في
الموت وانقطاع الأسباب بين الأهلين والأصحاب
١٤٧ - وللنّفوس وإن كانت على وجل من المنيّة آمال تقوّيها
فالمرؤ يبسطها والدّهر يقبضها والنّفس تنشرها والموت يطويها
١٤٨ - وقيل: إن الحسن نظر إلى رجل يجود بنفسه، فقال: إنّ أمرا هذا آخره لجدير أن يزهد في أوّله، وإنّ أمرا هذا أوّله لجدير أن يخاف من آخره.
١٤٩ - وقال بعض الرّهبان: من صوّر الموت بين عينيه كفاه الله مؤونة الاهتمام بالأرضيّات.
١٥٠ - وقيل: كفى بالتّجارب تأدبا، وبتقلّب الأيام عظة، وبذكر الموت زاجرا.
١٥١ - وقال الحسن بن عليّ: ما رأيت يقينا لا شكّ فيه أشبه بشكّ لا يقين فيه من الموت.
_________________
(١) البيتان ينسبان للإمام علي بن أبي طالب ﵁، انظر الديوان صفحة (١٠٢) ورواية الشطر الأول فيه: لكلّ نفس وإن كانت على وجل.
(٢) إحياء علوم الدين ١٦/ ١٦١ كتاب ذكر الموت وما بعده، بيان أقاويل جماعة من خصوص الصالحين.
(٣) محاضرات الأدباء ٢/ ٢١٧.
[ ٦٠ ]
١٥٢ - وقالت الهند: لو علمت البهائم بالموت ما وجد فيها سمين.
١٥٣ - علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه.
تراع لذكر الموت ساعة ذكره وتعترض الدّنيا فتلهو وتلعب
يقين كأنّ الشّكّ أغلب أمره عليه وعرفان إلى الجهل ينسب
وقد ذمّت الدّنيا إليّ صروفها وخاطبني أعجامها (١) وهو معرب
ولكننّي منها خلقت لغيرها وما كنت منه فهو شيء محبّب (٢)
وفي كلّ يوم يفقد المرء بعضه ولا شكّ أنّ الكلّ منه سيذهب
١٥٤ - وقال بعض الرّهبان: أبلغ العظات النّظر إلى محلّ الأموات.
١٥٥ - وقال أبو محرز: كفتك القبور مواعظ الأمم السّالفة.
١٥٦ - وقال المزني (٣): دخلت على الشّافعي غداة وفاته، فقلت: كيف
_________________
(١) لم تذكر الأبيات في ديوانه. وفي عيون الأخبار ٢/ ٣٢٩ روى البيتين الأول والرابع من غير عزو، وهما في العقد الفريد ٣/ ١٧٦، وروايتهما فيهما: نراع لذكر الموت ساعة ذكره وتعترض الدنيا فنلهو ونلعب ونحن بنو الدنيا خلقنا لغيرها وما كنت منه فهو شيء محبب وهما في الحماسة المغربية ٢/ ١٤٣٢، والبيت الرابع في أحسن ما سمعت ٨٩ لمحمد بن وهيب. والبيتان الأول والثاني في محاضرات الأدباء ٢/ ٢١٧ معزوان لمحمد بن وهب، والبيت الرابع في شرح نهج البلاغة ١٩/ ٢٠٩ (٣٠٩).
(٢) في الأصل: أعجافها.
(٣) قال ابن عبد ربه عقب البيتين في العقد ٣/ ١٧٦: فذكر أن الناس بنو الدنيا، وما كان الإنسان منه فهو محبب إليه. واعلم أن الإنسان لا يحبّ شيئا إلا أن يجانسه في بعض طبائعه، وأن الدنيا جانست الإنسان في طبائعه كلّها، فأحبّها بكل أطرافه.
(٤) مروج الذهب ٤/ ٣٢٠ (٢٧٣٦)، إحياء علوم الدين ١٦/ ١٦٤ كتاب ذكر الموت بيان أقاويل جماعة من خصوص الصالحين. طبقات الشافعية الكبرى ١/ ٢٩٥.
(٥) وهو إسماعيل بن يحيى المزني المصري تلميذ الشافعي، الإمام العلامة، فقيه-
[ ٦١ ]
أصبحت يا أبا عبد الله؟ فقال: أصبحت من الدنيا راحلا، ولإخواني مفارقا، [ولسوء أفعالي ملاقيا] (١) وبكأس المنيّة شاربا، ولا أدري إلى الجنّة تصير روحي فأهنّيها، أم إلى النّار فأعزّيها؟ ثم قال:
ولمّا قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعلت الرّجا منّي لعفوك سلّما
تعاظمني ذنبي فلمّا قرنته بعفوك ربّي كان عفوك أعظما (٢)
١٥٧ - وقيل: لما حضر بشر بن مروان (٣) الموت فرح، فقيل له: أتسرّ بالموت؟ فقال: أتجعلون قدومي على خالق أرجوه كمقامي مع مخلوق أخافه؟
١٥٨ - وقال سهل بن هارون (٤): من طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى توفيه رزقه فيها (٥)، ومن طلب الدنيا طلبه الموت حتى يخرجه منها.
١٥٩ - أبو العتاهية:
نسيت الموت فيما قد نسيت كأنّي لا أرى أحدا يموت
أليس الموت غاية كلّ حيّ فما لي لا أبادر ما يفوت
١٦٠ - وقيل لأبي بكر ﵁ في مرضه الذي مات فيه: لو أرسلت إلى الطّبيب؟ قال: قد رآني. قيل له: فما قال لك؟ قال: إني فعّال لما أريد.
_________________
(١) الملّة، به انتشر مذهب الشافعي في الآفاق، ألف كتبا كثيرة أشهرها «المختصر» توفي سنة (٢٦٤) هـ سير أعلام النبلاء ١٢/ ٤٩٢.
(٢) ما بين معقوفين مستدرك من طبقات السبكي.
(٣) ديوان الشافعي صفحة ١٦٠.
(٤) بشر بن مروان بن الحكم الجواد، ولي إمرة العراقين لأخيه عبد الملك، وهو أول أمير مات بالبصرة وذلك سنة (٧٤) خزانة الأدب ٩/ ٤١٥.
(٥) سهل بن هارون بن راهيون اتصل بخدمة المأمون، وتولى خزانة الحكمة له، كان حكيما فصيحا شاعرا، فارسي الأصل، شعوبي المذهب، شديد التعصب على العرب، له مصنفات كثيرة، توفي سنة (٢١٥) هـ فوات الوفيات ٢/ ٨٤.
(٦) في الأصل رزقها والتصويب من أمراء البيان صفحة (١٧٤).
(٧) الديوان صفحة (٥٥).
[ ٦٢ ]
١٦١ - وروي عن ابن عبّاس ﵁ قال: دخلت على عمرو بن العاص وقد احتضر، فقلت له: يا أبا عبد الله، كنت تقول: أشتهي أرى رجلا عاقلا يموت حتّى أسأله كيف يجد، وقد نزل بك، فأخبرني كيف تجدك؟ فقال: أجد السّماء كأنّها مطبقة على الأرض وأنا بينهما وأراني كأنّما أتنفّس من خرت إبرة. ثم قال:
اللهمّ، خذ منّي حتّى ترضى. ثم رفع يده، وقال: اللهمّ، أمرت فعصينا، ونهيت فركبنا، فلا بريء فأعتذر، ولا قويّ فأنتصر، ولكن مذنب أستغفر.
١٦٢ - وقال أبو بكر بن أبي الفرات: قرأت على قبر: يا من أبطرهم الغنى، وأسكرتهم شهوات الدنيا، استعدوا للسّفرة العظمى، فقد دنا نزولكم على أهل البلاء.
١٦٣ - لبعضهم:
يوشك من فرّ من منيّته في بعض غرّاته يوافقها
من لا يمت عبطة يمت هرما الموت كأس والمرء ذائقها (١)
١٦٤ - وقيل: لما مات المهديّ لبست جاريته حسنة (٢) وغيرها من حشمه
_________________
(١) كتاب التعازي والمراثي ٢٢٨، والخبر فيه مرويّ عن عبد الله بن عمرو بن العاص باختلاف يسير وزيادة. وانظر خبر وفاة عمرو بن العاص في الاستيعاب ٣/ ١١٨٩، مختصر تاريخ دمشق ١٩/ ٢٥٣، العقد الثمين ٦/ ٤٠٤، وقد كانت وفاته بعد سنة (٦٠) في خلافة يزيد.
(٢) البيتان في الكامل ١/ ٩٩ منسوبان لرجل من الخوارج قتله الحجاج، وهما في ديوان أمية بن أبي الصلت صفحة (٤٢٠) قال الأستاذ الدكتور عبد الحفيظ السطلي: القصيدة من الشعر المتهم.
(٣) مات عبطة: شابا صحيحا. القاموس (عبط).
(٤) الخبر في مروج الذهب ٤/ ١٦٥، وفي الأغاني ٤/ ١٠٢ وحكايته فيه مخالفة لهذه الحكاية.
(٥) جارية المهدي، يقال إنها جزّت عبيدها، ولبست المسوح بعد مولاها، ولم تزل كذلك حتى توفيت، وكانت أجمل النساء. البدء والتاريخ ٦/ ٩٨.
[ ٦٣ ]
المسوح السّود جزعا عليه، فقال أبو العتاهية (١) في ذلك:
رحن في الوشي وأصبح ن عليهنّ المسوح
كلّ نطّاح وإن عا ش له يوما نطوح (٢)
لست بالباقي ولو عمّر ت ما عمّر نوح
فعلى نفسك نح إن كنت لا بدّ تنوح
١٦٥ - وقيل: اجتاز النّعمان (٣) على مقبرة، فقال له عديّ بن زيد (٤):
أتدري ما يقولون؟ قال: لا. قال: إنّهم يقولون:
أيّها الرّكب المخبّو ن على الأرض مجدّون
فكما أنتم كنّا وكما نحن تكونون
١٦٦ - وقيل: وجد على قبر مكتوب: من أمّل البقاء وقد رأى مصارعنا فهو مغرور.
١٦٧ - وقيل لرجل من أشراف العجم في علّته التي مات فيها: ما بك؟ قال: فكر عجيب، وحسرة طويلة. فقيل: ممّ ذاك؟. فقال: ما ظنّكم بمن يقطع سفرا قفرا بلا زاد، ويسكن قبرا موحشا بلا مؤنس، ويقدم على حكم عدل بلا حجّة.
_________________
(١) الديوان صفحة (٩٧) والأبيات من قصيدة مطلعها: خانك الطرف الطموح أيّها القلب الجموح
(٢) في الديوان ومصادر الخبر: يوم.
(٣) الأغاني ٢/ ٩٦، وديوان عدي ١٨٠.
(٤) النعمان بن المنذر الغساني من ملوك آل غسان في الجاهلية.
(٥) عدي بن زيد العبادي من أهل الحيرة، وهو أول من كتب بالعربية في ديوان كسرى، وكان ترجمانا له، تزوج هند بنت النعمان، وشى به أعداؤه إلى النعمان، فسجنه وقتله في سجنه. انظر مقدمة ديوانه.
[ ٦٤ ]
١٦٨ - قسّ بن ساعدة (١):
في الذّاهبين الأوّلي ن من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردا للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها يمضي الأكابر والأصاغر
لا يرجع الماضي ولا يبقى من الباقين غابر
أيقنت أنّي لا محا لة حيث صار القوم صائر
١٦٩ - وقال بعض الحكماء الذين حضروا وفاة الإسكندر (٢): لقد حرّكنا بسكونه.
١٧٠ - أبو العتاهية:
يا عليّ بن ثابت بان منّي صاحب جلّ فقده يوم بنتا
قد (٣) لعمري حكيت لي غصص المو ت وحرّكتني لها وسكنتا
١٧١ - وروي عن الأصمعي قال: دخلت على الرّشيد ودموعه تنحدر على خدّيه، وهو ينظر في كتاب، فظللت قائما حتى سكن، فحانت منه التفاتة فقال: اجلس يا أصمعيّ. فجلست، فقال: أرأيت ما كان؟ فقلت:
_________________
(١) الأبيات مع خطبته في العقد الفريد ٤/ ١٢٨، وفي حماسة البحتري صفحة (٩٩)، والحماسة المغربية ٢/ ١٤٠٠.
(٢) قس بن ساعدة الإيادي أحد حكماء العرب، ومن كبار خطبائهم، كان أسقف نجران، وكان كثيرا ما يفد على قيصر الروم، طالت حياته. الأعلام.
(٣) الإسكندر الأكبر ٣٥٦ - ٣٢٣ ق. م ملك مقدونيا تتلمذ على أرسطو، حارب الفرس، وحقق عليهم انتصارات كبيرة، وتوغل في الإمبراطورية الفارسية حتى البنجاب في الهند، بنى عدّة مدن أشهرها مدينة الإسكندرية بمصر. (الموسوعة العربية الميسرة).
(٤) الديوان صفحة (٧٠). وبداية الأبيات قال يرثي عليّ بن ثابت صاحبه.
(٥) في الأصل: لقد. والتصحيح من الديوان.
(٦) الخبر في مروج الذهب ٤/ ٢٣١، والهفوات النادرة ٥١، والمنازل والديار ٢/ ١٠٥، أما الأبيات ففي الديوان صفحة (١٧٩) والقصيدة أولها: الخلق مختلف جواهره ولقل ما تزكو سرائره
[ ٦٥ ]
نعم، يا أمير المؤمنين. فقال: أما إنه لو كان لأمر الدنيا ما رأيت هذا، ثمّ رمى بالقرطاس إليّ، فإذا فيه شعر لأبي العتاهية بخطّ جليل:
هل [أنت] معتبر بمن خربت منه غداة قضى دساكره (١)
وبمن أذلّ الموت مصرعه فتبرّأت منه عشائره
وبمن خلت منه أسرّته وبمن خلت منه منابره
درست محاسن وجهه ونفى عنه السّرور كرى يباشره (٢)
أين الملوك وأين عزّهم صاروا مصيرا أنت صائره
يا مؤثر الدّنيا بلذّته والمستعدّ لمن يفاخره (٣)
نل ما بدا لك أن تنال من الدّ نيا فإنّ الموت آخره
ثم قال: كأنّي والله أنا المخاطب بذلك دون النّاس. ولم يلبث بعد ذلك إلاّ قليلا حتى مات.
١٧٢ - أبو حيّة النّميريّ (٤):
وإن تمس وحشا داره فلربّما تناطح أفواجا بهنّ الرّكائب
وما غائب من كان يرجى إيابه ولكنّه من ضمّن القبر غائب
_________________
(١) ما بين معقوفتين ساقط من الأصل مستدرك من الديوان. وفي المروج والهفوات بمن خليت، ومضى دساكره.
(٢) في الديوان: عنه النعيم فتلك ساتره.
(٣) في الديوان: يا مؤثر الدنيا وطالبها.
(٤) ديوانه ١١٥ من قصيدة في رثاء سلمة بن عياش.
(٥) أبو حيّة النميري الهيثم بن الربيع، شاعر مجيد، من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، مدح الخلفاء فيهما جميعا، وكان فصيحا راجزا، من ساكني البصرة، وكان أهوج جبانا بخيلا كذابا، من أكذب الناس. خزانة الأدب ١٠/ ٢١٧. وفي الأصل ابن حبة النمري والتصحيح من المؤتلف والمختلف للآمدي ١٤٥، والشعر والشعراء ٧٤٩.
