ مظلما
يقسِّمهُ غنمًا ويشري كرامةً وقد صرتَ في خطٍّ من الأرضِ أعظما
تحلَّمْ عن الأذنينِ واستبقِ ودَّهمْ فلستَ مصيبَ الحلمِ حتَّى تحلَّما
متى تلقَ أضغانَ العشيرةِ بالأنى وكفِّ الأذى يحسمْ لكَ الدَّاءَ محسما
وما ابتعثتْني في هوايَ لجاجةٌ إذا لم أجدْ فيما أمامي مقدما
إذا شئتُ نازيتُ امرأَ السُّوءِ ما نزا إليك ولا طمتَ اللَّئيمَ الملطَّما
رأى اللَّيلَ قد غالتْ نجومٌ تقودهُ وقد يكرهُ السَّاري البخيلَ المذمَّما
وكنتُ امرأً من معشرٍ عادةٌ لهم منًى أن يبيتَ الضَّيفُ ريَّانَ مطعما
ويحمدُ جاديهم ويرضَى صديقُهم إذا أخطأ القطرُ الجنابَ فأقتما
وعوراءُ قد أعرضتُ عنها فلم تضرْ وذي أودٍ قوَّمتُه فتقوَّما
وأغفرُ عوراءَ الكريمِ ادِّخارهُ وأُعرضُ عن شتمِ اللَّئيمِ تكرُّما
ولا أخذلُ المولى وإن كانَ خاذلًا ولا أشتمُ ابنَ العمِّ إنْ كانَ مفحما
ولا زادني عنهُ غنايَ تباعدًا وإنْ كانَ ذا نقصٍ من المالِ مصرما
وليلٍ بهيمٍ قد تسربلتُ هولهُ إذا اللَّيلُ بالنَّكسِ الضَّعيفِ تجهَّما
ولن يكسبَ الصُّعلوكُ حمدًا ولا غنى إذا هو لم يركبْ من الأمرِ معظما
ولم يشهدِ الخيلَ المغيرةَ بالضُّحى يثرنَ عجاجًا بالسَّنابكِ أقتما
لحى اللهُ صعلوكًا مناهُ وهمُّهُ من العيشِ أنْ يلقى لبوسًا ومطعما
يرى الخمصَ تعذيبًا وإنْ يلقَ شبعةً يبتْ قلبهُ من قلَّةِ الهمِّ مبهما
مقيمًا مع المثرينَ ليس ببارحٍ إذا نالَ جدوى من طعامٍ ومجثما
ينامُ الضُّحى حتَّى إذا نومهُ استوى تنبَّه مثلوجَ الفؤادِ مورَّما
ولكنَّ صعلوكًا يساورُ همَّمُ ويمضي على الأيَّامِ والدَّهرِ مُقدما
فتى طلباتٍ لا يرى الخمصَ ترحةً ولا أكلةً إنْ نالها عدَّ مغنما
إذا ما رأى يومًا مكارمَ أعرضتْ تيمَّمَ كبراهنَّ ثمَّتَ صمَّما
ترى رمحهُ ونبلهُ ومجنَّهُ وذا شطبٍ عضب الضريبةِ مخذما
وأحناءَ سرجٍ قاترٍ ولجامهُ عتادَ أخي هيجا وطرفًا مسوَّما
[ ٥٣ ]
فذلكَ إنْ يهلكْ فحسنٌ ثناؤهُ وإنْ يحيى لا يقعدْ ضعيفًا مذمَّما
وقال أيضًا:
أماويَّ قد طالَ التَّجنُّبُ والهجرُ وقد عذرتني في طلابكمُ العذرُ
أماويَّ إنَّ المالَ غادٍ ورائحٌ ويبقى من المالِ الأحاديثُ والذِّكرُ
أماويَّ إنِّي لا أقولُ لسائلٍ إذا جاءَ يومًا حلَّ في مالنا نذرُ
أماويَّ إمَّا مانعٌ فممنَّعٌ وإمَّا عطاءٌ لا ينهنههُ الزَّجرُ
وقدْ علمَ الأقوامُ لو أنَّ حاتمًا أرادَ ثراءَ المالِ كانَ لهُ وفرُ
إذا منَّ بالمالِ البخيلُ فإنَّني أجودُ فلا قلٌّ عطائي ولا نزرُ
أفكُّ بهِ العاني ويؤكلُ طيِّبًا فما إنْ تعرِّيهِ القداحُ ولا الخمرُ
أماويَّ إنْ يصبحْ صدايَ بقفرةٍ من الأرضِ لا ماءٌ لديَّ ولا خمرُ
ترَي أنَّ ما أفنيتُ لم يكُ ضرَّني وأنَّ يدي ممَّا بخلتُ به صفرُ
أماويَّ إنِّي ربُّ واحدِ أمِّهِ أجرتُ فلا قتلٌ عليهِ ولا أسرُ
ولا ألطمُ ابنَ العمِّ إنْ كانَ إخوتي شهودًا وقد أودى بإخوتهِ الدَّهرُ
ولا أخذلُ المولى بسوءِ بلائهِ وإنْ كانَ محنوَّ الضُّلوعِ بها غمرُ
غُنينا زمانًا بالتَّصعلكِ والغنى وكلاّ سقاناهُ بكأسيهما الدَّهرُ
فما زادَنا بغيًا على ذي قرابةٍ غنانا ولا أزرى بإحساننا الفقرُ
إذا المرءُ أثرى ثم لم يكُ مالهُ نوالًا لدى البؤسى فحالفهُ العسرُ
فأعطِ ولا تمسكْ مخافةَ فاقةٍ وإنَّ وراءَ العسرِ إنْ خفتهُ اليسرُ
وما ضرَّ جارًا يا ابنةَ القومِ فاعلَمي يُجاورني ألاَّ يكونَ له سترُ
لجاريَ حقٌّ قدْ رأى ذاكَ واجبًا وقبلي لهُ ماويَّ ما تنزلُ القدرُ
بعينيَّ عن عوراتِ جاريَ غفلةٌ وفي السَّمعِ منِّي من حديثهما وقرُ
متى ينأَ جاريَ لا يراني لعرسهِ بنفسي وصولًا ما أرى أنَّه سفرُ
