في
ذمّ الدنيا والزهادة فيها
وتقلّب أحوالها بأهاليها
وما
قيل من تنبيه ووعظ
٦١٧ - قيل لأعرابيّ: صف الدّنيا. فقال: جمّة المصائب، سريعة النوائب، كثيرة العجائب.
٦١٨ - وذكر المدائنيّ قال: كتب مطرّف إلى عمر بن عبد العزيز ﵁: أمّا بعد، فإنّ الدّنيا دار عقوبة، لها يجمع من لا عقل له، وبها يغترّ من لا علم له، فكن فيها كالمداوي جرحه، واصبر على شدّة [الدّواء] (١)،
_________________
(١) مروج الذهب ٤/ ٢٠ (٢١٨١).
(٢) ما بين حاصرتين من مروج الذهب.
[ ٢٣٦ ]
لما تخاف من عاقبة الداء.
٦١٩ - وقيل للحسن البصريّ: كيف ترى الدّنيا؟ قال: شغلني توقّع بلائها عن الفرح برخائها.
٦٢٠ - وقال رجل لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، وهو يخطب: صف الدّنيا. فقال: ما أصف من دار أوّلها عناء، وآخرها فناء، في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب. من صحّ منها أمن، ومن مرض فيها ندم، ومن استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن.
٦٢١ - أبو الفرج السّاويّ:
هي الدّنيا تقول بملء فيها حذار حذار من بطشي وفتكي
فلا يغرركم حسن ابتسامي فقولي مضحك والفعل مبكي
٦٢٢ - وقيل: كتب [الإسكندر] (١) ملك الشّرق والغرب لأرسطاطاليس: اكتب لي بعظة موجزة تنفع وتردع. فكتب إليه: إذا استولت (٢) عليك السّلامة فجدّد ذكر العطب، وإذا أهنأتك العافية فحدّث نفسك بالبلاء، وإذا اطمأنّ بك الأمن فاستشعر الخوف، وإذا بلغت نهاية الأمل فاذكر الموت، وإذا أحببت نفسك فلا تجعل لها في الدّنيا نصيبا.
_________________
(١) العقد الفريد ٣/ ١٧٢، ومحاضرات الأدباء ٢/ ١٦٥.
(٢) أحسن ما سمعت ٨٩، ويتيمة الدهر ٣/ ٣٦١، قال أبو منصور الثعالبي فيه: أشهر كتّاب الصاحب بحسن الخط مع أخذه من البلاغة بأوفر الحظ. . . وأما شعره فمن أمثل شعر الكتاب كقوله في مرثية فخر الدولة. . . انتهى. والسّاوي نسبة إلى ساوه بلدة بين الري وهمذان.
(٣) محاضرات الأدباء ٢/ ١٦٦.
(٤) ما بين معقوفين بياض في الأصل، مستدرك من محاضرات الأدباء.
(٥) في محاضرات الأدباء: استوت.
[ ٢٣٧ ]
٦٢٣ - ابن الرّومي:
لما تؤذن الدّنيا به من صروفها يكون بكاء الطّفل ساعة يولد
وإلاّ فما يبكيه منها وإنّها لأفسح ممّا كان فيه وأرغد
٦٢٤ - لغيره:
أرى طالب الدّنيا وإن طال عمره ونال من الدّنيا سرورا وأنعما
كبان بنى بيتا له فأتمّه فلما استوى ما قد بناه تهدّما
٦٢٥ - وقيل: باع عبد الله بن العباس أرضا بثمانين ألفا، فقيل له: لو اتخذت لولدك من هذا المال ذخرا. فقال: أنا أجعل هذا المال ذخرا عند الله، وأجعل الله ذخرا لولدي، وقسّم المال، وتصدّق به.