[ ٦٦ ]
١٧٣ - وقيل: خرج عمر بن عبد العزيز مع جماعة من أصحابه، فمرّ بالمقبرة فقال: قفوا حتّى أرى قبور الأحبّة. فلمّا توسطها، وقف فسلّم، وتكلّم وانصرف إلى أصحابه، فقال: ألا تسألوني ماذا قلت، وماذا قيل لي؟ فقالوا: ماذا؟ فقال: مررت بقبور الأحبّة، فسلّمت فلم يردّوا، ودعوت فلم يجيبوا، فبينما أنا كذلك إذ نوديت: يا عمر، أتعرفني؟ أنا الذي غيّر محاسن وجوههم [أنا] التّراب (١)، ومزّقت الأكفان عن جلودهم، وقطعت أيديهم، وابتتتّ [أكفهم] (٢) من سواعدهم. ثمّ بكى حتى كادت نفسه تطفأ. فو الله ما مضت الأيام حتّى لحق بهم.
١٧٤ - أبو العتاهية:
وعظتك أجداث صمت وبكتك ساكنة خفت
وتكلّمت عن أعظم تبلى وعن صور سبت
وأرتك قبرك في القبو ر وأنت حيّ لم تمت
١٧٥ - وحدّث الفضل بن الرّبيع (٣) قال: كنت مع المنصور في السّفرة
_________________
(١) الخبر في مروج الذهب ٤/ ٢٠ (٢١٨٠).
(٢) في المروج: ناداني التراب: يا عمر أتعرفني؟ أنا الذي غيّرت محاسن وجوههم، ومزّقت. . .
(٣) ما بين معقوفين من المروج.
(٤) رواية الديوان صفحة ٧٨: وعظتك أجداث خفت فيهن أجساد سبت وتكلمت لك بالبلى منهن ألسنة صمت ورواية الأصل توافق رواية المسعودي في مروج الذهب ٤/ ٢٢٢ (٢٥٤٢)، وأدب الغرباء ٥٦.
(٥) الفضل بن الربيع: وزير أديب حازم كان أبوه وزيرا للمنصور، واستحجبه المنصور، ولما آل الأمر إلى الرشيد واستوزر البرامكة كان الربيع من كبار خصومهم، وقيل: كانت نكبتهم على يديه، أقره الأمين على الوزارة، وعمل على مقاومة المأمون، ولما ظفر المأمون استتر الفضل، ثم عفا عنه المأمون، وأهمله، توفي سنة (٢٠٨).
[ ٦٧ ]
التي مات فيها، فنزل منزلا في بعض المواضع، فبعث إليّ وهو في قبته ووجهه إلى الحائط، فقال: ألم أنهكم [أن] تدعوا العامّة يدخلوا هذه المنازل فيكتبوا ما لا خير فيه؟ فقلت: وما هو يا أمير المؤمنين؟ فقال: ألا ترى ما على الحائط مكتوب:
أبا جعفر جاءت عليك ونقّصت سنوك وأمر الله لا بدّ نازل (١)
أبا جعفر هل كاهن أو منجم يردّ قضاء الله أم أنت جاهل (٢)
قال: فقلت: والله، ما أرى على الحائط شيئا، وإنّه لنقيّ أبيض. قال:
آلله؟ قلت: آلله. قال: والله إنّها نفسي نعيت إليّ، الرّحيل، بادر بي إلى حرم ربّي وأمنه هاربا من ذنوبي، وإسرافي على نفسي. فرحلنا وقد ثقل حتّى بلغنا بئر ميمون (٣). فقلت: هذه بئر ميمون وقد دخلت الحرم. فقال: الحمد لله.
وقبض في يومه. رحمة الله عليه.
١٧٦ - فهبك ملكت أهل الأرض طرّا (٤) ودان لك العباد فكان ماذا
أليس تصير في لحد عميق ويحثو التّرب هذا ثمّ هذا
_________________
(١) في مروج الذهب: أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت سنوك وأمر الله لا بد نازل وفي تاريخ الطبري ٨/ ١٠٧، وتاريخ ابن عساكر ٣٨/ ٢٤٢: أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت سنوك وأمر الله لا بد واقع وفي البداية والنهاية ١٠/ ١٢٧ رواية البيت الثاني: أبا جعفر هل كاهن أو منجم لك اليوم من كرب المنية مانع
(٢) قال الإمام الذهبي في السير ٧/ ٨٨: وقد كان المنصور يصغي إلى أقوال المنجمين، وينفقون عليه، وهذا من هناته مع فضيلته.
(٣) بئر ميمون بمكة منسوبة إلى ميمون بن خالد بن عامر الحضرمي.
(٤) عقلاء المجانين ٧٠ والبيتان فيه لبهلول، وروض الرياحين الحكاية ٢٠.
(٥) طرّا: جماعة.
[ ٦٨ ]
١٧٧ - وقيل: نزل بدير الخنافس (١) أخوان من العراق، فمات أحدهما ودفن قريب الدّير، فقال أخوه لما سار عنه:
بجنبك يا دير الخنافس حفرة بها صاحب رحب الذّراع كريم
فكن حافظا حقّ الجوار فإنّني غدا راحل عنه وأنت مقيم
١٧٨ - وتوفّي ابن لعون بن عبد الله (٢)، فكتب له عمر بن عبد العزيز:
أمّا بعد، فإنّا أناس من أهل الآخرة أسكنّا الدّنيا، فنحن أموات وأبناء أموات، والعجب من ميت يعزّي (٣) عن ميّت.
١٧٩ - وإذا قيل مات يوما فلان راعنا ذاك ساعة ما نحير
نذكر الموت عند ذاك وننسا هـ إذا غيّبته [عنّا] القبور
_________________
(١) الخبر في مسالك الأبصار في ممالك الأمصار لابن فضل الله العمري تحقيق أحمد زكي باشا صفحة (٣٠٠). . . ولا أعرف فيه شعرا إلا ما قاله بعض بني عروة الشيباني يرثي أخا له مات عنده، فدفن إلى جانبه. ومنه: بقربك يا دير الخنافس حفرة بها ماجد رحب الذّراع كريم فيا دير أحسن ما استطعت جواره فإني غاد عنك وهو مقيم وانظر ذيل كتاب الديارات للشابشتي بقلم كوركيس عواد صفحة (٣٦٠،٣٦١).
(٢) دير الخنافس دير صغير بالموصل على قلّة جبل شامخ يشرف على أنهار نينوى، وفيه طلّسم ظريف وهو أن في كل سنة ثلاثة أيام تسودّ حيطانه وسقوفه من الخنافس الصغار اللواتي كالنمل، فإذا انقضت تلك الأيام لا يوجد في تلك الأرض تلك الخنافس واحدة البتة. معجم البلدان ٢/ ٥٠٨.
(٣) أسرار الحكماء صفحة ١٥٢.
(٤) عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي الكوفي كان في آدب أهل المدينة وأفقههم، خرج مع ابن الأشعث. توفي بعد سنة ١١٠. السير ٥/ ١٠٣.
(٥) في الأصل يعز.
(٦) البيتان في عيون الأخبار ٣/ ٦٢، وما بين معقوفين مستدرك منه.
[ ٦٩ ]
١٨٠ - وعزّى رجل عمر بن عبد العزيز لما مات ولده فقال:
تعزّ أمير المؤمنين فإنّه لما قد ترى يغذى الصّغير ويولد
هل ابنك إلاّ من سلالة آدم لكلّ على حوض المنيّة مورد
١٨١ - وقيل: لما ثقل المأمون في غزوة الرّوم وبلغ الموت، قال:
أخرجوني أشرف على عسكري، وأنظر إلى رجالي، وأتبيّن ملكي. وذلك ليلا، فأخرج، وأشرف على الجيش وانتشاره وما قد أوقد من النّيران، فقال: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه. ثم ردّ إلى مرقده.
وأجلس المعتصم رجلا يلقّنه الشّهادة، فرفع الرّجل صوته؛ ليقولها المأمون.
فقال ابن ماسويه (١): لا تصح (٢)، فو الله ما يفرّق الآن بين ربّه وبين ماني (٣).
ففتح المأمون عينيه وبهما من التّورّم والاحمرار ما بهما ما لم ير مثله، ورام
_________________
(١) الخبر في عيون الأخبار ٣/ ٥٣، وكتاب التعازي ٢٢، وكتاب التعازي والمراثي ٤٧ وفي الحماسة الشجرية ١/ ٢٧٢.
(٢) مروج الذهب ٤/ ٣٤٢ (٢٧٨٣).
(٣) يوحنا بن ماسويه من علماء الأطباء، سرياني الأصل، عهد إليه الرشيد بترجمة ما وجد من كتب الطبّ القديمة، وجعله أمينا على الترجمة، ولم يقتصر عمله على خدمة العلم بل خدم الرشيد والمأمون ومن بعدهما إلى أيام المتوكل بمعالجتهم وتطبيب مرضاهم حتى كانوا لا يتناولون شيئا من الأطعمة إلا بحضرته وكان مجلسه ببغداد أعمر مجلس يجتمع الطبيب والمتفلسف والأديب والظريف، له نحو أربعين كتابا معظمها رسائل، توفي سنة (٢٤٣). الأعلام.
(٤) في الأصل تصيح.
(٥) ماني بن فاتك الحكيم ظهر أيام شابور (القرن الثالث الميلادي) وقتله بهرام بن هرمز. أخذ دينا بين المجوسية والنصرانية، وزعم أن العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين أحدهما نور والآخر ظلمة، وأنهما أزليان لم يزالا ولن يزالا قوتين حساسين سميعين بصيرين، وهما مع ذلك في النفس والصورة والفعل والتدبير متضادان، وفي الخير متجاذبان. الملل والنحل للشهرستاني ٢/ ٨١. وقد فرض على أتباعه جملة من الوصايا الأخلاقية، انتشر مذهبه في أنحاء الإمبراطورية الرومانية وآسيا. حاربتها النصرانية. الموسوعة العربية الميسرة.
[ ٧٠ ]
البطش بابن ماسويه فعجز، ورمى بطرفه إلى السّماء، وقد امتلأت عيناه دموعا، وانطلق لسانه، وقال: يا من لا يموت ارحم من يموت. ثمّ قضى من ساعته، وكان كثيرا ما ينشد هذه:
ومن لم يزل عرضا للمنو ن يتركنه ذات يوم عميدا
فإن هنّ أخطأنه مرّة فيوشك مخطئها أن يعودا
وبينا يحيد فيخطئنه قصدن فأعجلنه أن يحيدا (١)
١٨٢ - وقيل: سافر رجل وولد له في حاجة له، فمات الرّجل فدفنه ولده في بعض الطّرقات، ومضى لقضاء حاجته، فلمّا عاد مرّ بقبر أبيه فلم يعج عليه، فسمع هاتفا من جانب القبر يقول:
رأيتك تطوي الدّوم عمدا ولا ترى عليك لثاوي الدّوم أن تتكلما (٢)
وبالقبر ثاو لو ثويت مكانه ومرّ بأهل الدّوم عاج فسلّما
١٨٣ - وقيل: سار المأمون إلى أمّ الفضل بن سهل (٣) ليعزّيها عنه فبكت، فقال لها: لا تبكي عليه، ولا تجزعي لفقده؛ فإنّ الله قد أخلف عليك منّي ولدا يقوم مقامه. فقالت: يا أمير المؤمنين، حقّ لولد أكسبني ولدا مثلك (٤) أن يبكى عليه.
١٨٤ - أطاقت يد الدّهر انتزاعك من يدي ولم يطق الموت انتزاعك من صدري
_________________
(١) الأبيات في شرح نهج البلاغة ١٩/ ١٩٣.
(٢) الدّوم: ضخام الشجر. اللسان (دوم).
(٣) الخبر بنحوه في العقد الفريد ٣/ ٣٠٩، وسير أعلام النبلاء ١٠/ ١٠٠. قال الذهبي عن أم الفضل: ثم عاشت وأدركت عرس بنت ابنها بوران على المأمون.
(٤) تقدّمت ترجمته صفحة. . .
(٥) في الأصل منك، والمثبت من العقد الفريد.
(٦) الحماسة الشجرية ١/ ٣٤٢ من غير عزو.
[ ٧١ ]
لأنك مخطوط المحاسن في الحشا كما أنت ممحوّ المحاسن في القبر (١)
فلا وصل إلاّ بين جفنيّ والبكا ولا هجر إلاّ بين قلبي والصّبر
١٨٥ - صفية الباهليّة:
كنّا غصينين في جرثومة نميا حينا بأحسن ما ينمي له الشّجر (٢)
حتّى إذا قيل قد طالت فروعهما وطاب ظلاّهما واستنظر الثّمر
أخنى على واحدي ريب المنون وما يبقي الزّمان على شيء ولا يذر (٣)
كنّا كأنجم ليل بيننا قمر يجلو الدّجى فهوى من بيننا القمر
١٨٦ - وقيل: وقف سليمان بن عبد الملك ومعه يزيد بن المهلّب (٤) على امرأة عند قبر تبكي، فجاء سليمان، فرفعت البرقع عن وجهها فجلت شمسا عن متون غمامة، فوقفا متعجّبين، فقال لها يزيد: يا أمة الله، هل لك في أمير المؤمنين بعلا؟ فقالت وهي تنظر إلى القبر:
فإن تسألاني عن هواي فإنه بحوماء هذا القبر يا فتيان (٥)
_________________
(١) رواية الحماسة: فإن تك ممحوّ المحاسن في الثرى فإنك محفوظ المحاسن في صدري
(٢) عيون الأخبار ٣/ ٦٦، وفي العقد الفريد ٣/ ٢٧٧ منسوب لأعرابية ترثي زوجها. مع اختلاف ألفاظ كلتا الروايتين، والحماسة لأبي تمام ٢/ ٩٤٨، وفي حماسة البحتري ٢٧٣ لطيبة الباهلية. في الأصل: صنعه البا.
(٣) الجرثومة: الأصل.
(٤) أخنى عليه: أهلكه. القاموس (خني).
(٥) نهاية الأرب ٣/ ٢٤٢، وأخبار النساء:١٢٦. بين الأصمعي، والرشيد.
(٦) يزيد بن المهلب بن أبي صفرة من القادة الشجعان الأجواد ولي خراسان وعزله عبد الملك، حبسه الحجاج، فهرب إلى الشام. ولما أفضت الخلافة إلى سليمان بن عبد الملك ولاه العراق ثم خراسان، حبسه عمر بن عبد العزيز ولمّا توفي عمر بن عبد العزيز نشبت حروب بينه وبين ولاة بني أمية حتى قتل سنة (١٠٢) الأعلام.