سأرعاهُ جهدي إنَّ للجارِ حرمةٌ ويرجعُ لمْ يرسلْ عليَّ لها حذرُ
لعمركَ لا أخشى بقولِ مُجاوري إذا متُّ ماتَ الجبنُ والبخلُ والغدرُ
لحا اللهُ من يُبقي من المالِ بعدهُ لوارثهِ شيئًا ويتبعهُ الوزرُ
فلا تمنَعي راجي نوالكِ إنَّهُ الذِّكرُ في الدُّنيا ويلحقُك الأجرُ
أأتركُ مالي إن هلكتُ لوارثٍ تتبَّعهُ عيني إذا ضمَّني القبرُ
أماويَّ ما يُغني الثَّراءُ عن الفتى إذا حشرجتْ نفسي وضاقَ بها صدري
إذا أنا دلاّني الذينَ أحبُّهمْ بملحودةٍ زلجٍ جوانبُها غبرُ
وقاموا على أرجائِها يدفنونَني يقولونَ قد أودى السَّماحةُ والفخرُ
وأُسلمتُ فيها غيرَ بارحِ قعرِها فلا عجبٌ ممَّا ترينَ ولا سخرُ
وراحوا سراعًا ينفضونَ أكفَّهمْ يقولونَ قد دمَّى أظافيرنا الحفرُ
هنالكَ لا آلو لنفسي صنيعةً فأولُهُ زادٌ وآخرهُ ذخرُ
وقال أيضًا:
ألا أرقتْ عيني فبتُّ أديرُها حذارَ غدٍ أحجى بأنْ لا يضيرُها
إذا النَّجمُ مغربَ الشَّمسِ رانيًا ولم يكُ في الآفاقِ برقٌ ينيرُها
إذا ما السَّماءُ لم تكنْ غيرَ حلبةٍ كجدَّةِ بيتِ العنكبوتِ ينيرُها
فقد علمتْ غوثٌ بأنَّا سراتَنا إذا أعلنتْ بعدَ النَّجيِّ أمورها
وإنَّا نهينُ المالَ في غيرِ ضنَّةٍ وما يشتكينا في السّنينَ ضريرُها
إذا ما بخيلُ النَّاسِ هرَّتْ كلابهُ واشتقَّ على الضَّيفِ الغريبِ عقورُها
فإنِّي جبانُ الكلبِ بيتي موطَّأٌ جوادٌ إذا ما النَّفسُ شحَّ ضميرُها
فإنَّ كلابي قد أُقرَّتْ وغودرتْ قليلٌ على من يعتريني هريرُها
وأُبرزُ قدري بالفناءِ قليلُها يُرى غيرَ مضنونٍ به وكثيرُها
وليسَ على ناري حجابٌ يكنّها لمستقْبسٍ ليلًا ولكنْ أشيرُها
ولا وأبيكَ ما يظلُّ ابنُ جارتي يطوفُ حواليْ قدرنا لا يطورُها
وما تشتكيني جارتي غيرَ أنَّني إذا غابَ عنها بعلُها لا أزورُها
[ ٥٤ ]
سيبلغُها خيري ويرجعُ بعلُها إليه ولم يقصرْ عليَّ ستورُها
وخيلٍ تعادى بالطِّعانِ شهدتُها ولو لم أكنْ فيها لساءَ عذيرُها
وعرجلةٍ شعثِ الرّؤوسِ كأنَّهم بنو الجنِّ لم تطبخْ بقدرٍ جزورُها
شهدتُ ودعْوانا أُميمةَ إنَّنا بنو الحربِ نصلاها إذا شبَّ نورُها
على مُهرةٍ كبداءَ جرداءَ ضامرٍ أمينٍ شظاها مطمئنٍّ نسورُها
وغمرةِ موتٍ ليسَ فيها هوادةٌ حدادُ السّيوفِ المشرفيِّ جسورُها
صبرْنا لها في نهكِنا ومضائنا بأسيافنا حتَّى يبوخَ سعيرُها
وخوصٍ دقاقٍ قد حدوتُ بفتيةٍ عليهنَّ إحداهنَّ قد حلَّ كورُها
وتأبى اهتِضامي أسرةٌ ثعليَّةٌ كريمٌ غناها مستعفٌّ فقيرُها
وأقسمتُ لا أُعطي مليكًا ظلامةً وحولي عديٌّ كهلُها وغريرُها
وقال أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي:
إمَّا ترَي رأسي حاكَى لونهُ طرَّةَ صبحٍ تحتَ أذيالِ الدُّجى
واشتعلَ المبيضُّ في مسودّهِ مثلَ اشتعالِ النَّارِ في جزلِ الغضى
وغاضَ ماءَ شرَّتي دهرٌ رمَى خواطرَ القلبِ بتبريحِ الجوى
وآضَ روضُ اللَّهوِ يبسًا ذاويًا منْ بعدِ ما قد كانَ مجَّاجَ الثَّرى
وضرَّمَ النَّأيُ المشتُّ جذوة ما تأتلي تسفعُ أثناءَ الحشا
واتَّخذَ التَّسهيدُ عيني مألفًا لمَّا جفا أجفانَها طيفُ الكرى
فكلُّ ما لاقيتهُ مغتفرٌ في جنبِ ما أسأرهُ شحطُ النَّوى
لو لابسَ الصَّخرَ الأصمَّ بعضُ ما يلقاهُ قلبي فضَّ أصلادَ الصَّفا
إذا ذوى الغصنُ الرَّطيبُ فاعلمنْ إن قصاراهُ نفاذٌ وتوى
شجيتُ لا بل أجرَضتني غصَّةٌ عنودُها أقتلُ لي من الشَّجى
إنْ يحمِ عن عيني البُكا تجلُّدي والقلبُ موقوفٌ على سبلِ البكا
لو كانت الأحلامُ ناجتْني بما ألقاهُ يقظانَ لأصماني الرَّدى
منزلةٌ ما خلتُها يرضى بها لنفسهِ ذو أزلٍ ولا حِجى
شيمُ سحابٍ خلَّبٍ بارقهُ وموقفٌ بينَ ارتجاءٍ ومنى