٦٢٦ - وقيل: دخل عمرو بن عبيد (١) على المنصور، وكان إذا دخل أرسل إلى المهديّ ليسمع كلامه. فتكلّم عنده إلى أن خرج إلى ذكر الشّعر، فقال له المنصور: أنشدني أبياتا حسانا. فقال (٢):
يا أيّهذا الذي قد غرّه الأمل ودون ما تأمل التّنغيص والأجل (٣)
أما ترى إنّما الدّنيا وزينتها كمنزل الحيّ دارا نمت فارتحلوا (٤)
حتوفها رصد وعيشها نكد وصفوها كدر وملكها دول
تظلّ تقرع بالرّوعات ساكنها فما يسوغ لهم لين ولا جدل
_________________
(١) الديوان ٢/ ٥٨٦ من قصيدة يمدح بها صاعد بن مخلد مطلعها: أبين ضلوعي جمرة تتوقد على ما مضى أم حسرة تتجدّد
(٢) في الأصل عبد، وعمرو بن عبيد بن باب التيمي بالولاء، أبو عثمان الحيري، شيخ المعتزلة ومفتيها، وأحد الزهاد المشهورين، وله أخبار مع المنصور العباسي، توفي قرب مكة بمرّان سنة ١٤٤ هـ. ورثاه المنصور بأبيات. انظر تاريخ بغداد ١٢/ ١٦٦، ووفيات الأعيان ٣/ ٤٦٠، والأعلام.
(٣) الأبيات في تاريخ بغداد ١٢/ ١٦٦، ومروج الذهب ٤/ ١٥٨ (٢٤١٩).
(٤) في الأصل: فأنت ما تأمل. والمثبت من تاريخ بغداد، ومروج الذهب.
(٥) في تاريخ بغداد، ومروج الذهب: كمنزل الركب حلوا ثمّت ارتحلوا.
[ ٢٣٨ ]
كأنّها للمنايا والرّدى رصد تظلّ فيها بنات الدّهر تنتضل (١)
يديره ما أدارته دوائرها منها المصيب ومنها المخطئ الزّلل
والمرؤ يسعى وما يسعى لوارثه (٢) والقبر وارث ما يسعى به الرّجل
قال: فرأيت وجهه قد تغيّر، وقال: هكذا الدّنيا. ومرض المنصور ثم برئ، وإذا هاتف يهتف جوف الليل:
أتطمع أن تبقى وتترك سالما وهيهات ما للمرء في ذاك مطمع
ألم تر عادا كيف أضحت ديارها ومن بعد عاد كيف دمّر تبّع
٦٢٧ - وقيل: لبس سليمان بن عبد الملك في يوم جمعة من ولايته لباسا تشهّر به (٣)، وتعطّر، ودعا بتخت (٤) فيه عمائم، وبيده مرآة فلم يزل يتعمّم بواحدة بعد أخرى حتى رضي بواحدة منها، وأرخى سدولها، وأخذ بيده مخصرة، وعلا منبره (٥) ناظرا في عطفيه، وجمع حشمه، وخطب خطبته التي أرادها، فأعجبته نفسه، وقال: أنا الملك الوهّاب الكريم المجاب (٦).
فتمثّلت له جارية من جواريه، وكان يتحظّاها، فقال لها: كيف ترين أمير المؤمنين؟ قال: أراه منى النّفس، وقرّة العين لولا ما قال الشّاعر. قال:
وما قال؟ قالت: قال (٧):
أنت نعم البقاء لو كنت تبقى (٨) غير أن لا بقاء للإنسان
_________________
(١) في تاريخ بغداد، ومروج الذهب: كأنه للمنايا والردى غرض. وتنتضل: تتبارى في الرمي. انظر القاموس (نضل).
(٢) في تاريخ بغداد (بما) وفي مروج الذهب (لما يسعى).
(٣) مروج الذهب ٤/ ٨ (٢١٥٧)، والهفوات النادرة ٣٦. ومختصر تاريخ دمشق ١٠/ ١٧٥.
(٤) في مروج الذهب: لباسا تستريّا.
(٥) التّخت: وعاء يصان فيه الثياب. القاموس (تخت).
(٦) في الأصل: متنزها. والمثبت من مروج الذهب.
(٧) في الأصل: الحجاب. وفي مروج الذهب: أنا الملك الشاب، السيد المجاب، الكريم الوهاب.
(٨) البيتان لموسى شهوات، وهما في الأغاني ٣/ ٣٦٠.
(٩) في مختصر تاريخ دمشق: أنت نعم المتاع.
[ ٢٣٩ ]
ليس أنّا يريبنا فيك عيب علم الله غير أنّك فان (١)
فدمعت عيناه، وخرج إلى النّاس، فلمّا عاد دعا (٢) بالجارية، فقال: ألا ما قلت لأمير المؤمنين؟ فقالت: ما رأيت أمير المؤمنين، ولا دخلت عليه.
فأكبر ذلك، ودعا بقيّة جواريه فصدّقنها في قولها. فراع ذلك سليمان، ولم يمكث بعدها قليلا حتى مات.