(٧) رواية البيت في العقد الفريد: =
[ ٧٢ ]
وإني لأستحييه والتّرب بيننا كما كنت استحييه وهو يراني (١)
١٨٧ - وقيل: لما دفن سليمان بن عبد الملك سمع بعض كتّابه وهو يقول:
وما سالم عمّا قليل بسالم وإن كثرت أحراسه وكتائبه
[ومن يك ذا باب شديد ومنعة فعمّا قليل يهجر الباب حاجبه] (٢)
ويصبح بعد الحجب للنّاس مبغضا (٣) رهينة بيت لم تسرّ جوانبه (٤)
فما كان إلاّ الدّفن حتّى تفرّقت إلى غيره أجناده وكتائبه
وأصبح مسرورا به كلّ كاشح وأسلمه أحبابه وأقاربه
بنفسك فاكسبها السّعادة جاهدا فكلّ امرئ رهن بما هو كاسبه
١٨٨ - وقال علي بن يقطين (٥): كنت مع المهدي بماسبذان (٦)، فقال لي يوما: أصبحت جائعا فأتني بأرغفة ولحم بارد. ففعلت، ثم دخل البهو فنام ونمنا في الرّواق، فانتبهنا لبكائه، وبادرنا إليه مسرعين، فقال: أما رأيتم ما رأيت؟ وقف عليّ رجل لو أنّه في ألف رجل ما خفي عليّ صوته ولا صورته
_________________
(١) = فإن تسألاني فيم حزني فإنني رهينة هذا القبر يا فتيان
(٢) في الأصل وهو يران وقد كتب أمامها: لعلها وكان، والبيت في طبقات الشعراء لابن المعتز ٤٠٣.
(٣) مروج الذهب ٤/ ١٤،١٥ (٢١٦٧).
(٤) ما بين المعقوفين مستدرك من مروج الذهب.
(٥) في المروج مفصيا، وفي حاشيته رقم (١) جاء ما نصه: م: مغضبا، ورواية عبد الحميد: مقصيا.
(٦) في المروج: رهينة باب لم تستّر جوانبه.
(٧) تاريخ الطبري ٨/ ١٧٠، ومروج الذهب ٤/ ١٨١ (٢٤٦٦)، والهفوات النادرة (٥٢) والروايات مختلفة. ورواية المروج هي رواية الأصل.
(٨) علي بن يقطين: من أتباع موسى الكاظم، ولاّه المهدي على ديوان الأزمّة سنة ١٦٨، وكان في يده خاتم الخلافة أيام الهادي، لم يلبث مع ذلك أن قتل على الزندقة. مروج الذهب ٧/ ٥٢٠.
(٩) ماسبذان: هي أحد فروج الكوفة، وهي بالقرب من هيت. الروض المعطار (٥١٩).
[ ٧٣ ]
فقال:
كأنّي بهذا القصر قد باد ملكه وأوحش منه ربعه ومنازله (١)
وصار عميد الملك من بعد بهجة وملك إلى قبر عليه جنادله (٢)
ولم يبق إلاّ ذكره وحديثه تنادي عليه معولات حلائله
فما أتت على المهدي بعد رؤياه هذه إلاّ عشرة أيام حتى مات.
١٨٩ - أبو العتاهية:
ألا يا موت لم أر منك بدّا أبيت فلا تحيف ولا تحابي
كأنّك قد هجمت على مشيبي كما هجم المشيب على شبابي
١٩٠ - ابن الرّومي:
رأيت الدّهر يجرح ثمّ يأسو يعرّض أن يسلّي أو ينسّي (٣)
أبت نفسي الهلوع لفقد شيء كفى رزءا لنفسي فقد نفسي (٤)
١٩١ - وقيل: لمّا تأتّى الملك للمأمون كان يقول: هذا الملك لولا أنّ بعده الهلك، وهذا سرور لولا أنّ بعده غرور، وهذا يوم لو كان يؤمن غده.
_________________
(١) في الهامش وأوحش منه أهله.
(٢) في مصادر الخبر: وصار عميد القوم.
(٣) الديوان صفحة (٣٣) من قصيدة مطلعها: لدوا للموت وابنوا للخراب فكلكم يصير إلى ذهاب والقصيدة في ديوان محمود الوراق ٢٧١ في باب ما نسب للوراق وغيره، ويرجح أنه ليس له. وفي المحبوب والمشموم ٤/ ٣٧١ نسبت لدعبل.
(٤) الديوان ٣/ ١١٦٨ من قصيدة في سليمان بن عبد الله بن طاهر مطلعها: ترحّل من هويت وكلّ شمس ستكسف أو ستغرب جين تمسي
(٥) رواية الديوان: يؤسي أو يعوض أو ينسي.
(٦) رواية الديوان: أبت نفسي الهلاع لرزء شيء كفى شجوا لنفسي رزء نفسي
[ ٧٤ ]
١٩٢ - محمد بن بشر (١):
ويل لمن لم يرحم الله ومن تكون النّار مثواه
يا حسرتي [في] كلّ يوم مضى (١) يذكرني الموت وأنساه
من طال في الدّنيا به عمره وعاش فالموت قصاراه
١٩٣ - وقيل لما مات أبو فراس بن حمدان (٢) أنشد عند موته يقول:
أبنيّتي لا تجزعي كلّ الأنام إلى ذهاب
أبنيّتي صبر جمي ل للجزيل من المصاب (٣)
نوحي عليّ وعددي من خلف سترك والحجاب (٤)
قولي إذا ناديتني فعييت عن ردّ الجواب
زين الشّباب أبو فرا س لم يمتّع بالشّباب
١٩٤ - وقيل: اجتمع ذات يوم عند الواثق جماعة من الفلاسفة والمتطبّبين وغيرهم، فجرى بحضرته أنواع من العلوم من الطّبيعيّات، وما بعد ذلك من الإلهيات، وأطالوا الكلام في كلّ فنّ، فقطع الواثق عليهم الكلام وأجاز سائر
_________________
(١) الأبيات في العقد الفريد ٣/ ٢٤٨ خلا البيت الثالث لمحمد بن بشير.
(٢) ما بين معقوفين للوزن.
(٣) الديوان صفحة (٢٩).
(٤) أبو فراس، الحارث بن سعيد بن حمدان الشاعر المفلق الفارس الجواد الأديب صاحب غزوات، أسرته الروم جريحا وبقي في الأسر في خرشنة أولا ثم القسطنطينية سنوات حتى فداه ابن عمه سيف الدولة، قتل في نواحي تدمر سنة (٣٥٧) وكان كلّ عمره سبعا وثلاثين سنة. وفيات الأعيان ٢/ ٥٨، سير أعلام النبلاء ١٦/ ١٩٦.
(٥) رواية الديوان: صبرا جميلا للجليل.
(٦) رواية الديوان: بكّي أباك واندبي ـه وراء سترك والحجاب
(٧) الخبر في مروج الذهب ٤/ ٣٧٧ (٢٨٥٧) و٤/ ٣٨١ (٢٨٦٧). ولم ينقل المؤلف خبر المجلس برمّته وإنما آخره.
[ ٧٥ ]
من حضره منهم، ثمّ أمر الجميع أن يتكلّموا في الزّهد في هذا العالم الذي هو عالم الدّثور والفناء والغرور، فذكر كلّ واحد منهم ما سنح له من الأخبار عن الفلاسفة والمتقدّمين والحكماء اليونانيين كسقراط وذوجانس (١)، فقال الواثق: قد أكثرتم فيما ذكرتم، وأحسنتم الحكاية فيما وصفتم، فليخبرني مخبر منكم ما أحسن ما سمع من كلام الذين حضروا وفاة الإسكندر لما جعل في تابوت الذّهب؟ فقال بعض من حضره: كلّ يا أمير المؤمنين حسن فيما ذكره، وأحسن ما نطق به من حضر ذلك المشهد من الحكماء ذوجانس، وقد قيل إنّه لبعض (٢) حكماء الهند فقال: إنّ الإسكندر أمس أنطق منه اليوم، وإنّه اليوم أوعظ منه أمس.
وقد أخذ هذا أبو العتاهية (٣) فقال:
كفى حزنا بدفنك ثمّ إنّي نفضت تراب قبرك من يديّا
وكانت في حياتك لي عظات فأنت اليوم أوعظ منك حيّا
فاشتدّ بكاء الواثق، وعلا نحيبه، وبكى من حضره، ثمّ قام من فوره وأنشد:
_________________
(١) وضعه القفطي في تاريخ الحكماء صفحة (١٨٢) في باب: حرف الذال المعجمة في أسماء الحكماء ذيوجانس. وعرّفه: ذيوجانس الكلابي مشهور في أرض يونان، وقد راض أصحابه برياضة فارق فيها اصطلاح أهل المدن في اطراح التكلّف الذي اقتضاه الاصطلاح، فكان أحدهم يتغوّط غير مستتر عن الناس، وينكح في الطريق. . . ويقول فيما يأتيه من ذلك: لا يخلو إما أن يكون ما تفعله قبيحا على الإطلاق فلا يحسن في موضع دون موضع، وعلى صورة دون صورة، وإن كان مما يحسن في موضع دون موضع وعلى صورة غير صورة فهذا أمر اصطلاحي لا ضروري فلا أقف معه، وزادوا على ذلك أنهم كانوا يحبون من قرب (زنى المحارم) ويكرهون من بعد، فقال أهل زمانهم. هذه الأفعال تشبه أفعال الكلاب، فسموهم بذلك. وقد جاء في الأصل ديوجانس بالدال المهملة.
(٢) في الأصل بعض والمثبت من المروج.
(٣) الديوان صفحة (٦٧٩).
[ ٧٦ ]
لصروف الدّهر في تغييره خطّة (١) فيها ارتفاع وانحدار
بينما النّاس على عليائها إذ هووا في حطّة منها فغاروا
إنّما متعة قوم ساعة وحياة المرء ثوب مستعار
١٩٥ - وقيل: إنّ الرّشيد كان يتمثّل عند مرضه بهذه الأبيات:
إنّ الطّبيب بطبّه ودوائه لا يستطيع دفاع مكروه أتى (٢)
ما للطّبيب يموت بالداء الذي قد كان يبرىء مثله فيما مضى (٣)
١٩٦ - وقيل: كان نجدة بن الأسود موصوفا بالحسن في خلقه وخلقه وفعله، فمات فأقبلت زوجته دلفاء، وألقت نفسها على قبره وقالت:
سئمت حياتي يوم فارقت نجدة ورحت ودمع العين منهلّ هامله
وقال نساء الحيّ قد مات قبله رجال فلم تهتك عليه حلائله
صدقتم لقد مات الرّجال وما أرى لنجدة في أضرابهم من يعادله
فتى لم يضق عن جسمه لحد قبره ولم تسع الأرض الفضاء فضائله
وزارته بعد مدّة فأكبّت على قبره، وقالت منشدة:
يا قبر نجدة لم أهجرك قالية ولا قطعتك من صبر ولا جلد
لكن بكيتك حتّى لم أجد مددا من الدّموع ولا عونا على الكمد
وأيئستني جفوني من مدامعها فقلت للعين فيضي من دم الكبد
ولم أزل بدم أبكيك جاهدة حتّى بقيت بلا روح ولا جسد
والله يعلم لولا الله ما رضيت روحي بذاك سوى قتلي لها بيدي
_________________
(١) الخطّة: الأرض. اللسان (خطط).
(٢) الخبر في مروج الذهب ٤/ ٢٣٠ (٢٥٥٤).
(٣) في المروج: دفاع محذور القضا.
(٤) البيتان لأبي العتاهية، وهما في ديوانه صفحة (١٨). والشطر الأخير فيه: قد كان يبرئ جرحه فيما مضى. وهما في شعب الإيمان ٧/ ٢٠٠ لمحمد بن أسلم.
[ ٧٧ ]
١٩٧ - وكتب بعض الفضلاء عند وفاة بعض الأكابر: كان منزله مألف الأضياف، ومأنس الأشراف، ومنتجع الرّاكب، ومقصد الوافد، فاستبدل بالأنس وحشة، وبالنّضارة عبرة، وبالضّياء ظلمة، واعتاض من تزاحم الملوك تلادم (١) المآتم، ومن ضجيج النّداء والصّهيل عجيج البكاء والعويل.
١٩٨ - سأبكيك ما فاضت دموعي وإن تغض فحسبك منّي ما تجنّ الجوانح (٢)
لئن حسنت فيك المراثي وذكرها لقد حسنت من قبل فيك المدائح
١٩٩ - ويحكى عن فاطمة الزّهراء كرّمها الله تعالى أنّها قالت ترثي رسول الله ﷺ:
كنت السّواد لناظري فبكى عليك النّاظر
من شاء بعدك فليمت فعليك كنت أحاذر
_________________
(١) اللدم: ضرب المرأة صدرها ووجهها في النياحة. وفي الأصل: بلادم.
(٢) البيتان رواهما القالي في أماليه ٢/ ١١٨ لأشجع بن عمرو السلمي، وفي شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٢/ ٨٩٦ لأشجع أيضا، وكذا في زهر الآداب ٣/ ٢١٠. وفي العقد الفريد ٣/ ٢٨٧ لمنصور النمري.
(٣) قال المرزوقي: ضمن له دوام البكاء ما دامت الدموع تجيبه وتساعده، فإن عجزت ونقصت عن المراد وانقطعت أو ان الحاجة، فكافية منه ما تشتمل عليه جوانحه، ويتضمنه صدره وفؤاده، والجوانح الضلوع سميت بذلك لانحنائها، والجنوح الميل.
(٤) الشعر في العقد الفريد ٣/ ٢٥٤ وهو لأعرابية ترثي ولدها، وكذا هو في المنازل والديار ٤٨، وهما في ديوان إبراهيم الصولي في الطرائف الأدبية ١٦٩، والبيتان في معجم الأدباء ١/ ١٧٧ لإبراهيم بن العباس الصولي في ابن له، وكذلك هما لإبراهيم في وفيات الأعيان ١/ ٤٧. وفي الحماسة البصرية ١/ ٢٦٧ للفتح بن خاقان. وجاء في شرح نهج البلاغة ١٩/ ١٩٧: ومن الشعر المنسوب إلى علي ﵇، ويقال إنه قاله يوم مات رسول الله ﷺ، والبيتان في ديوان علي ﵁ صفحة (٥٠).
[ ٧٨ ]
٢٠٠ - وقالت أيضا:
ماذا على مشتمّ تربة أحمد ألاّ يشمّ مدى الزّمان غواليا
صبّت عليّ مصائب لو أنّها صبّت على الأيام صرن لياليا
٢٠١ - علي بن أبي طالب:
أين الألى جمعوا الأموال واحتشدوا في الجمع لا عدد أغنى ولا عدد
شادوا وقادوا وذادوا عن حريمهم حتّى إذا اخترموا لم يحمهم أحد
كانوا مصابيح للأبصار تتّقد حتّى إذا ما انتهت أعمارهم خمدوا
فلا ترى لهم عين ولا أثر سرعان ما وجدوا سرعان ما فقدوا
يا ويح للموت لا يبقي على أحد لا والد منه ينجو له، ولا ولد
كأنّه أسد ضار على رصد وكلّهم نشبا أظفاره تقد
هوّن عليك فكلّ للهوى رصد يبلى ويفنى ويبقى الواحد الصّمد
٢٠٢ - وقيل: وقف سليمان بن عبد الملك على قبر ولده أيوب (١)، فقال: اللهمّ، إنّي أرجوك له، وأخافك عليه فحقّق رجائي وآمن خوفي.
٢٠٣ - الخنساء:
ألا يا صخر لا أنساك حتّى أفارق مهجتي وأزور رمسي (٢)
_________________
(١) الأبيات في ديوان علي بن أبي طالب ﵁ صفحة (١٠٥).