في كلِّ يومٍ منزلٌ مستوبلٌ يشتفُّ ماءَ مهجَتي ومُجتوى
ما خلتُ أنَّ الدَّهرَ يثنيني على ضرَّاءَ لا يرضى بها ضبُّ الكُدى
أُرمِّقُ العيشَ على برضٍ فإنْ رمتُ ارتشافًا رمتُ صعبَ المنتشى
أراجعٌ ليَ الدَّهرُ حولًا كاملًا إلى الذي عوَّدَ أم لا يرتجى
يا دهرُ إنْ لم تكُ عُتبى فاتَّئدْ فإنَّ أروادكَ والعُتبى سوا
رفِّهْ عليَّ طالما أنضيتَني واستبقِ بعضَ ماءِ غصنٍ ملتحى
لا تحسبنْ يا دهرُ أنِّي ضارعٌ لنكبةٍ تعرقُني عرقَ المُدى
مارستُ منْ لو هوتِ الأفلاكُ من جوانبِ الجوِّ عليهِ ما اشتكى
لكنَّها نفثةُ مصدورٍ إذا جاشَ لغامٌ من نواحيها عمَى
رضيتُ قسرًا وعلى القسرِ رضى منْ كانَ ذا سخطٍ على صرفِ القضا
إنَّ الجديدينِ إذا ما اسْتوليا على جديدٍ أدنياهُ للبِلى
ما كنتُ أدري والزَّمانُ مولعٌ بشتِّ ملمومٍ وتنكيثِ قُوى
إنَّ القضاءَ قاذِفي في هوَّةٍ لا تستبلُّ نفسُ منْ فيها هوَى
فإنْ عثرتُ بعدَها إنْ وألتْ نفسي من هاتا فقولا لا لعا
وإنْ تكنْ مدَّتها موصولةً بالحتفِ سلَّطتُ الأُسا على الأسى
إنَّ امرأ القيسِ جرى إلى مدَى فاعْتاقهُ حِمامهُ دونَ المدى
وخامرتْ نفسُ أبي الجيرِ الهوى حتَّى حواهُ الحتفُ فيما قد حوى
وابنُ الأشجِّ القيلُ ساقَ نفسهُ إلى الرَّدى حذارَ إشماتِ العدى
واخْترم الوضَّاحَ من دونِ التي أمَّلها سيفُ الحِمامِ المنتضى
وقد سما قبْلي يزيدُ طالبًا شأوَ العُلى فما وهي ولاونى
فاعْترضتْ دونَ التي رامَ وقدْ جدَّ بهِ الجدُّ اللُّهيمُ الأربى
هل أنا بدع من عرانين على جار عليهم صرف دهر واعتدى
وإنْ أنالتْني المقاديرُ الذي أكيدهُ لهم آلُ في رأبِ الثَّأى
[ ٥٥ ]
وقد سمَا عمرٌو إلى أوتارهِ فاحتطَّ منها كلَّ عالي المستمى
فاستنزلَ الزَّباءَ قسرًا وهي من عقابِ لوحِ الجوِّ أعلى منتمى
وسيفٌ استعْلتْ به همَّتهِ حتَّى رمى أبعدَ شأوِ المرتمى
فجرَّع الأُحبوشَ موتًا ناقعًا واحتلَّ من غُمدانَ محرابَ الدُّمى
ثم ابنُ هندٍ باشرتْ نيرانهُ يومَ أوراتَ تميمًا بالصَّلى
ما اعتنَّ لي يأسٌ يُناجي همَّتي إلاَّ تحدَّاهُ رجاءٌ فاكْتمى
إليَّةً باليعملاتِ يرتَمي بها النَّجاءُ بينَ أجوازِ الفلا
خوصٍ كأشباحِ الحنايا ضمَّرٍ يرعفنَ بالأمشاجِ من جذبْ البُرى
يرسبنَ في بحرِ الدُّجى وبالضُّحى يطفونَ في الآلِ إذا الآلُ طفا
أخفافهنَّ من حفا ومن وجَى مرثومةٌ تخضبُ مبيضَّ الحصا
يحملنَ كلَّ شاحبٍ محقوقفٍ منْ طولِ تدآبِ الغدوِّ والسُّرى
برٍّ برى طولُ الطَّوى جثمانهُ فهو كقدحِ النَّبعِ محنيُّ القَرا
ينوي التي فضَّلها ربُّ العُلى لما دحَا تربتَها على البنى
حتَّى إذا قابلَها استعبرَ لا يملكُ دمعَ العينِ من حيثُ جرَى
ثمَّتَ طافَ وانثنى مُستلمًا ثمَّتَ جاءَ المروتَينِ فسعى
وأوجبَ الحجَّ وثنَّى عمرةً من بعدِ ما عجَّ ولبَّى ودعَا
ثمَّتَ راحَ في الملبِّينَ إلى حيثُ تحجَّى المأزِمانِ ومنى
ثم أتى التَّعريفَ يقرُوا مُخبتًا موافقًا بينَ إلالٍ والنَّقا
واستأنفَ السَّبعَ وسبعًا بعدَها والسَّبعَ ما بينَ العقابِ والصُّوى
وراحَ للتَّوديعِ ممَّنْ راحَ قد أحرزَ أجرًا وقلى هجرَ اللَّغا
بذاكَ أم بالخيلِ تعدُو المرطى ناشزةً أكتادُها قبَّ الكُلى
يحملنَ كلّ ذي شمَّريٍّ باسلٍ شهمِ الجنانِ خائضٍ غمرَ الوغى
يغشى صلى الموتِ بخدَّيهِ إذا كانَ لظى الموتِ كريهَ المصطلى
لو مثِّلَ الحتفُ لهِ قرنًا لمَا صدَّتهِ عنهُ هيبةٌ ولا انثنى
ولو حمى المقدارُ عنهُ مهجةٌ لرامَها أو تستبيحَ ما حمَى
تغدُو المنايا طائعاتٍ أمرهُ ترضَى الذي يرضى وتأبى ما أبى
بلْ قسمًا بالشُّمِّ من يعربَ هل لمقسمٍ من بعدِ هذا منتهى