٦٢٨ - وقال هشام لأبي حازم: عظني. قال: آمرك بكلمتين ولك الجنّة. فكان متّكئا فاستوى جالسا، قال: احتمال ما تكره فيما يحبّ الله، واجتناب ما تحبّ فيما يكره الله.
٦٢٩ - وقيل: دخل أبو حازم الأعرج على سليمان بن عبد الملك، فقال له سليمان: ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنّكم عمّرتم دنياكم، وأخربتم آخرتكم، فأنتم تكرهون النّقلة من العمران إلى الخراب. قال: فأخبرني كيف القدوم؟ قال: أمّا المحسن فالغائب أتى أهله مسرورا، وأمّا المسيء فالعبد الآبق يأتي مولاه محزونا. قال: فأيّ الأعمال أفرض؟ قال: أداء الفرائض مع اجتناب المحارم. قال: فأيّ القول أعدل؟ قال: كلمة حقّ عند من تخاف وترجو. قال: فأيّ النّاس أعقل؟. قال: من عمل بطاعة الله.
قال: فأيّ النّاس أجهل؟ قال من باع آخرته بدنيا غيره. قال عظني وأوجز.
قال: يا أمير المؤمنين، احذر (٣) ربّك أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث
_________________
(١) لهذا البيت روايات مختلفة. ففي مروج الذهب: يريبنا منك شيء. وفي الهفوات: أنت خلو من العيوب ومما يكره الناس إلا أنّك فان
(٢) في مروج الذهب: فلما فرغ من خطبته وصلاته دعا بالجارية. والعبارة في الأصل: فلما عاد عاد بالجارية.
(٣) انظر الحلية ٣/ ٢٤١.
(٤) حلية الأولياء ٣/ ٢٣٤، وبعض الخبر في عيون الأخبار ٢/ ٣٧٠، والأجوبة المسكتة ٤٨.
(٥) كتبت كلمة (احذر) قريبا من الهامش، وفوقها كلمة (لعلها).
[ ٢٤٠ ]
أمرك. فبكى سليمان بكاء شديدا، فلما خرج أبو حازم، أنفذ له بمال، فردّه، وقال للرسول: قل له: ما لا أرضاه لك كيف أرضاه لنفسي!؟
٦٣٠ - ابن الجوزي الواعظ (١):
دار سوء أعطشت أحبابها وبحار الرّيّ فيها قد طمت
أرضعت أبناءها حتّى إذا ما حلا الإرضاع منها فطمت
قبلت خاطبها حتّى إذا عقد العقد عليها لطمت
٦٣١ - وقيل: سعي إلى المتوكّل بأبي الحسن عليّ بن محمّد (٢) أنّ في منزله سلاحا وكتبا وغيرها من أهل قم وغيرهم من شيعته والقائلين بإمامته، وأنّه قد عزم بالخروج والوثوب بالدّولة في دار الملك. فوجّه المتوكل إليه ليلا بعدّة من الأتراك وغيرهم ممّن هجم عليه في منزله على غفلة، فوجد في بيت مغلق عليه وحده، وعليه مدرعة صوف من الشّعر، ولا بساط في البيت إلا الرّمل والحصى، وعلى رأسه ملحفة من الصّوف، وهو متوجّه إلى ربّه يتلو آيات الله تعالى في الوعد والوعيد فأخذ كهيئة ما وجد عليه، وحمل إلى المتوكّل في جوف الليل، والمتوكّل يشرب، وفي يده كأس، فلما رآه أعظمه وأجلسه إلى جانبه، ولم يكن وجد في منزله شيء ممّا قيل عنه، ولا حالة يتعلّق بها عليه (٣). فناوله المتوكّل الكأس
_________________
(١) عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي، أبو الفرج، علامة عصره في التاريخ والحديث، كثير التصانيف، مولده ووفاته في بغداد، ونسبته إلى «مشرعة الجوز» من محالها، له نحو ثلاث مئة مصنف. توفي سنة ٥٩٧ هـ. الأعلام.
(٢) مروج الذهب ٥/ ١٢ (٢٨٩٠) وفيات الأعيان ٣/ ٢٧٢.