(٢) لم أجد الأبيات في ديوانه.
(٣) مروج الذهب ٤/ ١٤ (٢١٦٧).
(٤) أيوب بن سليمان بن عبد الملك بن مروان، ولي غزوة الصائفة، وكان أبوه رشّحه لولاية العهد من بعده فمات في حياة أبيه. مختصر تاريخ دمشق ٥/ ١١٩.
(٥) الديوان صفحة (٨٤).
(٦) في الديوان: فلا والله لا أنساك. ويشقّ رمسي.
[ ٧٩ ]
يذكّرني طلوع الشّمس صخرا وأذكره بكلّ غروب شمس (١)
ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن أعزّي النّفس عنه بالتّأسّي
٢٠٤ - الحنظلي:
لكلّ جديد لذّة غير أنّني رأيت جديد الموت غير لذيذ
٢٠٥ - قيل إنّ الرّئيس أبا عليّ بن سينا لما حضرته الوفاة قال له صهره أبو عليّ القرموي الصّوفي: اذكر ربّك. ففتح عينيه وقال: يا أبا علي، ومتى خلا قلبي من ذكر ربّي طرفة عين؟! ائتوني بسماع: أوتار وشبّابة. فاستدعوا لذلك، فقال: شدّوا طبقة لطيفة معتدلة وغنّوا بهذه الأبيات إلى أن تفارق روحي جسدي. وهي هذه:
هبت نسيم وصالكم سحرا بحدائق للشّوق في قلبي
فاهتزّ غصن الوصل من طرب وتناثرت درر من الحبّ
وغدت خيول الهجر شاردة مطرودة بعساكر القرب
وبدت شموس الوصل خارقة بشعاعها لسرادق الحجب
وبقيت لا شيئا أشاهده إلاّ أقول بأنّه ربّي
فغنّوه وهو ملقى بين أيديهم، وروحه تشرئبّ إلى مفارقة جسده، ثم أصرف (٢) أولاده ومن يصبو قلبه إليه، وبقي عنده صهره أبو عليّ فلمّا فارقت روحه جسده، قال عند ذلك: ربّ توفّني مؤمنا وألحقني بالصّالحين (٣).
_________________
(١) قال الأصمعي: أرادت بطلوع الشمس للغارة، وبمغيبها للقرى.
(٢) البيت لضابئ بن الحارث البرجمى من بني تميم، جاء في الأغاني ٢/ ١٩٦: ولما حضرت الحطيئة الوفاة قال: أبلغوا أهل صابئ أنه شاعر حيث قال: لكل جديد. . .
(٣) هكذا ولعلها صرف أو استصرف.
(٤) إشارة إلى قوله تعالى: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ اَلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ اَلْأَحادِيثِ فاطِرَ اَلسَّماواتِ وَاَلْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي اَلدُّنْياوَاَلْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي -
[ ٨٠ ]
ومات من وقته مقدّس الرّوح مطهرا.
٢٠٦ - [يا] رحم الله إخوانا لنا ذهبوا أفناهم حدثان الدهر والأبد
نمدّهم كلّ يوم من بقيّتنا ولا يؤوب إلينا منهم أحد
٢٠٧ - وقيل: قدم إلى ميّافارقين (١) رجل متصرّف من بغداد في أيام ناصر الدّولة ابن مروان (٢) ليتصرّف بها فمات ودفن ظاهر ميّافارقين. فرأى ناصر الدولة في منامه كأنّ ذلك الميت قائم في قبره، ويشير إليه:
أبا الحسن بن الفضل يممت نحوكم طلوبا لصفو العيش لمّا تكدّرا
أردت ثراء المال لما عدمته ولم أدر أنّي قد نقلت إلى الثّرى
فلا يغترر بالعيش بعدي شامت فإنّ مصير الشّامتين كما ترى
٢٠٨ - وقيل: لما مات عاصم بن عمر جزع عليه عبد الله (٣) جزعا شديدا وقال منشدا:
فإن يك أحزان وفائض عبرة أثرن دما من داخل الجوف منقعا (٤)
_________________
(١) بِالصّالِحِينَ [يوسف:١٠١].
(٢) ميافارقين: أشهر مدينة بديار بكر، شمال غرب الموصل، بين الجزيرة وأرمينيا، فتحها عياض بن غنم. الروض المعطار ٥٦٧، ومعجم البلدان ٥/ ٢٣٥.
(٣) ناصر الدولة بن مروان آخر أمراء ولاية بني مروان بن لكك في ميافارقين والتي دامت من سنة ٣٨٠ حتى وفاة ناصر الدولة ٤٨٦ بالجزيرة. تاريخ الفارقي (٩٦).
(٤) الكامل ١٣٧٩، والتعازي والمراثي صفحة (٦٠)، والتعازي صفحة (٤٦) وتاريخ مدينة دمشق عاصم-عايذ صفحة (٦٣): قتلت الخوارج عاصم بن عمر بن عبد العزيز سنة ١٢٧.
(٥) في التعازي للمدائني: يقال إن المرثي كان عاصم بن عمر بن الخطاب.
(٦) في الكامل: فإن يك حزن أو تجرّع غصّة أمارا نجيعا من دم الجوف منقعا
[ ٨١ ]
تجرّعتها من عاصم واحتسيتها لأعظم منها ما احتسى وتجرّعا (١)
فليت المنايا كنّ خلّفن عاصما فعشنا جميعا أو ذهبن بنا معا
٢٠٩ - وقال المنصور للرّبيع (٢): يا ربيع، ما أطيب الدّنيا لولا الموت! فقال الرّبيع: يا أمير المؤمنين، ما طابت الدّنيا إلاّ بالموت. قال: وكيف ذلك؟ قال: لولا الموت لم تقعد في هذا الموضع الذي أنت فيه. قال:
صدقت.
٢١٠ - لقد أفسد الموت الحياة وقد أتى على يومه علق (٣) إليّ حبيب
أتى دون حلو العيش حتى أمرّه نكوب على أثارهنّ نكوب
٢١١ - وقيل لما احتضر معاذ بن جبل (٤) رئي وقد دمعت عيناه، فقيل له: لم تبكي وقد حضرك من الله ما ترى؟ فقال: أمّا أنا فلا أبكي أسفا على دنياكم هذه، ولكنّي أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام الليل، وعلى مهبط طريق
_________________
(١) من الأصل وأحستها فأعظم. والتصحيح من التعازي وتاريخ ابن عساكر.
(٢) الربيع بن يونس أبو الفضل من موالي بني العباس، وزير، من العقلاء الموصوفين بالحزم، اتخذه المنصور العباسي حاجبا، ثم استوزره، وكان مهيبا، محسنا إدارة الشؤون، عاش إلى خلافة المهدي، وحظي عنده، ثم صرفه عن الوزارة وأقرّه على دواوين الأزمّة. الأعلام.
(٣) العلق: النفيس من كل شيء. متن اللغة.
(٤) انظر خبر وفاة معاذ بن جبل في الحلية ١/ ٢٣٩، والاستيعاب ٣/ ١٤٠٥.
(٥) معاذ بن جبل أعلم الأمة بالحلال والحرام، أحد الستة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ، أرسله رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيا. توفي في طاعون عمواس في الأردن سنة ١٨ للهجرة، قيل عاش ٢٨ سنة وقيل ٣٣ سنة أو ٣٤ سنة. الأعلام.
[ ٨٢ ]
ما أدري إلى جنّة أم إلى نار.
٢١٢ - وذكر أنّ بعض الصّالحين مات له ابن فلم ير به جزع عليه. فقيل له في ذلك. فقال: هذا أمر كنّا نتوقّعه فلما وقع لم ننكره.
٢١٣ - خويلد بن خالد الهذلي (١):
أودى بنيّ وأعقبوني حسرة بعد الرّقاد وعبرة ما تقلع
سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهم فتخرّموا ولكلّ جنب مصرع (٢)
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ألفيت كلّ تميمة لا تنفع
وتجلّدي للشّامتين أريهم أنّي لريب الدّهر لا أتضعضع
٢١٤ - وقيل إنّ إبراهيم بن عبد الملك بكى في مرضه الذي مات فيه، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: قلّة الزّاد، وبعد السّفر، وصعود عقبة لا أدري هبطتي منها إلى جنّة أم إلى نار.
٢١٥ - ومات صديق (٣) للمبرّد (٤) فلم يمل سنة إلاّ المراثي والتّعازي،
_________________
(١) الأبيات في شرح ديوان الهذليين ١/ ٤ القصيدة الأولى، والمفضليات ٤٢١ القصيدة (١٢٦). وانظر تخريجها به. وسبب إنشاء القصيدة هو أنه هلك بنوه الخمسة في عام واحد، أصابهم الطاعون، وهي أشهر شعره ومطلعها: أمن المنون وريبها تتوجّع؟ والدهر ليس بمعتب من يجزع
(٢) خويلد بن خالد الهذلي، أبو ذؤيب، شاعر فحل مخضرم غزا إفريقية، مات بمصر نحو سنة (٢٧).
(٣) هويّ: هواي بلغة هذيل. أي ماتوا قبلي، وكنت أحب أن أموت قبلهم. أعنقوا: أسرعوا. جعلهم كأنهم هو والذهاب، تخرموا: أخذوا واحدا واحدا. المفضليات.
(٤) انظر كتاب المراثي والتعازي صفحة (٣٠٠،٣٠١).
(٥) وهو القاضي إسماعيل بن إسحاق الأزدي، فقيه على مذهب الإمام مالك جليل التصانيف، كان قاضي القضاة ببغداد، ومن أجلّ أصدقاء المبرد، توفي ببغداد حرسها الله (٢٨٢).
(٦) المبرد محمد بن يزيد، أبو العباس، إمام العربية ببغداد، وأحد أئمة-
[ ٨٣ ]
ثم ختم كتابه بعد سنة بقول الشّاعر:
إلى الحول ثم اسم السّلام (١) عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر (٢)
٢١٦ - الخنساء:
وما كرّ إلاّ كان أوّل طاعن وما أبصرته الخيل إلاّ اقشعرّت
فيدرك ثأرا وهو لم تخطه القنا فمثل أخي يوما به العين قرّت (٣)
ولست أرزّى بعده برزيّة فأذكره إلاّ سلت وتجلّت
٢١٧ - وقال عبد العزيز بن مسلم العقيلي: مررت بقبر أبي محجن (٤) بأرمينية (٥) تحت شجرات من كرم، فذكرت أبياته، وعجبت من الاتفاق في
_________________
(١) الأدب والأخبار من كتبه «الكامل». و«التعازي والمراثي» الذي قال في مقدمته: «دعانا إلى تأليف هذا الكتاب، واجتلاب محاسن من تكلّم في أسباب الموت من المواعظ والتعازي والمراثي. . . مصابنا برجل استخفّنا لذلك وبعثنا عليه وهو أبو إسحاق القاضي إسماعيل بن إسحاق». المراثي والتعازي صفحة (١).
(٢) في الأصل: أنتم سلام والتصحيح من الديوان صفحة (٢١٤).
(٣) البيت للبيد بن ربيعة العامري من قصيدة خاطب فيها ابنتيه لما حضرته الوفاة، ومطلعها: تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر
(٤) الديوان صفحة (١٨) من قصيدة مطلعها: لهفي على صخر فإني أرى له نوافل من معروفه قد تولّت
(٥) في الديوان: وهو لم يخطه الغنى.
(٦) الخبر بنحوه في الأغاني ١٩/ ١٣، والاستيعاب.٤/ ١٧٥٠.
(٧) أبو محجن الثقفي فارس شاعر من الأبطال جلده عمر في الخمر مرّات، ونفاه إلى جزيرة في البحر، فهرب ولحق بسعد وهو يحارب الفرس فحبسه، توفي بأذربيجان أو جرجان سنة (٣٠) للهجرة. خزانة الأدب ٨/ ٤٠٥.
(٨) في مصادر ترجمته لم يذكر بأنه دفن بأرمينية.
[ ٨٤ ]
قوله:
إذا متّ فادفنّي إلى جنب كرمة تروّي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفننّي في الفلاة فإنّني أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها
٢١٨ - ومات ابن لابن عبّاس في سفر، فأنشد يرثيه:
حانت منيّته بتثوى غربة والميت ثاو حيث حلّ غريب
٢١٩ - وقال الخريمي:
يذكّرني شمس الضّحى نور وجهه فلي لحظات نحوها حين تطلع
ولو شئت أن أبكي دما لبكيته عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع
وإنّي وإن أظهرت منّي جلادة وصانعت أعدائي عليك لموجع (١)
ملكت دموع العين حين رددتها إلى ناظري إذ أعين القلب تدمع (٢)
وأعددته ذخرا لكلّ كريهة وسهم المنايا بالذّخائر مولع
٢٢٠ - وقيل: مرّت الخنساء على هند بنت عتبة بن شيبة (٣) وهي تنشد مراثي في أهل بيتها، فقالت لها: على ما تبكين؟ قالت: أبكي سادات مضر. قالت: فأنشديني بعض ما قلت. فقالت:
_________________
(١) الخريمي إسحاق بن حسان بن قوهي، أبو يعقوب، شاعر مطبوع، وصفة أبو حاتم السجستاني بأشعر المولدين، اتصل بعثمان بن عمارة بن خريم الناعم فلزمه حتى نسب إليه، كما اتصل بكاتب البرامكة محمد بن منصور، توفي سنة (٢١٢). قصيدته في الديوان صفحة (٤٠) قالها يرثي خريم بن عمارة، ومطلعها: قضى وطرا منك الحبيب المودّع وحلّ الذي لا يستطاع فيدفع
(٢) الديوان: وإني وإن أظهرت صبرا وحسبة.
(٣) في الأصل فأعين. والتصحيح من الديوان.
(٤) انظر الخبر بنحوه في ديوان الخنساء صفحة (٤٣)، ومجمع الأمثال ٢/ ٢٧٥.
(٥) هند بنت عتبة بن شيبة أم معاوية بن أبي سفيان أسلمت عام الفتح، توفيت سنة (١٤) للهجرة.
[ ٨٥ ]
أبكي عمود الأبطحين كليهما ومانعها من كلّ باغ يريدها (١)
أبي عتبة الفيّاض ويحك فاعلمي وشيبة والحامي الدّيار وليدها (٢)
أولئك أهل العزّ من آل غالب وللحرب يوم حين عدّ عديدها (٣)
فقالت الخنساء: مرعى ولا كالسّعدان (٤)، وأنشدت تقول:
أبكّي أبي عمرا (٥) بعين غزيرة قليل إذا تغفى العيون رقودها
وصخرا ومن من مثل صخر إذا بدا تساميه الأبطال قبّا يقودها (٦)
٢٢١ - وحدّث أبو البراء ثمامة بن الوضين قال: رأيت باليمامة جارية تبكي عند قبر وتقول:
كفى حزنا أنّي أروح بحسرة وأغدو على قبر ومن فيه لا يدري
فيا نفس شقّي جيب عمرك بعده ولا تبخلي بالله يا نفس بالعمر
فما كان يأبى أن يجود بنفسه ليفديني لو كنت صاحبة القبر
فسألتها عنه، فقالت: رفيقته منذ ثلاثين سنة، والله، لأبكينّه أو تلحق
_________________
(١) في الديوان: عميد الأبطحين، والأبطح يضاف إلى مكة، وإلى منى لأن المسافة بينه وبينهما واحدة، وهو المحصّب. معجم البلدان ١/ ٧٤.