همُ الأُلى إنْ فاخروا قالَ الأُلى بفي امرئٍ فاخركمْ عفرَ البرى
همُ الأُلى أجرَوا ينابيعَ النَّدى هاميةً لمنْ عرَا أو اعتفَى
همُ الذينَ دوَّخوا من انتحى وقوَّموا من صعرٍ ومن صغا
همُ الذينَ جرَّعوا منْ ماحَلوا أفاوقَ الضَّيمِ ممرَّاتِ الحُسا
أزالَ حشْو نثرةٍ موضونةٍ حتَّى أوارى بينَ أحشاءِ الجُثى
وصاحبايَ صارمٌ في متنهِ مثلُ مدبِّ النَّملِ يعلو في الرُّبى
كأنَّ بينَ عيرهِ وغربهِ مفتأدًا تأكَّلتْ فيه الجُذى
يُري المنونَ حينَ يقفُو إثرهُ في ظلمِ الأكبادِ سبلًا لا تُرى
إذا هوَى في جثَّةٍ غادرَها من بعدِ ما كانتْ خسَا وهي زكَا
ومشرفُ الأقطارِ خاظٍ نحضهُ حابِي القُصيرى جرشعٌ عردُ النَّسى
قريبُ ما بينَ القطاةِ والقرا بعيدُ ما بينَ القذالِ والصَّلا
سامي التَّليلِ في دسيعٍ مفعمٍ رحبُ الذِّراعِ في أميناتِ العُجى
ركِّبنَ في حواشبٍ مكتنَّةٍ إلى نسورٍ مثلِ ملفوظ النَّوى
يديرُ إعليطَيْنِ في ملمومةٍ إلى لموحينِ بألحاظِ اللأى
مداخلُ الخلقِ رحيبٌ نحرهُ مخلولقُ الصَّهوةِ ممسودٌ وأى
لا صككٌ يشينهُ ولا فجَا ولا دخيسٌ واهنٌ ولا شظَا
يجري فتكبُو الرِّيحُ في غاياتهِ حسرى تلوذُ بجراثيم السَّحا
إذا اجتهدتَ نظرًا في إثرهِ قلتَ سنًا أومضَ أو برقٌ خفَا
كأنَّما الجوزاءُ في أرساغهِ والنَّجمُ في جبهتهِ إذا بدَا
هُما عتادي الكافيانِ فقدْ مَنْ أعددتهُ فلينْأَ عنِّي منْ نأى
فإنْ سمعتَ برحَى منصوبةً للحربِ فاعلمْ أنَّني قطبُ الرَّحى
[ ٥٦ ]
وإنْ رأيتَ نارَ موتٍ تلتَظي فاعلمْ بأنِّي مسعرٌ ذاكَ اللَّظى
خيرُ النّفوسِ السّائلاتِ جهرةً على ظُباتِ المرهفاتِ والقنَا
إنَّ العراقَ لمْ أُفارقْ أهلهُ عن شنأٍ أصدَّني ولا قلَى
لا أطَّبي عينيَ مذْ فارقتهمْ شيءٌ يروقُ الطَّرفَ منْ هذا الورى
همُ الشَّناخيبُ المنيفاتُ الذُّرى والنَّاسُ أدحالٌ سواهمْ وهُوى
همُ البحورُ زاخرٌ آذيُّها والنَّاسُ ضحضاحٌ ثغابٌ وأضى
إنْ كنتُ أبصرتُ لهم من بعدِهمْ مثلًا وأغضيتُ على وخزِ السَّفا
حاشا الأميرينِ اللَّذينِ أوفدا عليَّ ظلًاّ من نعيمٍ قد ضفَا
هما اللَّذانِ ابتنيا لي أملًا قد وقفَ اليأسُ به على شفَى
تلافَيا العيشَ الذي رنَّقهُ صرفُ الزَّمانِ فاستساغَ وصفَا
وأجريَا ماءَ الحيا لي رغدًا فاهتزَّ غُصني بعدَ ما كانَ ذوى
هُما اللَّذانِ سمَوا بناظري من بعدِ إغضائي على لذعِ القذى
هُما اللَّذانِ عمَرا لي جانبًا من الرَّخاءِ كانَ قدمًا قد عفَا
وقلَّداني منَّةً لو قُرنتْ بشكرِ أهلِ الأرضِ طرًّا ما وفى
بالعشرِ من معشارِها وكانَ كال حسوةِ في آذيِّ بحرٍ قد طمَا
إن ابنَ ميكالَ الأميرَ انتاشَني منْ بعدِ ما قد كنتُ كالشَّيءِ اللَّقى
ومدَّ ضبعيَّ أبو العبَّاسِ من بعدَ انقباضِ الذَّرعِ والباعِ الوزى
نفسي الفداءُ لأميريَّ ومنْ تحتَ السَّماءِ لأميريَّ الفدَا
لا زالَ شكري لهُما مواصلًا لفظي أو يعتاقَني صرفُ المنى
إنَّ الأُلى فارقتُ من غيرِ قِلى ما زاغَ قلبي عنهمُ ولا هفَا
لكنَّ لي عزمًا إذا انتضيتهُ لمبهمِ الخطبِ فآهُ فانفأى
ولو أشاءُ ضمَّ قطريهِ الصِّبا عليَّ في ظلِّ نعيمٍ وغنى
ولاعبتْني غادةٌ وهنانةٌ تُضني وفي ترشافِها برءُ الضَّنى
أو ناجتِ الأعصَم لانحطَّ لها طوعَ القيادِ من شماريخِ الذُّرى
أو صِابًتِ القانِتَ في مُخْلولقٍ مستصعبِ المسلكِ وعْرِ المرتقَى
ألهاهُ عن تسبيحهِ ودينهِ تأنيسُها حتَّى تراهُ قد صبَا
كأنَّما الصَّهباءُ مقطوبٌ بها ماءُ جنى وردٍ إذا اللَّيلُ عسَا
يمتاحهُ راشفُ بردِ ريقِها بينَ بياضِ الظَّلمِ منها واللَّمى
