زعموا أن السليك بن السلكة التميمي «١» ثم أحد بني مقاعس، - ومقاعس: الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة-[كان] من أشد فرسان العرب وأنكرهم وأشعرهم، وكانت أمه سوداء، وكانوا يدعونه سليك المقانب، - والمقنب ما بين الثلاثين إلى الخمسين- وكان أدلّ الناس بالأرض، وأجودهم عدوا على رجليه لا تعلق به الخيل، زعموا أنه كان يقول «٢»:
اللهم إنك تهيء ما شئت لما شئت، اللهم إني لو كنت ضعيفا كنت عبدا، ولو كنت امرأة كنت أمة، اللهم إني أعوذ بك من الخيبة، فأما الهيبة فلا هيبة، أي لا أهاب أحدا.
فذكر أنه افتقر حتى لم يبق له شيء، فخرج على رجليه رجاء أن يصيب غرة من بعض من يمر عليه فيذهب بابله، حتى أمسى في ليلة باردة مقمرة من ليالي الشتاء، فاشتمل الصماء- واشتمال الصماء أن يردّ فضل ثوبه على عضده اليمنى ثم ينام عليها- فبينا هو نائم إذ جثم عليه رجل «٣» من الليل فقعد على جنبه فقال:
استأسر، فرفع السليك إليه رأسه فقال: إن الليل طويل وأنت مقمر «٤» فأرسلها مثلا.
ثم جعل الرجل يلهزه ويقول: يا خبيث استأسر استأسر، فلما آذاه بذلك أخرج السليك يده فضمّ الرجل ضمة إليه ضرط منها وهو فوقه فقال له السليك: أضرطا وأنت الأعلى، «٥» فأرسلها مثلا.
ثم قال له السليك: من أنت؟ قال: أنا رجل افتقرت فقلت لأخرجن فلا أرجعنّ حتى استغني فآتي أهلي وأنا غنيّ، قال:
فانطلق معي. قال: فانطلقا حتى وجدا رجلا قصته مثل قصتهما، فاصطحبوا جميعا، حتى آتوا الجوف- جوف مراد الذي باليمن- فلما أشرفوا على الجوف، إذ بنعم قد ملأ كلّ شيء من كثرته، فهابوا أن يغيروا فيطردوا بعضها فيلحقهم الحيّ، فقال لهما السليك: كونا قريبا حتى آتي الرعاء فاعلم لكم علم الحيّ أقريب أم بعيد، فإن كانوا قريبا رجعت اليكما، وإن كانوا بعيدا قلت لكما قولا أوحي به لكما،
[ ٣٦ ]
فأغيروا؛ فانطلق حتى أتى الرعاء فلم يزل يتسقطهم حتى أخبروه بمكان الحيّ، فإذا هم بعيد إن طلبوا لم يدركوا، فقال لهم السليك: ألا أغنيكم؟ فقالوا: بلى، فتغنى بأعلى صوته فقال «١»:
يا صاحبيّ الا لا حيّ بالوادي إلا عبيد وآم بين أذواد
آم: جمع أمة إلى العشر، ثم إماء لما بعد العشر.
أتنظران قليلا ريث غفلتهم أم تعدوان فإن الريح للعادي «٢»
فلما سمعا ذلك أتيا السليك فاطردوا الإبل فذهبوا بها فلم يبلغ الصريخ إلى الحيّ حتى مضوا بما معهم.
وزعموا أن السليك خرج ومعه عمرو وعاصم ابنا سري بن الحارث بن امرىء القيس بن زيد مناة بن تميم يريد أن يغير في أناس من أصحابه، فمر على بني شيبان «٣» في ربيع والناس مخصبون في عشية فيها ضباب ومطر، فإذا هو ببيت قد انفرد من البيوت عظيم، وقد أمسى، فقال لأصحابه: كونوا بمكان كذا وكذا حتى آتي أهل هذا البيت فلعلي أصيب لكم خيرا أو آتيكم بطعام، قالوا: فافعل، فانطلق وقد أمسى وجنّ عليه الليل، فإذا البيت بيت يزيد بن رويم الشيباني، وهو جد حوشب بن يزيد [بن الحارث بن يزيد] بن رويم، وإذا الشيخ وامرأته بفناء البيت، فأتى السليك البيت من مؤخره فدخله، فلم يلبث أن أراح ابن له ابله، فلما أن أراحها غضب الشيخ وقال لابنه: هلا كنت عشيتها ساعة من الليل؟! فقال ابنه: إنها أبت العشاء، فقال: العاشية تهيج الآبية «٤» فأرسلها مثلا.
العاشية: التي تتعشى، تهيج بي العشاء فيتعشى معها.
ثم غضب الشيخ فنفض ثوبه «٥» في وجوهها فرجعت إلى مرتعها وتبعها الشيخ حتى مالت لأدنى روضة فرتعت فيها، وجلس الشيخ عندها للعشاء فغطى وجهه في ثوبه من البرد، وتبعه السليك، فلما وجد الشيخ مغترا ختله من ورائه ثم ضربه فأطار رأسه وصاح بالإبل فاطردها، فلم يشعر أصحابه- وقد ساء ظنهم به وتخوفوا عليه- حتى إذا هم بالسليك يطردها، فطردوها معه فقال السليك «٦»:
[ ٣٧ ]
وعاشية رجّ بطان ذعرتها بصوت قتيل وسطها يتسيّف «١»
فبات لها أهل خلاءفناؤهم ومرّت بهم طير فلم يتعيفوا «٢»
وباتوا يظنون الظنون وصحبتي إذا ما علوا نشزا أهلّوا وأوجفوا «٣»
وما نلتها حتى تصعلكت حقبة وكدت لأسباب المنية أعرف «٤»
وحتى رأيت الجوع بالصيف ضرّني إذا قمت يغشاني ظلال فأسدف «٥»