(٢) في الديوان: والحامي الذمار. وكان قد قتل في معركة بدر كلّ من أبيها عتبة بن ربيعة، وعمّها شيبة بن ربيعة، وأخيها الوليد بن عتبة كفارا.
(٣) في الديوان: وفي العز منها حين ينمى عديدها.
(٤) المثل في: أمثال الضبي ١٢٧، ومجمع الأمثال ٢/ ٢٧٥ والمستقصى ٢/ ٣٤٤، قال الميداني في مجمع الأمثال: السعدان أخثر العشب لبنا، إذا خثر لبن الراعية كان أفضل ما يكون وأطيب وأدسم، ومنابت السعدان السهول، وهو من أنجع المراعي في المال، ولا تحسن على نبت حسنها عليه، وهو يضرب مثلا للشيء يفضل على أقرانه وأشكاله.
(٥) في الأصل أبكي أبا عمرو، والتصحيح من الديوان؛ فإن أباها عمرو بن الحارث بن الشريد.
(٦) القبّ: رئيس القوم وسيدهم، وفي الديوان: وصخرا ومن ذا مثل صخر إذا غدا بساحته الأبطال قزم يقودها
[ ٨٦ ]
نفسي به.
٢٢٢ - وقيل إنّ ليلى الأخيليّة (١) مرّت في ركب بقبر توبة بن الحميّر (٢) فلم تقف عليه، فقيل لها: والله، ما وفيت له، هلاّ وقفت وسلّمت. فقالت:
كرهت أن لا يردّ سلامي فأكذبه حيث يقول:
ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت عليّ ودوني تربة وصفائح
لسلّمت تسليم البشاشة أو زقا إليها صدى من جانب القبر صائح
٢٢٣ - أبو الغطريف:
قد زرت قبرك يا عليّ مسلّما ولك الزّيارة من أقلّ الواجب
ولو استطعت حملت عنك ترابه فلطالما عنّي حملت نوائبي
ودمي فلو أنّي علمت بأنّه يروي ثراك سقاه صوب الصّائب
لسفكته أسفا عليك وحسرة وجعلت ذاك مكان دمعي السّاكب
٢٢٤ - وحدّث عبد الله بن سكّين (٣) قال: رأيت جارية بصحار (٤) تبكي عند قبر، وتقول:
_________________
(١) انظر الخبر بنحوه والأبيات في التعازي والمراثي صحفة (٧٨)، والأمالي ١/ ١٩٧، والأغاني ١١/ ٢٤٤، وحماسة أبي تمام صفحة (١٣١١) وسمط اللآلي (١١٩).
(٢) ليلى بنت عبد الله بن الرحال الأخيلية، شاعرة فصيحة جميلة ذكية، ولها أخبار مع الحجاج وعبد الملك بن مروان اشتهرت بأخبارها مع توبة.
(٣) توبة بن الحميّر شاعر من عشاق العرب المشهورين، خطب ليلى فرده أبوها، فانطلق يقول الشعر مشببا بها، قتله بنو عوف بن عقيل سنة (٨٥) للهجرة. (الأعلام).
(٤) كذا الأصل.
(٥) صحار: مدينة كبيرة بأرض عمان على ساحل البحر، مياهها من الآبار، أقدم مدن عمان وأكثرها أموالا، يقصدها ما لا يحصى من التجار، إليها تجلب جميع بضائع اليمن، ويتجهز منها بأنواع التجارات، بها كثير من الثمار الطيبة. عن الروض المعطار (٣٥٤).
[ ٨٧ ]
يا قريب المدى بعيد المآب بأبي أنت يا سليب الشّباب
لم تدع وجهك المنيّة حتّى وهبت حسنه قبيح التّراب
٢٢٥ - قيل: ماتت جارية للرّشيد كان مشغوفا بها، فقال للعبّاس (١):
ارثها، فإنّها اختلست من يدي. فقال: علّمني يا أمير المؤمنين، كيف أقول فيها. فقال:
اختلست ريحانتي من يدي أبكي عليها آخر المسند (٢)
كانت هي الأنس إذا استوحشت نفسي من الأقرب والأبعد
وروضة لي لم تزل مرتعي ومنهلا كان به موردي
كانت يدي كانت بها قوّتي فاختلس الدّهر يدي من يدي (٣)
٢٢٦ - وقال الرّقاشي (٤) وقد انتهى إليه موت جعفر بن يحيى البرمكي:
الآن استرحنا واستراح ركابنا وأمسك من يحدي ومن كان يحتدي (٥)
_________________
(١) العباس بن الأحنف الشاعر، كان ظريفا حلوا مقبولا حسن الشعر، ولم يقل في المديح والهجاء إلا شيئا نزرا، وشعره في الغزل، وله أخبار كثيرة مع هارون الرشيد وغيره، توفي سنة (١٩٢). تاريخ بغداد ١٢/ ١٢٧.
(٢) المسند: الدهر. القاموس (سند).
(٣) الأبيات كما جاء في الخبر لهارون الرشيد، والبيت الأول والأخير للعباس بن الأحنف، وهما في ديوانه صفحة ١٠٧ وروايتهما فيه: ريحانتي واختلست من يدي أبكي عليها آخر المسند كانت يدا كانت بها قوتي فاختلس الدهر يدي من يدي وهما كما في الديوان في محاضرات الأدباء ٢/ ٢٣٧.
(٤) انظر الخبر والأبيات في مروج الذهب ٤/ ٢٥٣ (٢٦٠٣) والأبيات منسوبة إلى أشجع السّلمي، وتاريخ الطبري ٨/ ٣٠٠: (قد ذكر هذا الشعر لأبي نواس) والهفوات صفحة (٧٧)، ووفيات الأعيان ١/ ٢٤٦.
(٥) الرقاشي الفضل بن عبد الصمد، أبو العباس، شاعر مجيد من أهل البصرة فارسي الأصل، مدح الخلفاء، انقطع إلى البرامكة ورثاهم بعد نكبتهم، كان متهتكا خليعا. الأعلام.
(٦) في مصادر الخبر كلها: واستراحت. ويجدي ومن كان يجتدي.
[ ٨٨ ]
فقل للمطايا قد أمنت من السّرى وطيّ الفيافي فدفدا (١) بعد فدفد
وقل للعطايا بعد فضل تبدّدي وقل للرّزايا كلّ يوم تجدّدي (٢)
وقل للمنايا قد ظفرت بجعفر ولن تظفري من بعده بمسوّد
٢٢٧ - وذكر المبرّد: أنّ يعقوب بن الرّبيع (٣) أحبّ جارية، فطلبها سبع سنين، وبذل فيها جاهه وماله وإخوانه حتّى ملكها، فأقامت عنده ستّة أشهر ثم ماتت، فقال فيها أشعارا كثيرة، ولم يزل يرثيها حتّى مات.
وذكر الصّولي أنّه أعطي فيها مئة ألف دينار [فلم يبعها] (٤)، ومن أحسن ما قال فيها:
رأيت ثياب النّاس في كلّ مأتم إذا اختلفوا (٥) زرق الثّياب وسودها
وإنّي على ملك لبست ملاءة من الحزن لا يبلي الزّمان جديدها
وله فيها (٦):
يا ملك إن كنت تحت الأرض بالية فإنّني فوقها بال من الحزن
يا ملك لم تجدي مسّ البلى ولقد وجدت مسّ البلى والضّرّ في بدني
_________________
(١) الفدفد: الفلاة التي لا شيء بها، وقيل: هي الأرض الغليظة ذات الحصى، وقيل: المكان الصّلب. اللسان.
(٢) في مصادر الخبر كلها: بعد فضل تعطلّي.
(٣) الكامل ٣/ ١٤٦٤.
(٤) يعقوب بن الربيع حاجب أبي جعفر المنصور، أخو الفضل بن الربيع، كان أحد الأدباء الشعراء، وكان ماجنا خليعا، استنفد شعره في رثاء جاريته ملك. مات سنة (١٩٠) للهجرة. تاريخ بغداد ١٤/ ٢٦٧، معجم الأدباء لياقوت ٢٠/ ٥٣، ومعجم الشعراء للمرزباني صفحة (٥٠٤).
(٥) ما بين معقوفين مستدرك من تاريخ بغداد ومعجم الأدباء.
(٦) في معجم الشعراء للمرزباني: إذا احتفلوا.
(٧) البيتان في معجم الشعراء للمرزباني صفحة (٥٠٥).
[ ٨٩ ]
٢٢٨ - وعن [ابن] أبي فنن (١) قال: لم يقل في وصف ميّت أحسن من قول يعقوب بن الرّبيع يصف جاريته عند موتها:
ظلّت تكلّمني كلاما مطمعا لم أسترب منه بشيء مؤيس
حتّى إذا فتر اللّسان (٢) وأصبحت للموت قد ذبلت ذبول النّرجس
وتسهّلت منها محاسن (٣) وجهها وعلا الأنين تحثّه بتنفّس
رجع اليقين مطامعي يأسا كما رجع اليقين مطامع المتلمّس (٤)
٢٢٩ - وقيل: إنّ أبا المعالي بن عبد القاهر بن المنذر شرع في عمارة دار واهتمّ بها، فلما تمّ بناؤها مرض ومات، وعمل هذين البيتين عند موته بعد ما أوصى أن يدفن في الدّار:
لهفي على غصن شباب ذوت أوراقه من أوّل العرس
ومنزل أمّلت عمرانه أصبح في جانبه رمسي
٢٣٠ - ومات ولد لشيخ من بني أسد فاشتدّ جزعه عليه، فقيل له:
اصبر؛ فإنّه فرط أفرطته، وخير قدّمته، وذخر أحرزته. فقال مجيبا: ولد
_________________
(١) الأبيات الثلاثة الأخيرة في الكامل ٣/ ١٤٦٥، وثمار القلوب ٢١٨.
(٢) في الأصل أبي فنن، وهو أحمد بن أبي فنن صالح، أبو عبد الله، مولى بني هاشم، شاعر مجود، نقي اللفظ، راوية، أكثر المدح للفتح بن خاقان، وكان أسود اللون. تاريخ بغداد ٤/ ٢٠٢، طبقات الشعراء ٣٩٦.
(٣) في ثمار القلوب: حتى إذا احتبس اللسان.
(٤) في ثمار القلوب: وتكاءبت منها المحاسن.
(٥) المتلمس هو جرير بن عبد العزّى من بني ضبّة، شاعر جاهلي، من أهل البحرين، خال طرفة بن العبد كان ينادم عمرو بن هند فبلغه أن المتلمس وطرفة هجواه، فأراد عمرو قتله فكتب إلى عامله بالبحرين كتابين أوهمهما أنه أمر لهما فيهما بجائزة، وقد كان أمر بقتلهما، ففض المتلمس الصحيفة، وقرأ ما فيها، فقذفه بنهر الحيرة ونجا، أما طرفة، فقد ذهب إلى عامل عمرو في البحرين وقتل هناك.
[ ٩٠ ]
دفنته، وثكل تعجّلته، وغيب وعدته، والله، إن لم أجزع من النّقص لم أفرح بالمزيد.
٢٣١ - وقال العتبي (١) يذكر ولدا له مات:
أضحت بخدّي للدّموع رسوم أسفا عليك وفي الفؤاد كلوم
والصّبر يحمد في المصائب كلّها إلاّ عليك فإنّه مذموم
٢٣٢ - وأنشد سليمان بن عبد الملك (٢) عند وفاة بعض ولده:
إذا ما دعوت الصّبر بعدك والبكا أجاب البكا طوعا ولم يجب الصّبر
فإن ينقطع منك الرّجاء فإنّه سيبقى عليك الحزن ما بقي الدّهر (٣)
٢٣٣ - وقيل لأعرابيّ مات أخوه: ما سبب موته؟ قال: كونه.
٢٣٤ - وقيل لفيلسوف: من الذي لا عيب فيه؟ قال: الذي لا يموت.
٢٣٥ - إذا نحن زرنا قبره ودموعنا يكاثرها أفضاله وفضائله
لزمنا له حكم الوقار كأنّما تلوح لنا تحت التّراب شمائله
_________________
(١) الكامل ٢/ ٥٥٥، والتعازي والمراثي (١٦٥)، والعقد الفريد ٣/ ٣٦١، ووفيات الأعيان ٤/ ٣٩٩، والمستطرف ٥٠٨.
(٢) العتبي محمد بن عبيد الله بن عمرو بصري علامة راوية للأدب والشعر، تتابعت عليه مصائب بالذكور من ولده في الطاعون الكائن بالبصرة فمات منهم ستة. توفي سنة (٢٢٨). معجم الأدباء للمرزباني (٤٢٠)، تاريخ بغداد ٢/ ٣٢٤، وفيات الأعيان ٤/ ٣٩٨.
(٣) البيتان للعباس بن الأحنف ديوانه صفحة (١٣٧) والعقد الفريد ٣/ ٢٥٨ (قال أعرابي يرثي ابنه)، وشرح الحماسة للمرزوقي صفحة (٩٠٠)، والحماسة الشجرية ١/ ٣٤٤ من غير عزو، والمستطرف ٥٠٧ العباس بن الأحنف.
(٤) كذا في الأصل، ولعل في الاسم تحريفا، أو أن سليمان بن عبد الملك هذا غير الخليفة الأموي.
(٥) رواية البيت في الديوان: فإن تقطعي منك.
(٦) الأجوبة المسكتة ١٠١، الحكمة الخالدة ١٦٠.
[ ٩١ ]
٢٣٦ - ومات ابن (١) لعبيد الله بن الحسن (٢) فعزّاه صالح المرّي (٣) فقال:
إن كانت مصيبتك في ابنك أحدثت لك عظة في نفسك فنعم المصيبة مصيبتك، وإن لم تكن أحدثت لك عظة في نفسك، فمصيبتك في نفسك أعظم من المصيبة في ميّتك.
٢٣٧ - وقالوا رزقت الأجر يوم مصابه فقلت لهم: يا ليتني فاتني الأجر
أأبغي ثوابا في الّذي كلّ كربة لها من معاليه إذا أظلمت فجر
٢٣٨ - وعزّى سهل بن هارون لرجل فقال: مصيبة في غيرك لك أجرها خير من مصيبة فيك لغيرك ثوابها.
٢٣٩ - وعزّى رجل أخاه عن ابن له فقال: ذهب أبوك وهو أصلك، وذهب ابنك وهو فرعك، فما حال الباقي بعد ذهاب أصله وفرعه؟
٢٤٠ - لكلّ أناس مقبر بفنائهم فهم ينقصون والقبور تزيد
_________________
(١) التعازي (٢٧)، والتعازي والمراثي (٧١)، والعقد الفريد ٣/ ٣٠٤، وعيون الأخبار ٣/ ٥٣.
(٢) في التعازي والمراثي مات الحسن بن الحصين أبو عبيد الله بن الحسن.
(٣) عبيد الله بن الحسن بن الحصين من العلماء الفقهاء في الحديث، ولي قضاء البصرة وإمارتها. توفي سنة (١٦٨) هـ.