سقى العقيقَ فالحُزيزُ فالملا إلى النُحيتِ فالقريَّاتِ الدُّنا
فالمربدِ الأعلى الذي تلقَى بهِ مصارعَ الأُسدِ بألحاظِ المهَا
محلُّ كلِّ مقرمٍ سمتْ بهِ مآثرُ الآباء في فرعِ العلى
من الأُلى جوهرهمْ إذا اعتزَوا من جوهرٍ منهُ النَّبيُّ المصطفى
جونٌ أعارتْهُ الجنوبُ جانبًا منها وواصتْ صوبهُ يدُ الصَّبا
نأى يمانيًّا فلمَّا انتشرتْ أحضانهُ وامتدَّ كسراهُ غطَا
فجلَّلَ الأفقَ فكلّ جانبٍ منها كأنْ من قطرهِ المزنُ حيَا
إذا خبتْ بروقُه عنَّتْ لهُ ريحُ الصَّبا تشبُّ منه ما خبَا
وإنْ ونتْ رعودهُ حدَا بها راعي الجنوبِ فحدتْ كما حدَا
كأنَّ في أحضانهِ وبركهِ بركًا تداعى بين سجرٍ ووحى
لم ترَ كالمزنِ سوامًا بُهَّلًا تحسبهُ مرعيَّةً وهي سدى
فطبَّقَ الأرضَ فكلُّ بقعةٍ منها تقولُ الغيثُ في هاتَا ثوى
تقولُ للأجرازِ لمَّا استوسقتْ بسوقهِ ثِقي بريٍّ وحيَا
فأوسعَ الأحدابَ سيبًا مُحسبا وطبَّقَ البُطنان بالماءِ الرِّوى
كأنَّما البيداءُ غبَّ صوبهِ بحرٌ طما تيَّارهُ ثم سجَا
ذاكَ الجِدا لا زالَ مخصوصًا به قومٌ همُ للأرضِ غيثٌ وجدَا
لستُ إذا ما بهظتْني غمرةٌ ممَّنْ يقولُ بلغَ السَّيلُ الزُّبى
وإنْ ثوتْ بينَ ضُلوعي زفرةٌ تملأ ما بينَ الرَّجا إلى الرَّجا
نهنهتُها مكظومةً حتَّى يُرى مخضوضعًا منها الذي كانَ طغَا
ولا أقولُ إنْ عرتَني نكبةٌ قولَ القنوطِ انقدَّ في الجوفِ السَّلى
[ ٥٧ ]
قدْ مارستْ من الخطوبِ مرِسا يساورُ الهولَ إذا الهولُ علا
لي التواءٌ إنْ معاديَّ التوى ولي استواءٌ إنْ مواليَّ استوى
طعمِي شريٌّ للعدوِّ تارةً والأري بالرَّاحِ لمن ودّي ابتغى
لدنٌ إذا لُوينتْ سهلٌ معطفي ألوى إذا خوشنتُ مرهوبَ الشَّذَا
يعتصمُ الحلمُ بجنبيْ حبوَتي إذا رياحُ الطَّيشِ طارتْ بالحُبى
لا يطَّبيني طمعٌ مدنِّسٌ إنْ استمالَ طمعٌ أو اطَّبى
وقد علتْ بي رتبًا تجاربِي أشفينَ بي منها على سبلِ النُّهى
إذا امرؤٌ خيفَ لإفراطِ الأذى لم يخشَ منِّي نزقٌ ولا أذى
من غيرِ ما وهنٍ ولكنِّي امرؤٌ أصونُ عرضًا لم يدنِّسهُ الطَّخا
وصونُ عرضِ المرءِ أنْ يبذلَ ما ضنَّ بهِ ممَّا حواهُ وانتصى
والحمدُ خيرُ ما اتَّخذتَ جنَّةً وأنفسُ الأذخارِ من بعدِ التُّقى
وكلُّ قرنٍ ناجمٍ في زمنٍ فهو شبيهُ زمن فيهِ بدَا
والنَّاسُ كالنَّبتِ فمنهُ رائقٌ غضٌّ نضيرٌ عودهُ مرُّ الجنى
ومنهُ ما تقتحمُ العينُ وإنْ ذقتَ جناهُ انساغَ عذبًا في اللَّها
يقوَّمُ الشَّارخُ من زيغانهِ فيستوي ما انعاجَ منه وانحنَى
والشَّيخُ إنْ قوَّمتهُ من زيغهِ لم يقفِ التثقيفُ منهُ ما التوى
كذلكَ الغصنُ يسيرٌ عطفهُ لدنًا شديدٌ غمزهُ إذا عسَا
منْ ظلمَ النَّاسَ تحامَوا ظلمهُ وعزَّ عنهمْ جانباهُ واحتمى
وهمْ لمنْ لانَ لهمْ جانبهُ أظلمُ من حيَّاتِ أنباتِ السَّفا
عبيدُ ذي المالِ وإنْ لم يطعَموا من غمرهِ في جرعةٍ تشفي الصَّدى
وهمْ لمنْ أملقَ أعداءٌ وإنْ شاركهمْ فيما أفادَ وحوى
عاجمتُ أيَّامي وما الغرُّ كمنْ تأزَّرَ الدَّهرُ عليه وارتدى
لا يرفعُ اللُّبُّ بلا جدٍّ ولا يحطُّكَ الجهلُ إذا الجدُّ علا
منْ لم يعظْهُ الدَّهرُ لم ينفعهُ ما راحَ بهِ الواعظُ يومًا أو غدَا
منْ لم تفدْهُ عبرًا أيَّامهُ كانَ العمى أولى بهِ من الهُدى
مَنْ قاسَ ما لم يرهُ بما رأى أراهُ ما يدنو إليه ما نأى
مَنْ ملَّكَ الحرصَ القيادَ لم يزلْ يكرعُ في ماءٍ من الذُّلِّ صرى
مَنْ عارضَ الأطماعَ باليأسِ رنتْ إليه عينُ العزِّ من حيثُ رنَا
مَنْ عطفَ النَّفسَ على مكروهِها كانَ الغنى قرينهُ حيثُ انتوى
مَنْ لم يقفْ عندَ انتهاءِ قدرهِ تقاصرتْ عنهُ فسيحاتُ الخُطا