(٣) علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الحسن العسكري عاشر الأئمة الاثني عشر عند الإمامية، وأحد الأتقياء الصلحاء، ولد بالمدينة ووشي به إلى المتوكل فاستقدمه بغداد وأنزله في سامراء، وكانت تسمى مدينة العسكر، لأن المعتصم لما بناها انتقل إليها بعسكره فنسب إليها، وتوفي بسامراء سنة ٢٥٤ للهجرة. الأعلام.
(٤) في مروج الذهب: ولا حالة يتعلّل عليه بها.
[ ٢٤١ ]
الذي كان في يده. فقال: يا أمير المؤمنين، ما خامر لحمي ودمي قطّ فاعفني. فأعفاه، ثم قال: أنشدني شعرا. فقال: إنّي لقليل الرّواية للأشعار. فقال: لا بدّ. فأنشده (١):
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم غلب الرّجال فلم تنفعهم القلل
واستنزلوا بعد عزّ من أماكنهم وأودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما قبروا أين الأسرّة والتّيجان والحلل (٢)
أين الوجوه التي كانت منعّمة من دونها تضرب الأستار والكلل (٣)
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم تلك الوجوه عليها الدّود تقتتل
قد طالما أكلوا دهرا وما شربوا فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا
قال: فأشفق من حضر على عليّ بن محمد، وظنّوا أنّ بادرة ستبدر إليه من المتوكّل، فو الله لقد بكى المتوكّل بكاء طويلا حتى بلّ لحيته بدموعه، وبكى من حضره، وأمر برفع الشّراب، وقال: يا أبا الحسن، لقد ليّنت منّا قلوبا قاسية، وذكّرتنا ما أنساناه النّعم، فأقسم بالله عليك، أعليك دين؟ فقال: نعم، أربعة آلاف درهم. فأمر بدفعها إليه، وأمر بردّه إلى منزله من ساعته مكرما.
٦٣٢ - عديّ بن زيد العبادي:
_________________
(١) جاء في عيون الأخبار ٢/ ٣٠٣: بلغني أنه قرئ على قبر في الشام. وفي المستطرف (٥١٣) قال وهب بن منبه: أصبت على قصر غمدان، وهو قصر سيف بن ذي يزن بأرض صنعاء اليمن، وكان من الملوك الأجلّة، مكتوبا بالقلم المسندي فترجم بالعربي، فإذا هي أبيات جليلة، وموعظة عظيمة جميلة، وهي هذه الأبيات:. . . والأبيات في الحماسة المغربية ٢/ ١٤٠٧.
(٢) في الأصل: والكلل. والمثبت من مصادر الخبر.
(٣) في الأصل: والحلل. والمثبت من مصادر الخبر. والكلل: جمع كلّة وهي الستر الرقيق يتوقى به البعوض، ويسمّى الناموسيّة. متن اللغة (كلل).
(٤) الديوان صفحة ٨٧، من قصيدة مطلعها: أرواح مودّع أم بكور لك فاعلم لأي حال تصير قالها في السجن مستعطفا النعمان بن المنذر.
[ ٢٤٢ ]
أيّها الشّامت المعيّر بالد هر أأنت المبرّأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من ال أيّام أم أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون أخلدن أم من ذا عليه [من] أن يضام خفير (١)
أين كسرى الملوك أنوشروا ن أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك الر وم لم يبق منهم مذكور
وأخو الحصن إذ بناه وإذ دج لة تجبى إليه والخابور
شاده مرمرا وخلّله كل سا فللطّير في ذراه وكور (٢)
لم يهبه ريب المنون فباد ال ملك عنه فبابه مهجور
وتذكّر ربّ الخورنق (٣) إذ أش رف يوما وللهدى تفكير
سرّه ماله وكثرة ما يم لك والبحر معرض والسّدير (٤)
فارعوى قلبه [وقال] (٥) وما غب طة حيّ إلى الممات يصير
ثمّ بعد الحياة والملك والإم مة وارتهم هناك القبور (٦)
ثم ساروا كأنّهم ورق جفّ م فألوت به الصّبا والدّبور (٧)
٦٣٣ - وقيل: بينما عيسى بن موسى (٨) يساير أبا مسلم صاحب الدّولة في
_________________
(١) ما بين حاصرتين مستدرك من الديوان.
(٢) في الأصل: جلّله، والمثبت من الديوان.
(٣) الخورنق: قصر للنعمان بظهر الحيرة.
(٤) في الديوان معرضا. والسدير: أحد قصور النعمان في الحيرة.