(٤) صالح بن بشر المري أحد رواة الحديث العباد كان قاضيا في البصرة، توفي سنة (١٧٢).
(٥) أمراء البيان صفحة (١٧٤).
(٦) التعازي والمراثي (٢٠٦)، والعقد الفريد ٣/ ٣٠٧.
(٧) الأبيات في عيون الأخبار ٣/ ٦٦، والعقد الفريد ٣/ ٢٣٦ منسوبة لزيد بن علي، وكتاب الوزراء والكتاب ١٦٣ منسوبة ليعقوب بن داود، وشرح الحماسة ٢/ ٨٩١ منسوبة لعبد الله بن ثعلبة الحنفي.
[ ٩٢ ]
وما إن تزال الدّار منهم قد اقفرت وقبر لميت بالفناء جديد (١)
هم جيرة الأحياء أمّا مزارهم فدان وأمّا الملتقى فبعيد
٢٤١ - ولو كان في الدّنيا خلود لواحد لكان رسول الله فيها المخلّدا
ومن ذا الّذي يبقى من الدّين سالما وسهم المنايا قد أصاب محمّدا (٢)
٢٤٢ - وقيل لأعرابية مات ولدها: ما أحسن عزاءك! فقالت: إنّ فقدي إيّاه أمّنني المصائب بعده، وفي ذلك يقول الشاعر (٣):
وكنت عليه أحذر الموت وحده فلم يبق لي شيء عليه أحاذر
٢٤٣ - وقال آخر:
عش ما بدا لك أن تعيش فإنّما طرف الحياة من الممات قريب
٢٤٤ - وقيل: دخلت الخنساء على عائشة وعليها صدار من شعر وقد وضعت خمارها، فقالت لها عائشة: ألم ينه النّبيّ ﷺ عن لبس الصّدار ووضع
_________________
(١) في عيون الأخبار، والحماسة: وما إن يزال رسم دار قد اخلقت وبيت لميت بالفناء جديد وفي العقد: فما إن يزال دار حي قد أخربت.
(٢) البيتان كتبا على الهامش بخط مغاير لخط الأصل. وقافيتاهما: المخلد ومحمد.
(٣) الدّين: الموت. قاموس المحيط (دين).
(٤) عيون الأخبار ٣/ ٥٦، والخبر في العقد الفريد ٣/ ٢٥٤، والمنازل والديار صفحة (٤٨) دون الأبيات هذه، وإنما ذيلت بالأبيات التي مطلعها: من شاء بعدك فليمت فعليك كنت أحاذر
(٥) البيت لأبي نواس الديوان:٥٨١ من قصيدة يرثي بها محمد الأمين مطلعها: طوى الموت ما بيني وبين محمّد وليس لما تطوي المنيّة ناشر
(٦) الكامل ٣/ ١٣٩٦، والتعازي والمراثي ٤٨، والتعازي ٢٩، والعقد الفريد ٣/ ٢٦٦.
[ ٩٣ ]
الخمار؟! فقالت: بلى، ولكنّ زوجي قامر فقمر (١) فأتيت أخي صخرا، فشاطرني ماله، وأتيت به زوجي، فقامر ثم قمر، فأتيت أخي صخرا فشاطرني ماله، فأتيت به زوجي، فقامر فقمر، فعدت إلى أخي فشاطرني ماله، فقالت له زوجته، أكلّ هذا تفعله مع هذه؟. فقال: نعم،
لو فقدتني وضعت خمارها واتخذت من شعر صدّارها
فلمّا فقدته وضعت الخمار، ولبست الصّدار.
٢٤٥ - وقال الأصمعيّ: حضر بعض العرب الموت فرأى جزع أخيه عليه، فقال له: هوّن عليك يا أخي، فيوشك أن تحدّث عنّي وأنت تضحك.
٢٤٦ - وقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكى من الأجر لي فيه وإن سرّني الأجر
وأجزع أن ينأى به بين ليلة فكيف ببين صار موعده الحشر
٢٤٧ - ولأعرابيّ:
وما نحن إلاّ مثلهم غير أنّنا أقمنا قليلا بعدهم وتقدّموا
٢٤٨ - أبو نواس:
سبقونا إلى الرّحيـ ـل وإنّا على الأثر
_________________
(١) في الكامل، والعقد: كان زوجي رجلا متلافا.
(٢) عيون الأخبار ٣/ ٦١.
(٣) محاضرات الأدباء ٢/ ٢٢٤.
(٤) الديوان صفحة (٦١٢) من قصيدة مطلعها: يا بني النقص والعبر وبني الضعف والخور
[ ٩٤ ]
٢٤٩ - وقيل: دخل عمر بن ذرّ (١) على ابنه ذرّ وهو يجود بنفسه، فقال:
يا بنيّ، إنّه ما علينا غضاضة، ولا بنا إلى أحد سوى الله حاجة، فلمّا قضى وواراه، وقف على قبره، وقال: يا ذرّ، إنّه قد شغلنا الحزن لك على الحزن عليك، لأنّا لا ندري ما قلت ولا ما قيل لك، اللهمّ إني قد وهبت له ما قصّر فيه بما افترضته عليه من حقّي، فهب له ما قصّر فيه من حقّك، واجعل ثوابي عليه له، وهب لي من فضلك، إنّي إليك من الرّاغبين.
٢٥٠ - وقال آخر لابنه:
ومن عجب أن بتّ مستشعر الثّرى وبتّ بما زوّدتني متمتعا
ولو أنّني أنصفتك الودّ لم أقم خلافك حتى ننطوي في الثّرى معا
٢٥١ - وذكر المسعوديّ قال: رأيت (٢) ببلاد سرنديب-وهي جزيرة من جزائر البحر-إذا مات ملكهم صيّر على عجلة قريبة (٣) من الأرض صغيرة البكر معدّة لهذا المعنى وشعرته تنجرّ على الأرض (٤)، وامرأة بيدها مكنسة تحثو التّراب بها على رأسه، وتنادي بأعلى صوتها: يا أيّها النّاس هذا ملككم،
_________________
(١) التعازي والمراثي صفحة (٦٦)، والكامل ١/ ١٥١، والبيان والتبيين ٣/ ١٤٤، وتهذيب الكمال ٢١/ ٣٣٨.
(٢) عمر بن ذر، يكنى أبا ذر، كان قاصا، مرجئا، مات سنة (١٥٣) طبقات ابن سعد ٦/ ٣٦٢.
(٣) نهاية الأرب ٥/ ١٧٩، وزهر الآداب ٣/ ٢١٤.
(٤) مروج الذهب ١/ ٩٣ (١٧٥).
(٥) قال محقق كتاب مروج الذهب محشيا: «لم ير المسعودي شيئا من بلاد سرنديب، بل سرق ما قاله صاحب أخبار الصين والهند». والنص في أخبار الصين والهند لسليمان التاجر، وأبي زيد السيرافي ص ٥١ ط دائرة المعارف الهندية تحقيق إبراهيم الخوري.
(٦) في الأصل قريب، والتصحيح من المروج.
(٧) قال محقق كتاب المروج في الحاشية: كذا في نسخة (بم)، أما النسخة التي أثبتها المحقق [محيي الدين عبد الحميد] في المتن فنصّها: «صغيرة البكرة. . . وشعره ينجرّ».
[ ٩٥ ]
[بالأمس قد ملككم] (١) وجاز فيكم أمره ونهيه، وقد صار إلى ما ترون، وقبض روحه ملك الملوك الحيّ الذي لا يموت، فلا تغترّوا بعده بالحياة؛ فالحياة في هذه الدّنيا متاع الغرور.
٢٥٢ - وقال أبو الحسن المدائني (٢): حدّثني عمرو بن مسعدة (٣) قال:
قال لي المأمون يوما: ألا أفيدك مصون الرّوم واليونانية من الحكمة؟ قلت:
بلى يا أمير المؤمنين. قال: إنّي قرأت في صحف من كتبهم أنّ الإسكندر لمّا مرض مرضه الذي مات فيه أرسل إلى أرسطاطاليس (٤) وكان معلمه الذي يصدر عن رأيه، ويعرف علمه وحقّ فضله، فقال له: أيّها الحكيم المؤتمن، خفف عن الطبيعة ما عليها من الثقل بكتاب تكتبه إلى الشّفيقة والدتي أرفية (٥) تحضّها فيه على الصّبر، وتذكّرها فيه بمن سلف من الملوك خلّفوا ما خلّفت، وصرت إلى عرصاتهم وميدان حلبتهم، قد انقطعت أخبارهم، ودرست آثارهم، فعادت الحركة سكونا، والأجسام همودا، والأرواح خفوتا؛ واقرأه
_________________
(١) ما بين معقوفين مستدرك من المروج.
(٢) انظر خبر وفاة الإسكندر وأقوال الحكماء في موته في مروج الذهب ٢/ ١٠ (٦٧٥)، ونشوار المحاضرة ٧/ ٢٥٧، وذيل كتاب تجارب الأمم ٣/ ٧٦، ومختار الحكم ومحاسن الكلم ٢٣٩، والمنتظم ٧/ ١١٧. وزهر الآداب ٣/ ٩١.
(٣) تقدمت ترجمته صفحة (٥٤).
(٤) عمرو بن مسعدة بن سعيد، أبو الفضل أحد كتاب المأمون، أسند الحديث عن المأمون أيضا توفي سنة (٢١٧) للهجرة. تاريخ بغداد ١٢/ ٢٠٣.
(٥) أرسطاطالس أو أرسطوطالس أو أرسطو ٣٨٤ - ٣٢٢ ق. م مربي الإسكندر، فيلسوف يوناني، تأثر فلاسفة المسلمين بتآليفه التي نقلها إلى العربية إسحاق بن حنين. (المنجد).
(٦) هكذا الأصل، وفي مختار الحكم ومحاسن الكلم صفحة (٢٣٩) روفيا وفي الحاشية: في ص، ح زوقيا. وفي كتاب الإسكندر المقدوني تأليف هارولد لامب أن أسمها: أولمبياس، وورد في المختار صفحة (٢٥٠) في رسالة الإسكندر لأمه: احشري الناس من بلاد لوبيه وأورفيه. . .
[ ٩٦ ]
عليّ قبل موتي.
فكتب أرسطاطاليس كتابا هذه نسخته (١): من الإسكندر رفيق أهل الأرض بجسده قليلا، ورفيق أهل السّماء بروحه كثيرا إلى والدته أرفية الصّفيّة والحبيبة التي تحبّ التّمتّع بولدها في دار الغرّ الغرور، وتزهد في مجاورته غدا في دار النّشور. يا ذات الحلم الرّاجح، أسألك من قربي من قلبك أن تستمعي لقراءة كتابي هذا وتتفهّميه وترفعي نفسك عن شبه النّساء وضعفهنّ في الرّقة، كما لم يكن ابنك يرضى بشبه الرّجال في كثير من أمورهم، وانظري وتأمّلي في جميع ما أحاط به العالم. هل رأيت لشيء قرارا ثابتا، أو حالا دائما؟ ألم تري أنّ (٢) الشّجرة كيف تهتزّ أغصانها، وتخرج ثمارها وتلتفّ ورقها، ثم إن يلبث أن ينهشم الغصن، ويتساقط الثّمر، ويتناثر الورق. أو لم ترى إلى النّهار المضيء النيّر البهي كيف تخلفه الظّلمة في مكانه؟، أو لم تري القمر أبهى ما يكون ليلة البدر يكسفه الكسوف فيذهب بنوره فيظلم ما ظهر من نوره وبهجته وحسنه، أو لم تري الكواكب الزّاهرة كيف يغشاها الطّموس فيخمد نورها؟ أو لم تري إلى شهب النّيران المتوقّدة ما أسرع ما يخبو ضوءها ولهبها؟ بل انظري إلى الماء العذب ما أسرع جريته إلى البحار المالحة التي تحوله إلى طبيعتها ومرارة ذوقها؟ وإلى هذا الخلق العجيب الذي ينافس في
_________________
(١) جاء في «مختار الحكم» (٢٣٩) بداية الرسالة فقط وفيها اختلاف «من العبد بن العبد الإسكندر رفيق أهل الأرض بجسده قليلا، ومجاور أهل الآخرة بروحه طويلا، إلى أمه روفيا الصفية الحبيبة، التي لم يتمتع بقربها في دار القرب، وهي مجاورته غدا في دار البعد. . .» إلى آخر الكتاب، وهو كتاب طويل. وقد ذكرته وغيره من كتبه في تاريخي الكبير على التمام. ا. هـ. وللإسكندر رسالة ثانية أيضا مختلفة إلى أمه كتبها بنفسه ولا تتوافق مع هذه الرسالة إلا بجمل مقتضبة، انظر مختار الحكم أيضا (٢٤٩).
(٢) كذا في الأصل، ولعلها إلى.
[ ٩٧ ]
الدنيا، ويحرص على عمارة ما يخلق آخره، ويدرس أثره؛ قد امتلأت به الآفاق، وشغلت به الأمكنة، وقد مالت إليه الحواس بكلّيتها فرجعت عن إدراكه كالّة حائرة. وإنهما شيئان اثنان شيء يولد فينمو وشيء ينبت فينمو وكلاهما مقرون به الهلاك. أو لم يبلغك أنه قيل لهذا الدار حين بنيت:
يا والدة الموتى، ومرتجعة العطيّة، وناقضة كلّ مبروم، أو لم تري كلّ مخلوق يجري على ما ليس يدري؟ وأنّ كلّ مستقرّ منهم غير راض باستقراره، أم هل رأيتم معطيا لا يأخذ، ومقرضا لا يتقاضى، ومستودعا لا يردّ وديعته؟ ولئن يكن أحد حقيقا بالبكاء فلتبك السّماء على نجومها، ولتبك البحار على حيتانها، وليبك الجو على أجناس الطير المختلفة في الهواء، ولتبك الأرض على سكّانها، وليبك الإنسان على نفسه التي تموت في كلّ ساعة ولحظة وطرفة، وأجلها يطلبها، بل علام يبكي الباكي؟ لفقد من فقد من قبل أن يفارقه فأتاه ما لم يكن يحسب، وتوقّع ما لم يكن يحذر؛ فيحدث له البكاء والحزن. يا أمّاه، إنّ الموت والفناء لا يبقيان العزيز، ولا يتركان الذّليل.
وقد عرفت سبيل المنهج والطّريق الواضح الذي ما عنه معدل، بل إليه كلّ يصير، ولا يتعبنّك الحزن والبكاء من بعدي؛ فإنّك لم تكوني جاهلة بأنّي من الذين يموتون. وقد كتبت كتابي هذا أرجو أن تتعزّي (١) به وأن يحسن منك موقعه، فلا تخلفي ظنّي، ولا تحزني روحي، فإنّي قد علمت يقينا أنّ الذي أذهب إليه خير (٢) من المكان الذي كنت فيه، وأكرم وأطهر وأحسن من الحزن والنّصب والهمّ والألم، فاغتبطي بمذهبي واستعدّي للقائي.
يا أمّاه أرفية، اذكري أنّ ذكري قد انقطع عن أهل الدنيا بما كنت أذكر من عزّ سلطاني وملكي فاجعلي لي من بعد ذكري صبرك على عظيم ما نزل بك من
_________________
(١) في الأصل تتعزين.
(٢) في الأصل خيرا.
[ ٩٨ ]
فقد ولدك.
