وزعموا أن كبيس بن جابر بن قطن بن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة كان عارض أمة لزرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك بن حنظلة يقال لها رشية، وكانت سبية أصابها زرارة من الرفيدات، ورفيدة قبيلة من كلب «٤» فولدت له عمرا وذؤيبا وبرغوثا فمات كبيس وترعرعت الغلمة، فقال لقيط بن زرارة: يا رشيّة من أبو هؤلاء؟ قالت: كبيس بن جابر، وكان لقيط عدوا لضمرة بن جابر أخي كبيس «٥»، قال: فاذهبي بهؤلاء الغلمة واقصدي «٦» بهم وجه ضمرة وأخبريه من هم، فانطلقت بهم إلى ضمرة فقال؛ ما هؤلاء؟ قالت:
هم بنو أخيك كبيس بن جابر، فانتزع منها الغلمة- ثم قال: الحقي بأهلك، فرجعت فأخبرت أهلها الخبر، فركب زرارة وكان حليما حتى أتى بني نهشل فقال: ردّوا عليّ غلمتي، فشتمه بنو نهشل وأهجروا له، فلما رأى ذلك انصرف حتى أتى قومه فقالوا له: ما صنعت، قال: خيرا، والله ما زال يستقبلني بنو عمي بما أحبّ حتى انصرفت عنهم من كثر ما أحسنوا إلي، ثم مكث عاما ثم أتاهم فأعادوا عليه أسوأ ما كانوا فعلوا، فانصرف، فقال له قومه: ما صنعت؟ قال: خيرا، قد أحسن إليّ بنو عمي وأجملوا، فمكث كذلك سبع سنين يأتيهم كلّ سنة فيردونه أسوأ الردّ، فبينما بنو نهشل يسيرون ضحى إذ لحق بهم لاحق فأخبرهم أن زرارة قد مات، فقال ضمرة: لنسائه: قمن أقسم بينكنّ الثكل، وكانت عنده هند بنت كرب بن صفوان بن شجنة بن عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وامرأة سبية يقال لها
[ ٢٩ ]
خليدة من بني عجل، وسبية من بني عبد القيس، وسبية من الأزد من بني طمثان، فكان لهن أولاد، غير خليدة، فقالت لهند- وكانت لها مصافية: ولي الثكل بنت غيرك «١» فأرسلتها مثلا.
فأخذ ضمرة شقة بن ضمرة وأمه هند، وشهاب بن ضمرة وأمه العبدية، وعنوة بن ضمرة وأمه الطمثانية، فأرسلهم إلى لقيط بن زرارة فقال: هؤلاء رهن لك بغلمانك حتى أرضيك منهم، فلما وقع بنو ضمرة في يدي لقيط أساء ولايتهم وجفاهم وأهانهم، فقال في ذلك ضمرة بن جابر «٢»:
صرمت إخاء شقة يوم غول وإخوته فلا حلّت حلالي
كأني إذ رهنت بنيّ قومي دفعتهم إلى الصّهب السبال
فلم أرهنهم بدمي ولكن رهنتهم بصلح أو بمال
صرمت إخاء شقة يوم غول وحقّ إخاء شقة بالوصال «٣»
يريد إخائي شقة فحذف الياء، فأجابه لقيط بن زرارة:
أبا قطن إني أراك حزينا وإنّ العجول لا تبالي خدينا «٤»
أفي أن صبرتم نصف عام بحقّنا «٥» وقبل صبرنا نحن سبع سنينا
العجول: التي مات ولدها وقال ضمرة بن جابر:
لعمرك إنني وطلاب حبّى وترك بنيّ في الشطر الأعادي
لمن نوكى الشيوخ وكان مثلي إذا ما ضلّ لم ينعش بهادي «٦»
ثم إن بني نهشل طلبوا إلى المنذربن ماء السماء أن يطلبهم إلى لقيط، فقال لهم المنذر: نحوا عني وجوهكم، ثم أمر بخمر وطعام، ثم دعا لقيطا فأكلا وشربا، حتى [إذا] أخذت الخمر فيهما قال المنذر للقيط: يا خير الفتيان ما تقول في رجل اختارك الليلة على ندامى مضر؟ قال: وما أقول فيه؟ أقول إنه لا يسألني الليلة شيئا إلا أعطيته إياه غير الغلمة، قال له المنذر: وما الغلمة؟ أما إذا استثنيت فلست قابلا منك حتى تعطيني كلّ شيء طلبته، قال: فذلك لك، قال: فإني أسألك الغلمة أن تهبهم لي، قال: سلني غيرهم، قال: ما أسألك غيرهم، فأرسل لقيط إليهم فدفعهم إلى المنذر، فلما أصبح لأمه
[ ٣٠ ]
أصحابه فقال لقيط في المنذر:
إنك لو غطّيت أرجاء هوة مغمسة لا يستبان ترابها
أرجاء البئر؛ نواحيها، والهوة: البئر، مغمسة: خفية مظلمة.
بثوبك في الظلماء ثم دعوتني لجئت إليها سادرا لا أهابها
وأصبحت موجودا عليّ ملوّما كأن نضيت عن حائض لي ثيابها «١»
قوله: يطلبهم إلى لقيط يقال أطلبني حاجتي أي [أسعفني على] طلبها، وأحلبني أي أعنيّ على الحلب، وألمسني حاجتي أي التمس معي، وقوله: نضيت يقال نضا الرجل ثوبه إذا نزعه، قال امرؤ القيس بن حجر الكندي:
تقول وقد نضت لنوم ثيابها لدى الستر إلا لبسة المتفضّل
وأرسل المنذر إلى الغلمة وقد مات ضمرة، وكان ضمرة صديقا له، فلما دخل عليه الغلمة وكان يسمع بشقة ويعجبه ما يبلغه عنه، فلما رآه المنذر قال: تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه «٢» فأرسلها مثلا- قال الكسائي: الطوسيّ يشدد الدال ويقول المعدّي ينسبه إلى معدّ- قال له شقة:
أسعدك إلهك إنّ القوم ليسوا بجزر- يعني الشاء- إنما يعيش المرء بأصغريه، بقلبه ولسانه، والجزر: جمع جزرة وهي الشاة، فأعجب الملك كلامه وسرّه كلّ ما رأى منه فسماه ضمرة باسم أبيه، فهو ضمرة بن ضمرة، وذهب قوله إنما يعيش الرجل بأصغريه «٣» مثلا.