(٥) ما بين معقوفين مستدرك من الديوان.
(٦) في الهامش: وفي نسخة: ثم بعد الفلاح والأمن. والإمّة: النعمة. القاموس (أمم).
(٧) الصبا والدبور: ريح.
(٨) الهفوات النادرة ٩، وأخبار الحمقى والمغفلين ٤٨.
(٩) عيسى بن موسى بن محمد العباسي، أبو موسى، أمير من الولاة القادة، وهو ابن أخي السفاح كان من فحول أهله وذوي النجدة والرأي، ولاه عمه الكوفة وجعله ولي عهد المنصور، فاستنزله المنصور عن ولاية عهده سنة ١٤٧ وعزله عن الكوفة وأرضاه بمال وفير، وجعل ولاية العهد لابنه المهدي، فلما ولي المهدي خلعه سنة ١٦٠ بعد تهديد ووعيد وكان ولي العهد لا يخلع ما لم يخلع نفسه ويشهد الناس عليه، -
[ ٢٤٣ ]
مقدمه على المنصور، إذ أنشد عيسى (١):
لينهك (٢) ما أفنى القرون التي مضت وما حلّ في أكناف عاد وجرهم
ومن كان أنأى منك عزّا ورفعة وأنهد بالجيش اللهام العرمرم (٣)
قال له أبو (٤) مسلم: على ما أعطيتني عهدا لله يا أبا موسى؟ فقال: أعتق ما يملك إن كان أرادك بما قال (٥)، وإنّما هو خاطر جرى على لساني. فقال:
ذكر شرّ يعظهم.
٦٣٤ - يا أيّها النّاس إنّ الدّهر ذو دول يحلو قليلا ويأتي بالمرارات
لا تسرفوا إن رزقتم فيه مقدرة واخشوا تقلّب أيّام وساعات
٦٣٥ - وقيل: دخل مسلمة بن عبد الملك على عمر بن عبد العزيز في مرضته التي مات فيها، فقال: ألا توصي يا أمير المؤمنين؟ قال: فيما أوصي، فو الله أنّى لي من مال (٦). قال: فهذه مئة ألف دينار فمر فيها بما
_________________
(١) فأقام بالكوفة إلى أن توفي سنة ١٦٧. الأعلام.
(٢) البيتان في أشعار أولاد الخلفاء (٣١٨)، وقبلهما: أبا مسلم إن كنت عاصي أمرنا وباغينا سوءا فلست بمسلم
(٣) في أشعار أولاد الخلفاء: سيفنيك، وفي الهفوات وأخبار الحمقى: سيأتيك.
(٤) اللهام: الجيش الكثير، كأنه يلتهم كلّ شيء. اللسان (لهم) وفي أشعار أولاد الخلفاء: وأنهض بالجيش الهمام العرمرم.
(٥) في الأصل: أبي.
(٦) كذا في الأصل، وكأن المعنى: إن كان أرادك لساني بما قال. وعبارة الهفوات بعد الشعر ما نصّه: فقال أبو مسلم: هذا مع الأمان الذي أعطيت؟ فقال عيسى: أعتقت ما أملك إن كان هذا الشيء من أمرك أضمرته، أو في الفكر أجلته، بل خاطر أبداه لساني. فقال له: بئس الخاطر. والله أبدى. ودخل على المنصور فأتاه ما أتى.
(٧) الكامل ١/ ٣١٠، والتعازي والمراثي ٦٢، وكتاب التعازي ٨٠، والمستجاد ١٨٣، ١٨٤.
(٨) في التعازي والمراثي: وهل لي مال أوصي فيه؟
[ ٢٤٤ ]
أحببت. قال: أو تقبل مني؟ قال: نعم. قال: فردّها على من أخذتها منه ظلما. فبكى مسلمة، ثم قال: يرحمك الله، لقد ألنت منّا قلوبا قاسية، وأبقيت لنا في الصّالحين ذكرا
٦٣٦ - ألم تر أنّ الدّهر يهدم ما بنى ويأخذ ما أعطى ويفسد ما أسدى
فمن سرّه ألا يرى ما يسوءه فلا يتّخذ شيئا يخاف له فقدا
٦٣٧ - وقيل: إنّ المنصور كان جالسا بمدينته التي بناها، إذ جاء سهم فوقع بين يديه، فذعر منه ذعرا شديدا ثم أخذه فجعل يقلّبه وإذا مكتوب بين الرّيشتين:
أتطمع في الحياة إلى التنادي وتحسب أنّ مالك من معاد
ستسأل عن ذنوبك والخطايا وتسأل بعد ذاك عن العباد
ثم قرأ عند الثانية (١):
أحسنت ظنّك بالأيّام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
وساعدتك (٢) الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر
ثم في الثالثة (٣):
هي المقادير تجري في أعنّتها فاصبر فليس لها صبر على حال
_________________
(١) ثمار القلوب (٦٩٣) والبيتان فيه لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر.