يا أماه، المقام في هذه الدار قليل زائل والمقام في دار الأبد دائم.
فلما مات الإسكندر جعل جسده في تابوت من ذهب، وحمل إلى الإسكندرية إلى دار الملك، وجعل التابوت في وسط إيوانه الذي كان يجلس فيه على السّرير، وقيل لحكماء اليونانية والعظماء: ادنوا منه، وأحد قوا به، وتكلّموا على هذا الجسد السّاكن (١).
فقال فلليمون الحكيم: هذا يوم عظيم العبر أقبل من شرّه ما كان مدبرا (٢)، وأدبر من خيره ما كان مقبلا. فمن كان باكيا على زوال ملكه فليبك (٣).
وقال ميلاطوس الحكيم الأول: أيّها السّاعي المغتصب، ما خانك عند الاجتماع وودعك عند الاحتياج، فلا قرابة يزورك، ولا وزير يتفقّدك.
وقال الحكيم الثاني: هذا الإسكندر قد ذهب زهرة بهجته كما أذهب الشّعاع من الشّمس نور النبات.
وقال الحكيم الثالث: هذا الإسكندر صاحب الأسرى قد أصبح أسيرا.
وقال الرّابع: انظروا إلى حلم النائم كيف انقضى، وإلى ظلّ الغمام كيف انجلى؟.
_________________
(١) أقوال الحكماء في مروج الذهب ٢/ ١٠ (٦٧٦) وهي ثلاثون قولا، وفي نشوار المحاضرة ٧/ ٢٥٧ وهي عشرة أقوال، وهي كذلك في ذيل تجارب الأمم ٣/ ٧٦. وفي المنتظم ٧/ ١١٧، وفي زهر الآداب ٣/ ٩١ أحد عشر قولا، وفي مختار الحكم (٢٤٠) أربعة عشر قولا. وهنا (١٠٠) مئة قول.
(٢) في الأصل مدبر.
(٣) في مروج الذهب ٢/ ١١: فمن كان باكيا على زوال ملكه، فليبكك.
[ ٩٩ ]
وقال الخامس: قد كان هذا الشّخص يسأل عمّا قبله وما يسأل عمّا بعده.
وقال السّادس: هذا الجسد صدر وهو ناطق، وورد وهو صامت.
قال السّابع: ما كان آمن هذا الجسد لما يستبقيه، وأشدّ حفظه لما يستودعه.
قال الثامن: ما أرغبنا فيما فارقت، وأغفلنا عمّا عاينت.
قال التّاسع: ما أبعد شبه مكانك الذي أنت فيه اليوم، من مكانك الذي كنت فيه أمس.
قال العاشر: لم يقض هذا نهمته من الدّنيا حتى قضت نهمتها منه.
قال الحادي عشر: أما ترون أيّها الحكماء إلى هذا الجسد كيف حرّكنا بسكونه.
قال الثاني عشر: يا عظيم الشأن اضمحلّ سلطانك كما اضمحلّ السّحاب، وعفت آثار ملكك كما عفت آثار الرّباب.
وقال آخر: [أيّها] (١) الشّخص، باد عرف طيبك كما باد الهبوب، وصرت منها خلوا كالأسير المحجوب.
وقال آخر: أيّها السّاعي المغتصب، جمعت ما خذلك وولّى عنك، ولزمتك أوزاره وعاد على غيرك هناؤه.
وقال آخر: إنّ الآمر في الذّهب قد ساوى الذّهب، فهل ترجو أن ينفذ لك بعد أمرك أمر (٢)؟.
_________________
(١) ما بين معقوفين زيادة يقتضيها النص.
(٢) في الأصل أمرا.
[ ١٠٠ ]
وقال آخر: يا من طالت عليه الأرض طولا، ليت شعري كيف حالك فيما احتوى عليك منها؟.
وقال آخر: لا تعجبوا ممن لم يعظنا فصار موته لنا واعظا.
وقال آخر: اعجبوا لمن كان هذا سبيله كيف شرهت نفسه لجمع الحطام الهامد، والهشيم البائد (١).
وقال آخر: أيّها الجمع الحافل والملتقى الفاضل، لا ترغبوا فيما لا يدوم سروره، وينقطع لذيذه؛ فقد بان لكم الصّلاح والرّشاد من الغي والفساد.
وقال آخر: قد كنّا أيّها الشّخص بالأمس نراك تقدر على الاستماع والقول، فهل تسمع منّا ما نقول؟
وقال آخر: هذا كان يعطي اليسير ممّا جمع، ليحمد، فقد خلّفه الآن على من لا يشكره.
وقال آخر: قتل هذا الشّخص خلقا لئّلا يموت، ومات كيف لم يدفع الموت عن نفسه؟.
وقال آخر (٢): يا من كان غضبه الموت، هلاّ غضبت على الموت؟
وقال آخر: قد كان فيه صمم عن الحقّ وهو حيّ، كيف بصممه الآن وقد مات؟
وقال آخر: لو منعوا هذا الشّخص مما سفك من الدّماء لجمع الذهب، لكانوا قد أصابوا به من الحكمة.
وقال آخر: لم يؤدّبنا الإسكندر بكلامه مثل ما أدّبنا بنفسه.
_________________
(١) في الأصل الهيتم، والتصحيح من مروج الذهب ٢/ ١١.
(٢) في مروج الذهب ٢/ ١١: قال الثامن عشر وكان من حكماء الهند.
[ ١٠١ ]
وقال الآخر: لو عرف هذا الشّخص ضعفه بالأمس كان اليوم مغبوطا.
وقال آخر: إن هذا جمع الذّهب فلم ينفعه حيّا، فمات فلم ينفعه الآن وهو ميّت.
وقال آخر: من رأى هذا الشّخص اليوم فليقنع ويمسك عن طلب الرّغائب؛ فإنّ عاجلها قاتلة وآجلها مهلكة.
وقال آخر: يا من كان بالأمس تزهو النّفوس بالدنوّ منه، صرت اليوم يعاف القرب منك.
وقال آخر: يا من فارق الظّالمين جهرا، أتزوّدت ما يبلّغك إلى الصّالحين سرّا؟.
وقال آخر: يا من كانت الأعين له خاضعة، والألسن منه ساكنة، من الذي جرّأها فاجترأت؟
وقال آخر: من رأى هذا الشّخص، فليثق وليعلم أنّ الذّنوب هكذا يكون قضاؤها.
وقال آخر: قد كان بالأمس طلعته إلينا حياة، فاليوم النّظر إليه سقم.
وقال آخر: لو عني هذا الشّخص بعلم ما يكون بعده كسؤاله عمّا كان قبله لقلّل من سعيه.
وقال آخر: قل للإسكندر: الآن يسدي إليك كلّ امرئ مما أوليت نصيبا.
وقال آخر: هذا وقت ذهب عنك السّرار وبرز فيه الجهار، إن كنت تسمع.
وقال آخر: أحسن بالإسكندر لو استعمل بعض هذا الحلم والصّمت في
[ ١٠٢ ]
حياته.
وقال آخر: هذا المتعظّم الذي لم تسعه المدن العظام قد طوي في ذراعين من الأرض.
وقال آخر: لا يعظم عندكم من يعلّم غيره، لكنّ العظيم من يعلّم نفسه.
وقال الآخر: ما أزهد النّاس أيّها الملك فيك، وأرغبهم في تابوتك.
وقال آخر: من اشتدّ جوعه وحرصه على الارتفاع، كذلك عظمت صرعته.
وقال آخر: لو تيقّن حاله في هذا اليوم، لتواضع للنّاس بالأمس عن قدرة.
وقال آخر: صدر عنّا الإسكندر ناطقا، وقدم صامتا.
وقال آخر: هذه سفرة ما سافر الإسكندر مثلها بلا زاد ولا أعوان.
وقال آخر: لو علم أنّه يزول ملكه، لكان للحكماء أطوع.
وقال آخر: لو كان ذكيّا في حياته لكان مفلحا في موته.
وقال آخر: لو علم أنّه يقبر لم ينصب نفسه لجميع ما تخلّف عنه.
وقال آخر: إن كان قد أسف على حركته الآن فطالما تمنّي له السّكون.
وقال آخر: خافتك حضرتك أيّها الشخص، وأمنت الحضور خائفتك.
وقال آخر: ليس العجب من غروب الشّمس، العجب من شروقها.
وقال آخر: ما أصدق الموت لأهله، غير أنّهم يكذبون أنفسهم ويصمّون آذانهم.
وقال آخر: إن كان لا يبكى إلاّ عند جدّته، فالموت في كلّ يوم جديد.
[ ١٠٣ ]
وقال آخر: زالت الأمور عنك، وانقطعت منك، وأقبلت المكاره عليك إن كنت لا تعلم.
وقال آخر: لئن كنت أمس رفيعا مغبوطا، لقد أصبحت اليوم مرحوما.
وإن كنت أمس رفيعا قد أصبحت اليوم وضيعا.
وقال آخر: يا من ساس الأمور وقهر، أليس قد ساويت الدّناة إصغارا؟
وقال آخر: يا ذا الذي عظم في العزّ حتى هلك، وأفرط في العلوّ حتى سقط. ما الذي زهّدك في الرّأفة وهذه غايتك؟
وقال آخر: عهدي بك وكنت ترغب بنفسك عن رحب البلاد، كيف صبرك الآن على ضيق المكان؟
وقال آخر: أيّها المرغوب بك، ما الذي أزهد فيك جندك، ورغّب عنك حرسك، وهتك عنك حجاب سترك؟
وقال آخر: إن الذي أحلّ بالإسكندر ما أرى لقويّ جدا.
وقال آخر: قل للملوك (١): هذه الطريقة لا بدّ من سلوكها، فارغبوا في الباقية رغبتكم في الفانية.
وقال آخر: كفى العامّة (٢) بموت الملوك أسوة.
وقال آخر: كفاك بهذه عبرة، إنّ الذّهب كان بالإمس كنزا للإسكندر، فقد أصبح اليوم فيه مكنوزا.
وقال آخر: قل للملوك: ليس بعد الحياة إلاّ الموت، ولعلّ بعد الموت
_________________
(١) في الأصل: لملوك.
(٢) في الأصل: بالعامة.
[ ١٠٤ ]
أشدّ من الموت.
وقال آخر: يا للعجب، أنّ القويّ مغلوب مرتهن، والضعيف الأهون غارّ (١).
وقال آخر: يا ويح الملوك، لو كانوا يحذرون المنايا، لقصّروا في طلب الأموال.
وقال آخر: ما الحياة بباقية فيرجى غبّها، ولا الموت بعابر فيوثق منه.
وقال آخر: تعالوا بنا الآن نطلب عزّا لا يذلّ؛ فإن الذي كنّا نعتزّ به قد أفل.
وقال آخر: إن للرعيّة قبلك ديونا عليك، فكيف صبرك الآن على قضاء الدّيون؟.
وقال آخر: ما كان أصلح الإسكندر لو بنى موضع الإسكندريّة كوخا.
وقال آخر: لولا غشاوة اعترت الإسكندر، لكان أبصر رشده.
وقال آخر: خرجنا إلى الدّنيا جاهلين، وأقمنا غافلين، ونخرج منها كارهين.
وقال آخر: هذا الإسكندر طوى الدّنيا العريضة، وطوي منها في ذراعين.
وقال آخر: قد كنت لنا واعظا، وما وعظتنا بوعظ أوعظ من وفاتك.
وقال آخر: كانت حياة الإسكندر لله ووفاته لنفسه.
_________________
(١) في الأصل: غازا. وجاء في مروج الذهب ٢/ ١٠: من أعجب العجب أن القوي قد غلب عليه، والضعفاء لاهون مغتّرون.
[ ١٠٥ ]
وقال آخر: ما سافر الإسكندر سفرا بلا أعوان ولا آلة غير هذا.
وقال آخر: هذا الإسكندر كان يحكم على الرعيّة، صارت الرعيّة تحكم عليه.
وقال آخر: ربّ هائب لك كان يعبأ بك من ورائك، وهو اليوم لا يخافك بحضرتك.
وقال آخر: ربّ حريص على سكوتك، وهو اليوم حريص على كلامك إذ لا تتكلّم.
وقال آخر: كم من جسم أمات هذا الجسم لئلا يموت وقد مات.
وقال آخر: لئن كان يحبّ الذّهب، لقد أصبح الذهب اليوم له معانقا.
وقال آخر: نعم المضطجع هذا لمن كان يسعى لنفسه.
وقال آخر: قد أباد هذا الميّت خلقا كثيرا لئلاّ يموت، ولو كان حريصا على حياتهم كحرصه على موتهم لم يمنعهم من أن يموتوا كما مات.
وقال آخر: كان هذا واعظا بليغا، وما وعظنا قطّ موعظة أبلغ من موعظته بنفسه وسكونه.
وقال آخر: كان حريصا على الارتفاع، ولم يعلم أنّ ذلك أشدّ لصرعته في المهواة.
وقال آخر: كان الإسكندر يخافه من ينظر إليه، واليوم لا يهابه من يجترئ عليه.
وقال آخر: كان الإسكندر بالأمس يشيّقنا إليه، وهو اليوم مشتاق إلى المعزّي إليه.
وقال آخر: كان بالأمس يخافه عدوّه، فهو اليوم لا يرجوه صديقه.
[ ١٠٦ ]
وقال آخر: الذي كان يقود الجنود في دار عزّه، اليوم تشيّعه تلك الجنود إلى دار مذلّته.
وقال آخر: هذا الذي قتل النّفوس يرجو الرّاحة، فاليوم يجدها أمامه تطلبه.
وقال آخر: لئن كان المطلوب غفل، فما أغفل الطالب.
وقال آخر: هذا الذي كان عدوّه يكره قربه، فخاصّته اليوم لقربه أكره.
وقال آخر: هذا الذي يندم على ما فاته من الدّنيا، فهو اليوم على ما أدرك منها أندم.
وقال آخر: هذا الذي تخلّفت عنه آثاره، ولحقت به أعماله.
وقال آخر: ارفعوا أصواتكم أيّها الحكماء بالمواعظ؛ فإن الإسكندر لا يسمع، ولعلّ الصّمّ يقدرون أن يسمعوا.
وقال آخر وهو رأس الحكماء: أيّها العزيز أمس، والذليل اليوم، كأنّك لست صاحبي أمس. أهلك صحبوك ظاعنا، وفارقوك مقيما. لئن كان الإسكندر نسوه، فما أصبح يذكرهم. بئس الورثة ورثتك، أخذوا مالك وتركوا الأثقال عليك والذّنوب. بئس الخلاّن خلاّنك، تبعوك سالبا، وفارقوك مسلوبا. بئس الجنود جنودك؛ نصروك آمنا وخذلوك خائفا، بئس الحصون حصونك بنيت لجندك، حصّنتها لمن تحتك وسهّلتها لمن فوقك.
بئس الخزن خزّانك، ائتمنتهم على مالك وشهدوا به لغيرك لما قبضت، للعواري بدت عاريتك. كانت دنياك العريضة لا تملأ بطنك، وأنت اليوم في بطنها.
هذا صارع الجبابرة أصبح مصروعا. لقد استبدلت بتاج الملك دار الفناء.
كان تاجرا رابحا فأصبح اليوم قد خسر نفسه. ما أسرع ما هاجت الزّهرة ونضجت الثمرة.
