قوله تعالى:) وإذا قيلَ لهم ماذا أنزلَ ربَّكمْ قالوا أساطيرُ الأولين (، حكى أبو عمر الجرمي في هذا أنه سمع أبا زيد الأنصاري يقول فيه: لم يعترفوا، ومعنى هذا أنهم لما قيل لهم:) ماذا أنزل ربكم (لم يعترفوا بالإنزال فيه، ولكن أعرضوا عن الجواب وقالوا: هو) أساطيرُ الأولين (وليس بمنزل، فلا يكون على هذا محمولًا على أنه خبر المبتدأ الذي هو الذي، كأنه قال: الذي أنزل أساطير الأولين، ولكنهم تركوا البناء على هذا ولأضمروا هو معرضين عن السؤال، وقائلين: هو أساطير الأولين، لأنهم دفعوا أن يكون منزلًا.
ويجوز أن يحمل على وجه آخر، وهو: أن يكون أساطير مبتدأ، وخبره مضمر، كأنه قال: أساطير الأولين أنزله عندكم وفي اعتقادكم، فأخرج الكلام مخرج الحكاية عنهم، كما قال في موضع آخر: يا أيُّها الساحر ادعُ لنا ربَّك على حكاية كلامهم.
ومثل الرفع في أساطير قولك للرجل: ماذا رأيت؟ فيقول: خيرٌ، وفي جواب: كيف أصبحت؟ صالحٌ. وقول لبيد بن ربيعة على هذا:
ألا تسألانِ المرء ماذا يحاولُ أنحبٌ فيقضى أم ضلالٌ وباطلُ
[ ٢٠ ]
ولماذا موضع آخر، وهو أن يجعل ذا مع ما بمنزلة اسم واحد، كما جعلوا ما وإن حرفًا حين قالوا: إنما وكأنما وحيثما في الجزاء، وعلى هذا قوله تعالى:) ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا (، أي: أيُّ شيء أنزل ربكم؟ فقالوا: أنزل خيرًا.
وأنشدنا أبو علي الفارسيّ ﵀ في جعل ذا مع ما بمنزلة اسم، قول جرير:
يا خزرَ تغلبَ ماذا بالُ نسوتكمْ لا يستفقنَ إلى الدَّيرينِ تحنانا
وقال: أترى أنه لا يحتمل في معنى البيت أن يجعل ما بمعنى الذي على وجه من الوجوه.