مَنْ ضيَّعَ الحزمَ جنى لنفسهِ ندامةً ألذعَ من سفعِ الذَّكا
مَنْ ناطَ بالعجبِ عُرى أخلاقهِ نِيطتْ عُرى المقتِ إلى تلكَ العُرى
مَنْ طالَ فوقَ منتَهى بسطتهِ أعجزهُ نيلُ الدُّنا بلْهَ القُصا
مَنْ رامَ ما يعجزُ عنهُ طوقهُ مِ العبءِ يومًا آلَ مجزولَ المطَا
والنَّاسُ ألفٌ منهمُ كواحدٍ وواحدٌ كالألفِ إنْ أمرٌ عنَا
وللفتى منْ مالهِ ما قدَّمتْ يداهُ قبلَ موتهِ لا ما اقتنى
وإنَّما المرءُ حديثٌ حسنٌ فكنْ حديثًا حسنًا لمنْ وعى
إنِّي جلبتُ الدَّهرَ شطرَيهِ فقد أمرَّ لي حينًا وأحيانًا حلا
وفرَّ عن تجربةٍ نابي فقلْ في بازلٍ راضَ الخطوبَ وامتطى
والنَّاسُ للموتِ خلًا يلسُّهمْ وقلَّما يبقى على اللَّسِّ الخلا
عجبتُ من مستيقنٍ أنَّ الرَّدى إذا أتاهُ لا يُداوى بالرُّقى
وهوَ من الفغلةِ في أهويةٍ بخابطٍ بينَ ظلامٍ وعشَى
نحنُ ولا كفرانَ للهِ كما قد قيلَ في السَّاربِ أخلى فارتعى
إذا أحسَّ نبأةً ريعَ لها تطامنتْ عنهُ تمادى ولهَا
نهالُ للشَّيءِ الذي يروعُنا ونرتعي في غفلةٍ إذا انقضَى
إنَّ الشَّقاءَ بالشَّقيِّ موزعٌ لا يملكُ الرَّدَّ لهُ إذا أتى
واللَّومُ للحرِّ مقيمٌ رادعٌ والعبدُ لا يردعهُ إلاَّ العصَا
وآفةُ العقلِ الهوى فمنْ علا على هواهُ عقلهُ فقدْ نجَا
[ ٥٨ ]
كم منْ أخٍ مسخوطةٍ أخلاقهُ أصفيتُهُ الودَّ بخلقٍ مرتضى
إذا بلوتَ السَّيفَ محمودًا فلا تذممْهُ يومًا أنْ تراهُ قد نبَا
والطّرفُ يجتازُ المدى وربَّما عنَّ لمعداهُ عثارٌ فكبَا
من لكَ بالمهذَّبِ النَّدبِ الذي لا يجدُ العيبَ إليه مختطى
إذا تصفَّحتَ أمورَ النَّاسِ لم تلفِ امرءًا حازَ الكمالَ فاكتفى
إنَّ نجومَ المجدِ أمستْ أُفَّلًا وظلُّهُ القالصُ أضحى قدْ أزى
إلاَّ بقايا من أُناسٍ بهمُ إلى سبيلِ المكرماتِ يُقتدى
إذا الأحاديثُ انتضتْ أنباءهمْ كانتْ كنشرِ الرَّوضِ غاداهُ السَّدى
ما أنعمَ العيشةَ لو أنَّ الفتى يقبلُ منه الموتُ أسناءَ الرُّشَا
أو لوْ تحلَّى بالشَّبابِ دهرهُ لم يستلِبهُ الشَّيبُ هاتيكَ الحلى
هيهاتَ مهما يُستمرْ مسترجعٌ وفي خطوبِ الدَّهرِ للنَّاسِ أُسى
وفتيةٍ ساراهمُ طيفُ الكرى فسامروا النَّومَ وهمْ غيدُ الطُّلى
واللَّيلُ ملقٍ بالموامِي بركهُ والعيسُ ينبثنَ أفاحيصَ القطَا
بحيثُ لا يهدي لسمعٍ نبأةٌ إلاَّ نئيمَ البومِ أو صوتَ الصَّدى
شايعتُهمْ على السُّرى حتَّى إذا مالتْ أداةُ الرَّحلِ بالجبسِ الدَّوى
قلتُ لهمْ إنَّ الهُوينا غبُّها وهنٌ فجدُّوا تحمَدوا غبَّ السُّرى
وموحشُ الأرجاءِ طامٍ ماؤهُ مدعثرِ الأعضادِ مهدومِ الجبَا
كأنَّما الرِّيشُ على أرجائهِ زرقُ نصالٍ أُرهفتْ لتُمتهى
وردْتهُ والذِّئبُ يعوي حولهُ مستكَّ سمِّ السَّمعِ من طولِ الطَّوى
ومنتجٍ أمُّ أبيهِ أمُّهُ لم يتخوَّنْ جسمهُ مسُّ الضَّوى
أفرشتهُ بنتَ أخيهِ فانثنتْ عن ولدٍ يورى بهِ ويُشتوى
ومرقبٍ مخلولقٍ أرجاؤهُ مستصعبِ الأقذافِ وعرِ المُرتقى
أوفيتُ والشَّمسُ تمجُّ ريقَها والظِّلُّ من تحتِ الحذاءِ مُحتذى
وطارقٍ يؤنسهُ الذِّئبُ إذا تضوَّرَ الذِّئبُ عشاءً وعوى
آوى إلى نارِي وهيَ مألفٌ يدعو العفاةَ ضوؤها إلى القِرى
للهِ ما طيفُ خيالٍ زائرٍ تزفُّهُ للقلبِ أحلامُ الرؤى
يجوبُ أجوازَ الفلا محتقرًا هولَ دُجى اللَّيلِ إذا اللَّيلُ انبرى
سائلهُ إنْ أفصحَ عنْ أنبائهِ أنَّى تسدَّى اللَّيلَ أمْ أنَّى اهتدى
لو كانَ يدري قبلَها ما فارسٌ وما مواميها القفارُ والقُرى
وسائلٍ بمُزعجي عن وطني ما ضاقَ بي جنابهُ ولا نبَا
قلتُ القضاءُ مالكٌ أمرَ الفتى من حيثُ لا يدري ومنْ حيثُ درى
لا تسألنِّي واسألِ المقدارَ هلْ يعصمُ منهُ وزرٌ ومذَّرى