(٢) محاضرات الأدباء ٢/ ١٦٦ قال الأصمعي: وجدت لبعض العرب بيتين كأنهما أخذا من قوله تعالى: حَتّى إِذافَرِحُوا بِماأُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً [الأنعام:٤٤] وهما قول سعيد بن وهب، وفي شرح نهج البلاغة ١٩/ ١٧٨: كان محمد بن عبد الله بن طاهر أمير بغداد في قصره على دجلة يوما، وإذا بحشيش على وجه الماء، في وسطه قصبة عليها رقعة، فأمر بأخذها، فإذا فيها أبيات، وقبل هذين البيتين: تاه الأعيرج واستولى به البطر فقل له: خير ما استعملته الحذر
(٣) في المحاضرات، وشرح نهج البلاغة (سالمتك).
(٤) شرح نهج البلاغة ١٩/ ١٧٩ والبيتان فيه لإسحاق بن إبراهيم الموصلي، والحماسة البصرية ٢/ ٦، والمستطرف ٣١٦: أنشد إسحاق الموصلي إبراهيم بن المهدي حين حبس.
[ ٢٤٥ ]
يوما تريك خسيس الحال ترفعه إلى السّماء ويوما تخفض العالي (١)
وإذا على جانب السّهم مكتوب: همذانيّ رجل متهم (٢) مظلوم في حبسك.
فبعث من فوره بعدّة من خواصّه، ففتشوا الحبس، والمطبق (٣) فوجدوا شيخا في بيت من الحبس فيه سراج تسرج، وعلى بابه بارية (٤) مسبلة، وهو موثق بالحديد متوجّة نحو القبلة يردّد هذه الآية وَسَيَعْلَمُ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [الشعراء: ٢٢٧] فسئل عن بلده، فقال: همذان. فحمل إلى بين يدي المنصور، فسأله عن حاله، فذكر أنّه رجل من أبناء مدينة همذان وأرباب نعمها، وأنّ عاملك دخل بلدنا ولي ضيعة تساوي ألف ألف درهم، فأراد أخذها فامتنعت، فكبّلني بالحديد، وحملني إلى هنا، وكتب أنّي عاص. فقال له المنصور منذكم؟ قال: منذ أربع (٥) سنين. فأمر بفكّ قيوده عنه، والإحسان إليه، وأنزله أحسن منزل، وردّه إليه، وقال: يا شيخ، قد رددنا إليك ضيعتك بخراجها ما عشت وعشنا، وأمّا مدينتك فقد ولّيناك عليها، وأمّا الوالي فقد حكّمناك فيه، وجعلنا أمره إليك. فجزاه الشّيخ خيرا، ودعا له بالبقاء، وقال: أمّا الضّيعة فقد قبلتها، وأمّا الولاية فلا أصلح لها، وأمّا الوالي فقد عفوت عنه. فأمر له المنصور بمال جزيل، واستحلّه وأعاده إلى بلده بعدما صرف الوالي وعاقبه على فعله.
٦٣٨ - وقيل: نزل النّعمان بن المنذر تحت شجرة مؤنقة ليلهو هناك
_________________
(١) في شرح نهج البلاغة والحماسة البصرية: يوما تريش.
(٢) في الأصل: (متهما).
(٣) المطبق سجن كبير بناه المنصور، في بغداد بين طريق باب البصرة، وطريق باب الكوفة، وكان المطبق متين البناء قوي الأساس بني تحت الأرض، شديد الظلمة، وقد ظل قائما إلى ما بعد عهد المقتدر. دليل خارطة بغداد (٥٢). وقد ورد في الأصل المطابق.
(٤) البارية: الحصير المنسوج. متن اللغة (بري).
(٥) في الأصل: أربعة.
(٦) الأغاني ٢/ ٩٦،١٣٤، الكامل ٢/ ٦١٦.
