وزعموا أن عبد شمس بن سعد بن زيد مناة، وكان يلقب مقروعا، عشق الهيجمانة بنت العنبر بن عمرو بن تميم، فطرد عنها وقوتل، فجاء الحارث بن كعب بن سعد بن زيد مناة ليدفع عن عمه فضرب على رجله فقطعت وشلت، فسمي الأعرج، فسار إليه عبشمس بن سعد في بني سعد فأناخ إلى العنبر بن عمرو ابن تيم ومازن بن مالك ابن عمرو بن تميم وغيلان بن مالك بن عمرو بن تميم يسألونهم أن يعطوهم بحقهم من رجل الأعرج، فضرب بنو عمرو بن تميم عليهم قبة، فقال لهم عبشمس: أن يرح إليكم مازن مترجلا وقد لبس ثيابه وتزين لكم فظنوا به شرا، وأن جاءكم شعث الرأس خبيث النفس فإني أرجو أن يعطوكم بحقكم. فلما كان بالعشيّ راح إليهم مازن مترجلا قد لبس ثيابه وتزين لهم، فارتابوا به، فتحدّث عندهم، فلما راح النّعم دسّ عبشمس بعض أصحابه إلى الرعاء ليسمع ما يقولون، فسمع رجلا من الرعاء يقول:
لا نعقل الرجل ولا نديها حتى نرى داهية تنسيها
أو يسف في أعينها سافيها
وكان غيلان بن مالك قد قال هذين البيتين قبل ذلك، فقال عبشمس حين خبره رسوله بما سمع وجن عليهم الليل: برزوا رحالكم، وكانوا ناحية، ففعلوا وتركوا قبتهم، فنادى مازن وأقبل إلى القبة: ألا حي بالقرى، فإذا الرجال قد جاءوا عليهم السلاح حتى اكتنفوا القبة، فإذا هي خالية وليس فيها أحد منهم، وهرب بنو سعد على ناحيتهم.
ثم إن عبشمس جمع لبني عمرو وغزاهم، فلما كان بعقوتهم ليلا نزل في ليلة ذات ظلمة ورعد وبرق، فأقام بمنزلة حتى يصبّحهم صباحا، فقام يحوطهم من الليل، وكانت بنت عمرو معجبة به، وكان معجبا بها، قد عرف ذلك منهما، وكانت عاركا- وكانت العارك في ذلك الزمان تكون في بيت على حدة ولا تخالط أهلها- فأضاء لها البرق فرأت ساقي مقروع، فأتت أباها تحت الليل فقالت: إني لقيت ساقي عبشمس في البرق فعرفته، فأرسل العنبر إلى بني عمرو فجمعهم، فلما أتوه
[ ٤٩ ]
خبرهم الخبر فقال مازن: حنّت ولا تهنّت وأني لك مقروع «١» فأرسلها مثلا، وقد كانوا يعرفون إعجاب كلّ واحد منهما لصاحبه. ثم قال مازن للعنبر: ما كنت حقيقا أن تجمعنا لعشق جارية. ثم تفرقوا فقال لها العنبر: لا رأي لمكذوب «٢» فأرسلها مثلا، فأخبريني واصدقيني، قالت:
يا أبتاه ثكلتك أمك أن لم أكن رأيت مقروعا، فانج ولا أظنك ناجيا «٣» فأرسلتها مثلا، فنجا العنبر من تحت الليل وصبّحتهم بنو سعد وقتلوا منهم ناسا فيهم غيلان بن مالك وهو الذي قال: لا نعقل الرجل ولا نديها، فجعلت بنو سعد تحثو في عينه التراب وهو قتيل ويقولون: تحلل غيل «٤» فذهب قولهم مثلا.
يقول تحلل من يمينك، وغيل غيلان، فرخم.
ثم إن عبشمس اتبع العنبر حتى أدركه وهو على فرسه وعليه إداته وهو يسوق أبله فقال له عبشمس: دع أهلك فإن لنا وإن لك، فقال العنبر: لا ولكن من تقدم منعته ومن تأخر عقرته، فجعل إذا تأخر شيء عقره، فدنا منه عبشمس فلما رأته الهيجمانة نزعت خمارها وكشفت عن وجهها وقالت: يا عبشمس نشدتك الرحم لما وهبته لي، فقال: لقد خفتك على هذه منذ الليلة، فوهبه لها. وقال ذؤيب صاحب راية عمرو في حروبها:
يا كعب إن أخاك منحمق فاشدد إزار أخيك يا كعب
أتجود بالدم ذي المضنة في ال جلّى وتلوي الناب والسقب «٥»
تلوي: تتبع، الناب: المسنة من النوق، والسقب: ولد الناقة.
تنبو المناطق عن جنوبهم وأسنة الخطيّ لا تنبو
إني حلفت فلست كاذبه حلف الملبّد شفّه النحب
[ ٥٠ ]
ينفكّ عندي الدهر ذو خصل نهد الجزار منهب غرب
الجزارة: القوائم، ويقال فرس غرب وفرس بحر وفرس سكب «١» إذا كان كثير الجري.
يشتدّ حين يريد فارسه شذّ الجداية غمها الكرب
الجداية: الظبية، وهي من الظباء مثل الصناق من المعز.
الآن إذ أخذت مآخذها وتباعد الانساع والقرب
أي بعد أن وقعت العداوة يسعى في الصلح، أي ليس هذا من أوانه فحارب الآن ولا تبال.
أقبلت تعطي خطة غبنا وتركتها ومسدّها رأب
جانيك من يجني عليك وقد تعدى الصحاح فتجرب الجرب
والحرب قد تضطرّ جانيها إلى المضيق ودونه الرحب
يروي غير ابن الأعرابي تعدي الصحاح مبارك الجرب، وأراد مباركا فترك الألف لأن اللفظة لا تجري.