لا بدَّ أنْ يلقى امرؤٌ ما خطَّهُ ذو العرشِ ممَّا هو لاقٍ ووحى
لا غروَ أنْ لجَّ زمانٌ جائرٌ فاعترقَ العظمَ الممخّ وانتقى
فقدْ ترى القاحلَ مخضرًّا وقدْ تلقى أخا الإقتارِ يومًا قد نمَى
يا هؤلَيَّا هل نشدتنَّ لنا ثاقبةَ البرقعِ عن عينيْ طلا
ما أنصفتْ أمُّ الصَّبيَّينِ التي أصبتْ أخا الحلمِ ولمَّا تُصطبى
إستحِ بِيضا بينَ أفوادكَ أنْ تقتادكَ البيضُ اقتيادَ المُهتدى
هيهاتَ ما أشنعَ هاتَا زلَّةٍ أطرَبًا بعدَ المشيبِ والجلا
بلْ ربَّ ليلٍ جمعتْ قطريهِ لي بنتُ ثمانينَ عروسًا تُجتلى
لمْ يملكُ الماءُ عليها أمرَها ولمْ يدنِّسها الضَّرامُ المُختضى
كأنَّ قرنَ الشَّمسِ في ذرورِها بفعلِها في الصَّحنِ والكأسِ اقْتدى
نازعتُها أروعَ لا تسطُوا على نديمةِ شرَّتهِ إذا انْتشى
كأنَّ نورَ الرَّوضِ نظمُ لفظهِ مُرتجلًا أو مُنشدًا أو إنْ شدَا
من كلِّ ما نالَ الفتى قدْ نلتهُ والمرءُ يبقَى بعدهُ حسنُ الثَّنا
فإنْ أمتْ فقد تناهتْ لذَّتي وكلّ شيءٍ بلغَ الحدَّ انتهى
وإنْ أعشْ صاحبتُ دهرِي عالمًا بما انْطوى من صرفهِ وما انْسرى
[ ٥٩ ]
حاشَا لمنْ أسأرهُ في الحِجا والحلمُ أنْ أتبعَ روَّادَ الخنَا
أو أنْ أُرى مختضعًا لنكبةٍ أو لابتهاجٍ فرجًا أو مُزدهى
منْ أطعمَ اليتيمَ والمِسكينَ وال أسيرَ حبًّا للإلهِ ذي العُلى
ومنْ أقامَ خاشعًا لصلاتَهُ يُؤتى الزَّكاةَ راكعًا لمنْ أتى
ومنْ مشى جبريلُ معَ ميكالهِ عن جانبيهِ في الحروبِ إذا مشى
ومنْ يُنادي جبرئيلَ مُعلنًا والحربُ قدْ قامتْ على ساقِ الردى
لا سيفَ إلاَّ ذو الفقارِ فاعْلموا ولا فتى إلاَّ عليٌّ في الوغى
منْ ذا لهُ حمدٌ تعالى ذكرهُ باللهِ مقرونٌ إذا قامَ البرى
لك النّبيُّ والوصيُّ والدٌ وزوجهُ وأبناءُ أصحابِ العبَا
يا أيُّها الدَّاعي إلى الحقِّ الذي أحيا لنا ميتَ الأمانِي باللُّها
في معدنِ الحكمةِ رُبِّيتَ وفي بيتِ السَّدادِ والرَّشادِ والتُّقى
محمَّداكَ أحرزا حمدًا لكا والحسنانِ حسنُ مجدٍ وسنَا
وزادك الزيدانِ فخرًا عاليا فوقَ الثُّريَّا والسّماك قد سمَا
ومجدُ إسماعيلَ بذاك قد ذرَا من المعالي قصَّرتْ عنها الذُّرا
أُبوَّةٌ لو لفَّها كواكبٌ لأظلمتْ من دونِها شمسُ الضُّحى
يا جبلَ اللهِ المنيفَ والذي يأوي إليه في الملمَّاتِ العُرى
يؤمُّ أبوابكَ طلاَّبَ الغِنى كما يؤمُّ البيتَ حجَّاجُ مِنى
فكلُّهم من طالبٍ وراغبٍ يؤوبُ عنكَ بالمرادِ والرِّضى
عشتَ رويدًا وابنكَ المهديُّ في ظلِّ السُّرورِ والنَّعيمِ والرَّخا
يُجبى لك الأرض جميعًا حزنُها وسهلُها وأهلُها لك الفِدا
نعمَ النَّصورُ عمركم ونعمَ ما أنتَ له ذخرٌ ونعمَ المُقتقى
فاشْددْ به يدًا فإنَّه لكمْ قصاقصٌ ضُبارمٌ عندَ الحِمى
عمَّا قليلٍ ستراهُ معلِنا في كلِّ منْ ناواكمْ سيفَ الفنَا
هاكَ عروسًا جُليتْ شهيَّةً ذاتَ معانٍ نُظمتْ نظمَ الحُلى
غرَّاءَ كالماءِ الزُّلالِ رقَّةً وطعمُها طعمُ شهادٍ تُجتبى
عروضُ منْ أمسى يقولُ عاتبًا أمَا صحا أمَا انتهى أمَا ارْعوى
وقال بعض بني أسد: ويقال: إنه النَّظَّار الفقعسي، وصف الحية والحمامة والصقر والقطا والفرس. أنشده الأصمعي:
نأتْ دارُ ليلى فشطَّ المزارُ فعيناكَ لا تطعمانِ الكرَى
ومرَّ بفرقتِها بارحٌ فصدَّقَ ذاكَ غرابُ النَّوى
وأضحتْ ببغدانَ في منزلٍ لهُ شرفاتٌ دُوينَ السَّما
وجيشٌ ورابطةٌ حولهُ غلاظُ الرِّقابِ كأُسدِ الشَّرى
بأيديهمُ مُحدثاتِ الصّقالِ سُريجيَّةٌ يختلينَ الطُّلى
ومن دونِها بلدٌ نازحٌ يُجيبُ به البومُ رجعُ الصَّدى
وكم دونَ بيتكَ من ضعَّفٌ ومن أسْودٍ حاجرٍ في مكَا
ومنْ منهلٍ آجنٍ ماؤهُ سدًى لا يُعاجُ به قدْ طمَا