[ ٢٤٦ ]
فتمايلت، وتحرّكت أغصانها، فقال له عديّ: أيّها الملك، أبيت اللّعن، أتدري ما تقول هذه الشّجرة؟ قال: وما تقول؟ قال: تقول (١):
ربّ شرّاب أناخوا حولنا يمزجون الخمر بالماء الزّلال
والأباريق عليها فدم (٢) وعتاق الخيل تردي بالجلال
ثمّ أضحوا عصف الدّهر بهم وكذاك الدّهر حال بعد حال (٣)
قال: فبكى النّعمان وتنغّص عليه يومه.
٦٣٩ - وقيل: لما حجّ الرّشيد، بينما هو سائر وهو على هودجه إذ وقعت عينه على بهلول مع المشاة، فاستدعى به، وقال: يا بهلول، تشهّى وتمنّى.
فقال: على من؟ قال: عليّ. قال: تغفر لي؟ قال: لا قدرة لي على ذلك، ولا هو في وسعي، ولا في طوقي. قال: فهب لي العافية. قال: ولا قدرة لي على ذلك. قال بهلول: ما في الآخرة شيء أفضل من المغفرة، ولا في الدّنيا شيء أفضل من العافية، ولا أجلّ، وإذا لم تقدر عليهما فأيّ شيء أتمنّى؟ قال:
تمنّ أن أعطيك وأقطعك. قال: كلانا في خرابة واحدة. وتركه وانصرف.
٦٤٠ - وقال جبرائيل لآدم: قل اللهمّ هب لي العافية كي تهنّئني بالمعيشة، واختم لي بالمغفرة حتّى لا تضرّني الذّنوب.
٦٤١ - وقيل: صار المغيرة بن شعبة وهو والي الكوفة إلى دير هند بنت النّعمان بن المنذر (٤) وهي عمياء مترهّبة، فاستأذن عليها، فقيل: أمير هذه
_________________
(١) ديوان عدي بن زيد العبادي (٨٢) من قصيدة مطلعها: من رآنا فليحدّث نفسه أنّه موف على قرن زوال
(٢) فدم: جمع فدام، وهو ما يوضع في فم الإبريق لتصفية ما فيه من شراب.
(٣) في مصادر الخبر: حالا.
(٤) الكامل ٢/ ٥٨٤، وانظر الخبر بنحوه في مسالك الأبصار ١/ ٣٢٥، والأغاني ٢/ ١٣١، والديارات ١٥٨.
(٥) دير هند بالحيرة، ذكر ياقوت في معجم البلدان ٢/ ٥٤١ أن كسرى قد غضب على-
[ ٢٤٧ ]
المدرة (١) بالباب. قالت: فقولوا: من أولاد جبلة بن الأيهم أنت؟ قال:
لا. قالت: أفمن أولاد المنذر بن ماء السّماء؟ قال: لا. قالت: فمن أنت؟ قال: أنا المغيرة بن شعبة الثّقفيّ. قالت: فما حاجتك؟ قال: جئتك خاطبا. قالت: لو كنت جئتني لكمال أو جمال لأطلبتك ولكنّك أردت أن تتشّرف بي في محافل العرب، وتقول: نكحت بنت النّعمان، وإلا فأيّ خير في اجتماع أعور وعمياء؟ فبعث إليها: كيف كان أمركم؟ قالت: سأختصر الجواب، أمسينا مساء وليس في الأرض عربيّ إلا وهو يرغب إلينا فيرهبنا، وأصبحنا وليس في الأرض عربيّ إلاّ ونحن نرهبه ونرغب إليه.
٦٤٢ - لا يغرّنك عشاء ساكن قد يوافي بالمنيّات السّحر
٦٤٣ - وقال عليّ بن الهيثم: رأيت من تقلّب الزّمان، وتصاريف الدّهر ما لم أر مثله ولا أعجب منه: رأيت ثقل (٢) الفضل بن الرّبيع على ألف بعير، ثم رأيت جميع ما يملك في زنبيل، ونحن مستترون، وفيه أدوية له، ورأيت الحسن بن سهل وكلّ ما يملك في زنبيل، ثم رأيت ثقله على ألف بعير.
