قوله تعالى:) أصحابُ الجنَّةِ يومئذٍ خيرٌ مستقرًّا وأحسنُ مقيلا (، سأل بعضهم فقال: إذا كان أفعل في باب التفضيل موضوعة بأن جيء لتفضيل واحد على جماعة هو فيها، فكيف مورد الآية وأهل الجنة لا مشاركة بينهم وبين أهل النار في شيء يقع فيه التفضيل.
اعلم أن الفرَّاء قال في هذا: أهل الكلام إذا اجتمع لهم أحمق وعاقل، لم يستجيزوا أن يقولوا: هذا أحمق الرجلين، ولا أعقل الرجلين، ويقولون: لا نقول هذا أعقل الرجلين إلاّ لعاقلين، يفضل أحدهما على صاحبه، وقد سمعنا قول الله تعالى:) خيرٌ مستقرًّا (فجعل أهل الجنة خيرًا مستقرًا من أهل النار، وليس في مستقر أهل النار شيء من الخير، فأعرف ذلك من خطابهم، انتهى كلام الفراء، والطريقة في الآية أن المراد أصحاب الجنة أزيد استقرارًا في الخيرية من أن يوازنوا وأنفع مبادلة من أن يكايلوا، وهذا على التفخيم لأمرهم، والتعظيم لشأنهم، فأما تفضيل أحد الشيئين على الآخر، وادِّعاء الزيادة له في معنى لا يحصل في الآخر منه شيء البتة، فبعيد في العرف والعقل جميعًا، لارتفاع اللُّبس منه، وظهور الحال فيه، وسقوط الفائدة في الإخبار به، ألا ترى أن قائلًا لو قال: العسل أحلى من الصبر، أو الخل أحمض من السكر لاستُخفَّ خبره، إذ لم يكن في الصبر حلاوة بوجه من الوجوه، فيقال بفضلها حلاوة العسل، ولا في السكر حموضة فيدعي أن حموضة الخل أزيد منها، فاعلمه.