ومن حنشٍ لا يجيبُ الرُّقا ةَ أسمرَ ذي حمَةٍ كالرّشا
أصمَّ صموتٍ طويلِ السُّبا تِ منهرتِ الشّدقِ عاري القرَى
لهُ في اليبيسِ نٌفاثٌ يطيرُ على جانبيهِ كجمرِ الغضَى
وعينانِ حمٌّ مآقيهما تبصَّانِ في هامةٍ كالرَّحا
إذا ما تثاءبَ أبدى لهُ مذرَّبةً عصلًا كالمُدى
كأنَّ حفيفَ الرَّحا جرسهُ إذا اصطكَّ أنيابهُ في الصَّفا
ولو عضَّ حرفيْ صفاةٍ إذًا لأنشبَ أنيابهُ في الصَّفا
كأنَّ مزاحفهُ أنسغٌ حُززنَ فُرادى ومنها ثُنى
وقد شاقَني نوحُ قمريَّةٍ طروبُ العشيِّ هتوفِ الضُّحى
من الورقِ نوَّاحةٍ باكرتْ عسيبَ أشاءٍ بذاتِ الغضَى
تغنَّتْ عليه بلحنٍ لها تهيِّجُ للصب ما قد مضَى
مطوَّقةٍ كُسيتْ زينةً بدعوةِ نوحٍ لها إذا دعَا
فلم أرَ باكيةً مثلَها تبكِّي ودمعتُها لا تُرى
أضلَّتْ فُريخًا فطافتْ لهُ وقد علِقتهُ حبالُ الرَّدى
فلمَّا بدا اليأسُ منهُ بكتْ عليهِ وماذا يردُّ البُكا
[ ٦٠ ]
وقدْ صادهُ ضرمٌ مُلحمٌ خفوقُ الجناحِ حثيثُ النَّجا
حديدُ المخالبِ عاري الوظي فِ ضارٍ من الزُّرقِ فيهِ قنَا
ترى الوحشَ والطَّيرَ من خوفهِ جواحرَ منهُ إذا ما اغْتدى
فباتَ عذوبًا على مرقبٍ بشاهقةٍ صعبةِ المُرتقى
فلمَّا أضاءَ لهُ صبحهُ ونكَّبَ عن منكبيهِ النَّدى
وحتَّ بمخلبهِ قارتًا على خطمهِ منْ دماءِ القطَا
فصعَّدَ في الجوِّ ثم اسْتدا رَ ضارٍ حثيثٌ إذا ما انْصمى
فآنسَ سربَ قطَا قاربٍ جبَا منهلٍ لم تمِحْه الدَّلا
غدونَ بأسقيةٍ يرتوينَ لزغبٍ مطرَّحةٍ بالفلا
يُبادرنَ وردًا فلمْ يرعوينَ على ما تخلَّفَ أو ما ونَى
تذكَّرنَ ذا عرمضٍ طاميًا يجولُ على حافتيهِ الغُثا
بهِ رفقةٌ من قطًا واردٍ وأُخرى صوادرَ عنهُ رِوا
فملأنَ أسقيةً لم يُشنْ بخرزٍ وقد شدَّ منها العرَا
فأقعصَ منهنَّ كدريَّةً فمزَّقَ حيزومَها والحشَا
تخالُ حفيفَ جناحيهِ إذْ تدلَّى من الجوِّ برقًا سنَا
فولَّينَ مجتهداتِ النَّجا جوافلَ في طامساتِ الصّوى
فاُبنَ عطاشًا فسقَّينهنَّ مُجاجاتهنَّ كماءِ السَّلى
فبتنَ يُراطنَّ رقشَ الظُّهو رِ حمرَ الحواصلِ صفرَ اللَّها
فذاكَ وقد أغتدي في الصَّباحِ بأجردَ كالسِّيدِ عبلِ الشَّوى
له كفلٌ أيِّدٌ مشرفٌ وأعمدةٌ لا تشكَّى الوجَى
وأُذنٌ مؤلَّلةٌ حشرةٌ وشِقٌّ رحابٌ وجوفٌ هوَا
ولحيانُ شدَّا إلى منخرٍ رحيبٍ وعوجٌ طوالُ الخُطا
لهُ سبعةٌ طلنَ من بعدِ أنْ قصرنَ له سبعةٌ فاسْتوى
وسبعٌ عرينَ وسبعٌ كُسينَ وخمسٌ رواءٌ وخمسٌ ظمَا
وسبعٌ قربنَ وسبعٌ بعدْ نَ منهُ فما فيهِ عيبٌ يُرى
وسبعٌ غلاظٌ وسبعٌ رقاقٌ وصهوةُ عيرٍ ومتنُ خطَا
حديدُ الثّمانِ عريضُ الثّمانِ شديدُ الصِّفاقِ شديدُ المطَا
وفيهِ منَ الطَّيرُ خمسٌ فمنْ رأى فرسًا مثلهُ يُقتنى
غُرابانِ فوقَ قطاةٍ لهُ ونسرٌ ويعسوبهُ قد بدَا
ويؤثرُ بالزَّادِ قبلَ العيالِ وفي كلِّ مشتاتهِ يُقتفى
قصرْنا لهُ منَ جيادِ اللَّقا حِ خمسًا مجاليحَ كومَ الذُّرى
يُفادى بعضٍّ لهُ دائبًا ونُقفيهِ من حلبٍ ما اشْتهى
فقاظَ صنيعًا فلمَّا شتَا أخذْناهُ بالقودِ حتَّى انْطوى
فهِجنا بهِ عانةً في الغطاطِ خماصَ البطونِ صحاحَ العُجى
فولَّينَ كالبرقِ في نفرهنَّ جوافلَ يكسرنَ صمَّ الصَّفا
فصوَّبهُ العبدُ في إثرِها فطورًا يغيبُ وطورًا يُرى
فجدَّلَ خمسًا فمنْ مقعصٍ وشاصٍ كراعاهُ دامِي الكُلى
وثِنتانِ خضخضنَ قُصيبهُما وثالثةٌ نشجتْ بالدِّما
فرُحنا بصيدٍ إلى أهلِنا وقد جلَّلَ الأرضَ ثوبُ الدُّجى
وبتْنا نقسِّمُ أعضاءهُ لجارٍ ويأكلهُ منْ عفَا
ورحْنا مثلَ وقفِ العرُو سِ أهيفَ لا يتشكَّى الوجَى
وباتَ النِّساءُ يعوِّذنهُ ويأكلنَ من صيدهِ المُشتوى