٦٤٤ - هذا الزّمان على ما فيه من كدر يحكي انقلاب لياليه بأهليه
غدير ماء تراءى في أسافله أشخاص قوم قيام في أعاليه
_________________
(١) النعمان فحبسه، فأعطت بنته عهدا لله إن ردّه الله إلى ملكه أن تبني ديرا تسكنه حتى تموت. وانظر سبب بناء هذا الدير في محاضرات الأدباء ٢/ ١٢٤.
(٢) في الهامش: وفي نسخة: المدينة.
(٣) البيت في كتاب التعازي (١٩)، قاله عمر متمثلا به بعد موت ابنه عبد الملك، وفي محاضرات الأدباء ٢/ ١٦٥، وروايته فيه لا يغرنك عيش ساكن قد توالى بالمنيات السحر
(٤) الفرج بعد الشدة ٣/ ٢١٨.
(٥) الثقل: محركة: متاع المسافر، وحشمه، وكل شيء نفيس مصون. القاموس (ثقل).
[ ٢٤٨ ]
٦٤٥ - وقال عبد الملك بن عمر اللّيثيّ: رأيت من تقلّب أحوال الدّنيا ما لم أر أعجب منه: دخلت على عبد الملك بن مروان بالكوفة وهو جالس في بهو على سرير، وبين يديه رأس مصعب بن الزّبير، فلما رأيته قلت متعجّبا:
لا إله إلا الله، رأيت من الزّمان عجبا، تذكّرت به عجيبا. فقال: وما ذاك؟ قلت: رأيت عبيد الله بن زياد في هذا البهو جالسا على هذا السّرير وبين يديه رأس الحسين بن عليّ صلوات الله عليهما، ثم دخلت بعد ذلك على المختار وهو جالس في هذا البهو على هذا السّرير، وبين يديه رأس عبيد الله بن زياد، ثم دخلت على مصعب في هذا البهو على هذا السّرير، وبين يديه رأس المختار، وقد دخلت عليك يا أمير المؤمنين، في هذا البهو على هذا السّرير، وبين يديك رأس مصعب بن الزّبير.
فقال: لا إله إلا الله، لا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم، إنّا لله وإنّا إليه راجعون. وقام مبادرا، ونزل عن السّرير، وخرج من البهو، وأمر بهدمه لوقته.
٦٤٦ - لبعضهم:
ما جاءت الدّنيا إلى أحد تركته ملتفتا إلى أحد
إن عرّست في السّبت مقبلة فطلاقها في ليلة الأحد
****
_________________
(١) انظر المعجم الكبير للطبراني ٣/ ١٢٥، والإصابة ٦/ ٢٠٠ (٨٥٣٩)، والمستطرف ٣٠٦.
[ ٢٤٩ ]
تمّ الكتاب بحمد الله وعونه وحسن توفيقه على يدي أقلّ عباد الله، وأحوجهم إلى رحمة الله تعالى، الرّاجي رحمة ربّه ومغفرته أويس بن خليل بن علي بن محمد بن إبراهيم بن حسن بن صالح المحمدي الأويراتي (١) عامله الله بألطافه الخفيّة، وبلّغه في الدّارين غاية الأمنيّة، وغفر له ولوالديه ولإخوانه ولأحبابه ولمشايخه وجميع المسلمين بمنّه وسعة رحمته، وذلك بتاريخ نهار الخميس المبارك سادس عشرين شهر ربيع الأول الأنور عام سنة تسع وثمانين وثمان مئة، والحمد لله وحده، وصلّى الله على سيدنا محمّد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرّيته وسلّم تسليما كثيرا، وأسألك اللهمّ بجاههم عندك عجائب لطفك في أمورنا، وأن تنجينا ببركتهم من كلّ ظالم وسوء ومحنة، وممّا نخافه ونحذره برحمتك يا أرحم الرّاحمين إنّك على كلّ شيء قدير، وبالإجابة جدير، وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم، يا فتّاح يا رزّاق يا ودود.
_________________
(١) جاء في الهامش: نسبة إلى طائفة من تركمان بلاد الشرق. انتهى. قال المقريزي في خططه ٣/ ٣٤ ما خلاصته: الأويراتية طائفة من المغول، خافوا الملك غازان محمود وفرّوا عن بلاده إلى نواحي بغداد، ثم قطعوا الفرات بعد أن استأذنوا نائب حلب، وتفرقوا في البلاد، وحلّ جمع منهم مصر. وصفوا بالزعارة والشجاعة والجمال، وكان يقال لهم البدورة.
[ ٢٥٠ ]