[ ١٠٧ ]
وقال صاحب خزانته: قد كنت تأمرني أن لا أتباعد عنك، فأنا اليوم لا أقدر على الدّنوّ منك.
وقالت زوجته بنت دارا (١): لئن كان هذا الكلام شماتة، لقد خلّف الكأس الذي شرب به لجماعتكم.
وقالت أمّه: لئن فقدت من ابني أمره، فما (٢) فقدت من ابني ذكره.
وقد كان الإسكندر كتب إليها كتابا يأمرها فيه باتّخاذ وليمة (٣) تستدعي فيها إلى طعامها من لم تلحقه مصيبة. فتقدّمت لذلك وبادرت لحضور الطّعام على الشّرط، فما صار إليها أحد صغير ولا كبير فعلمت أن ابنها أراد تعزيتها وتسليتها.
ثم جعل التابوت على أيد حتى أودع حفرته.
٢٥٣ - كلام من حكم عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه:
قال ﵇: أعجب ما في الإنسان قلبه، وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها، فإن سنح له الرّجاء أذلّه الطّمع، وإن هاج به الطّمع أهانه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغيظ اشتدّ به الغضب، وإن أمتع بالرّجاء نسي التحفّظ، وإن ناله الخوف شغله الحذر، وإن اتّسع له الأمن سلبته الغرّة، وإن أصابته مصيبة فضحه العجز، وإن تجدّدت له نعمة أخذته العزّة، وإن نال مالا أطغاه الغنى، وإن عضّته الفاقة
_________________
(١) في مروج الذهب ٢/ ١٢: زوجته روشنك بنت دار بن دارا.
(٢) في الأصل لما، والنص يقتضي التصحيح، وفي مروج الذهب ٢/ ١٢: فلم أفقد من قلبي ذكره.
(٣) خبر الوليمة في مروج الذهب ٢/ ١٢ (٦٧٧)، ومختار الحكم (٢٤٢).
(٤) شرح نهج البلاغة ١٩/ ٢٧١.
[ ١٠٨ ]
شغله البلاء، وإن جهده الجوع قعد به الضّعف، وإن أسرف في الشّبع لحظته البطنة، فكلّ تقصير به مضرّ، وكلّ إفراط له مفسد.
٢٥٤ - ولبعضهم:
تنكّر لي دهري ولم يدر أنّني أعزّ وأكرام الزّمان يهون
وبات يريني الهمّ كيف اعتداؤه وبتّ أريه الصّبر كيف يكون (١)
٢٥٥ - وقيل: الصّبر ثلاثة فنون. الأوّل: الصّبر بالعمل على طاعة الله ﷿، والثّاني: الصّبر على ترك ما نهى الله تعالى عنه من المعاصي، والثّالث: الصّبر على المحن والمصائب، واحتمال المكاره والشّدائد، والرّضا بما تجري به المقادير.
٢٥٦ - أبو فراس:
أحمد الله على ما سرّ من أمري وساء
ربّ أمر لا يرى في ـه سوى الصّبر دواء (٢)
٢٥٧ - سعيد بن حميد الكاتب (٣):
لا تعتبنّ على النّوائب فالدّهر يرغم كلّ عاتب
واصبر على حدثانه إنّ الأمور لها عواقب
_________________
(١) إنباه الرواة ٤/ ٩٠، ووفيات الأعيان ٦/ ١٣٧ من رسالة بعثها ياقوت الحموي إلى علي بن يوسف الشيباني وزير صاحب حلب.
(٢) في الإنباه والوفيات: وبات يريني الخطب.
(٣) الديوان صفحة (١٦): قال في صديق له. ومطلعها: صاحب لما أساء أتبع الدلو الرشاء
(٤) رواية البيت في الديوان: رب داء لا أرى من ـه سوى الصبر شفاء
(٥) الفرج بعد الشدة ٥/ ٦٤. حل العقال ١٢٦.
(٦) سعيد بن حميد كاتب مترسل، من الشعراء، من أبناء الدهاقين، قلّده المستعين بالله العباسي ديوان رسائله، توفي سنة ٢٥٠. الأعلام.
[ ١٠٩ ]
ما كلّ من أنكرته ورأيت جفوته تعاتب
فلكلّ صافية قذى ولكلّ خالصة شوائب
والدّهر أولى ما صبر ت له على رنق (١) المشارب
كم نعمة مطويّة لك بين أبناء النوائب (٢)
ومسرّة قد أقبلت من حيث تنتظر النّوائب
٢٥٨ - آخر:
أما علمت بأنّ العسر يتبعه يسر كما الصّبر مقرون به الفرج
٢٥٩ - وقال بعض الحكماء: يا بني، إن تغلبوا عن الظّفر، فلن تغلبوا عن الصّبر.
٢٦٠ - آخر:
فصبرا على حلو الزّمان ومرّه فإنّ اعتياد الصّبر أدعى إلى الرّشد
٢٦١ - وقيل: الصّبر جنّة من الفاقة.
٢٦٢ - وقيل: لكلّ شيء ثمن، وثمن الصّبر الظّفر.
٢٦٣ - ولآخر:
وخير الأمور خيرهنّ عواقبا وكم قد أتاك النّفع من جانب الضّرّ
_________________
(١) في الأصل ريق، ورنق الماء كدر. القاموس (رنق).
(٢) في الفرج بعد الشدة: بين أثناء، وفي حل العقال: بين أنياب.
(٣) الفرج بعد الشدة ٥/ ٩١.
(٤) انظر تخريج الخبر التالي:٢٦٣.
(٥) الفرج بعد الشدة ٥/ ٦٥، قال التنوخي: ووجدت بخط أبي الحسين بن أبي البغل الكاتب، من أبيات، ولم أجده نسبه إلى نفسه: فصبرا على حلو القضاء ومرّه فإن اعتياد الصبر أدعى إلى اليسر ثم أورد البيتين الواردين هنا. وانظر الخبر رقم ٢٦٠.
[ ١١٠ ]
ومن عصم الله: الرّضا بقضائه ومن لطفه توفيقه العبد للصّبر
٢٦٤ - ولآخر:
ليس لما ليست له حيلة موجودة خير من الصّبر
الصّبر مرّ ليس يقوى به غير رحيب الذّرع والصّدر
فالق فضول الهمّ من جانب قد فرغ الله من الأمر (١)
٢٦٥ - وقيل: أربعة توصلك إلى أربعة: الصّبر إلى المحبوب، والجدّ إلى المطلوب، والزّهد إلى التّقى، والقناعة إلى الغنى.
٢٦٦ - لبعضهم:
الصّبر مفتاح ما ترجّي فكلّ صعب به يهون (٢)
فاصبر وإن طالت اللّيالي فربّما طاوع الحزون (٣)
وربّما نيل باصطبار ما قيل هيهات أن يكون (٤)
٢٦٧ - وقال بزرجمهر: ما أحسن الصّبر لولا أنّ النّفقة عليه من العمر.
٢٦٨ - آخر:
فكم من كريم قد بلي بمصائب فصابرها حتّى مضت واضمحلّت
_________________
(١) الفرج بعد الشدة ٥/ ٦٦.
(٢) في الأصل: من جانب، وفي الفرج: عن جانب، وافزع إلى الله في الأمر.
(٣) الفرج بعد الشدة ٥/ ٦٧، وحل العقال ١٢٧.
(٤) في الأصل: ما ترجو. والتصويب من الفرج بعد الشدة.
(٥) في الفرج بعد الشدة: الحرون.
(٦) في حل العقال: هيهات لا يكون.
(٧) الأبيات الثلاثة الأخيرة منسوبة إلى عمرو بن معديكرب في الفرج بعد الشدة ٥/ ٦٣، وفي ديوانه صفحة (٤٦) البيتان الثاني والثالث. وينسب البيتان الأول والثالث لعثمان بن عفان الفرج بعد الشدة ٥/ ٦. والبيت الرابع لكثير عزّة: ديوانه صفحة (٩٧)، والبيت الأول إلى علي بن أبي طالب ﵁ الديوان صفحة (٢٩) وانظر الخبر ١٢٨ صفحة ٥٥، والخبر ٣١٣ صفحة ١٢٣.
[ ١١١ ]
وكم محنة هاجت بأمواج محنة تلقّيتها بالصّبر حتّى تجلّت
وكانت على الأيام نفسي عزيزة فلمّا رأت صبري على الذّل ذلّت
فقلت لها يا عزّ كلّ مصيبة إذا وطّنت (١) يوما لها النّفس ذلّت
٢٦٩ - وقيل: الموفّق إذا امتحن آلت محنته إلى سعادة، وإذا غلط أدّت غلطته إلى إصابة.
٢٧٠ - وقيل: من حسنت نيّته حسنت ديانته، ومن حسنت ديانته حسن صبره، ومن حسن صبره حسن توفيقه، ومن حسن توفيقه قلّ همّه وكثر صوابه.
٢٧١ - وقال بعض الرّهبان: من أيّد بالعزّ الرّوحانيّ على ما يلحقه من المحن فقد نجا من فخّ الشّيطان وكيده.
٢٧٢ - لعبيد بن الأبرص (٢):
يا قليل العزاء في الأهوال وكثير الهموم والأوجال (٣)
صبّر النّفس عند كلّ مهمّ إنّ في الصّبر راحة المحتال
_________________
(١) في الأصل: «أوطنت» والمثبت من ديوان كثير، والكامل ١/ ٤٢١.
(٢) الفرج بعد الشدة ٤/ ٦٩ عن أعرابي والبيتان الثالث والرابع في اللسان (فرج) منسوبان إلى أمية بن أبي الصلت، وهما في ديوان أمية (٤٤٤) نقلا عن اللسان، وفي غاية النهاية، في ترجمة أبي عمرو بن العلاء من غير عزو، والبيت الرابع في حماسة البحتري (٢٢٣) لأمية، وهو في كتاب التعازي ٧٦ منسوب لعمير الحنفي، وفي ديوان عبيد أتى الدكتور حسين نصار محققه بالأبيات الثلاثة الأخيرة (١١١) نقلا عن لويس شيخو في شعراء النصرانية (٦٠٥) وفي الحماسة البصرية ٢/ ٧٧ لحنيف بن عمير اليشكري، وتروى لنهار ابن أخت مسيلمة الكذاب.
(٣) عبيد بن الأبرص الأسدي، من مضر، من دهاة الجاهلية وحكمائها، وهو أحد أصحاب «المجمهرات» المعدودة طبقة ثانية عن المعلقات. عمّر طويلا، وفد على النعمان في يوم بؤسه فقتله. الأعلام.
(٤) في الأصل الآجال، والتصحيح من الفرج بعد الشدة.
[ ١١٢ ]
لا تضيقنّ في الأمور، فقد يكشف غماؤها بغير احتيال
ربّما تجزع النّفوس من الأمر لها فرجة كحلّ العقال
٢٧٣ - وقال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: عليكم بالصّبر، فإنّه به يأخذ العاقل، وإليه يرجع الجاهل.
٢٧٤ - وأصيب جرير بن عبد الله البجلي (١) بمصيبة، فعزّي عنها فقال:
ما وقع شيء بقلبي مما عزّيت به حتى دخل عليّ مجوسيّ، فقال: انظر إلى ما كنت تعزّي به النّاس فعزّ به نفسك، واحتسب.
٢٧٥ - وأنشد عمر بن عبد العزيز:
اصبر هديت فإنّ الصّبر مكرمة وإن جزعت فحظّ الجازع الجزع
٢٧٦ - وقال بعض الرّهبان: متى عدم الإنسان الصّبر والرّجاء، عدم السّكون والفرج.
٢٧٧ - وقال الجاحظ: رأيت بهلول المجنون (٢) بجامع الكوفة يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: أنا جائع. فقلت: عليك بالصّبر. فقال منشدا:
يقولون لي في الصّبر روح وراحة ولا عهد لي بالصّبر مذ خلق الصّبر
ولا شكّ أنّ الصّبر كالصّبر طعمه وإنّي رأيت الصّبر ممتنع وعر
ثم عطف وأنشد:
الصّبر جارك فاحتفظ بجواره عند الحوادث والملمّ النّازل
_________________
(١) جرير بن عبد الله البجلي، من أعيان الصحابة، شهد القادسية، اعتزل الفتنة حتى توفي سنة (٥٠) للهجرة. سير أعلام النبلاء ٢/ ٥٣٠.
(٢) بهلول بن عمرو أبو وهيب الصيرفي، من أهل الكوفة، وكان من عقلاء المجانين، له كلام مليح ونوادر وأشعار، استقدمه الرشيد أو غيره ليسمع كلامه، توفي في حدود التسعين والمئة. فوات الوفيات ١/ ٢٢٨.
[ ١١٣ ]
فلتعطينّ جزاءه متعجّلا ولتحمدنّ ثوابه في الآجل
٢٧٨ - وحكي عن أنوشروان العادل (١) أنّه قال: جميع مكاره الدّنيا تنقسم على قسمين وضربين: فضرب فيه حيلة والاضطراب دواؤه، وضرب لا حيلة فيه والصّبر شفاؤه.
٢٧٩ - نصر بن الحسن (٢):
أحسن إلى النّاس ما واتتك مقدرة واستصحب الصّبر يوما إن أسا عات
فصبر قلبك مكف كلّ معضلة ونصر ربّك آت بعد ساعات
٢٨٠ - آخر:
وعوّدت نفسي الصّبر حتّى ألفته وأسلمني حسن العزاء إلى الصّبر (٣)
وصيّرني يأسي من اليأس واثقا بحسن صنيع الله من حيث لا أدري (٤)
٢٨١ - أعرابي:
خلقان لا أرضى فعالهما تيه الغنى ومذلّة الفقر
_________________
(١) أنوشروان بن قباذ كسرى الأول ملك الفرس من دولة بني ساسان ملك من سنة ٥٣١ إلى سنة ٥٧٩ ميلادية وهو كسرى الخير. مروج الذهب ٧/ ٥٩٥.
(٢) في حل العقال ١٢٥: البيتان لأبي نواس ولم أجدهما في ديوانه: أحسن إلى الناس تستعطف قلوبهم واصبر إذا مسّ ضر أو أسا عاتي ولا تكن جازعا إن تعر معضلة فالنصر يأتي قريبا بعد ساعات
(٣) نصر بن الحسن الهيتي شاعر دمشقي نسبته إلى هيت من قرى حوران لقيه العماد الأصفهاني، ووقعت بيد العماد مسودات من شعره بخطه مات سنة ٥٦٥ للهجرة. وأورد مختارات منها في خريديته. ولم يذكر البيتين الواردين هنا. الخريدة قسم شعراء الشام ٢٣٠، معجم البلدان (هيت). الأعلام.
(٤) عيون الأخبار ٣/ ١٩٠، والفرج بعد الشدة،٢/ ١١٦ و٥/ ١٣.
(٥) في الأصل: تعودت بالصبر حتى ألفته. والتصحيح من الفرج.
(٦) في عيون الأخبار: وصيرني يأسي من الناس راجيا.
(٧) الفرج بعد الشدة ٥/ ١٠٠، وفي البداية والنهاية ١١/ ١٤٦ البيتان (١ - ٢) -
[ ١١٤ ]
فإذا غنيت فلا تكن بطرا وإذا افتقرت فته على الدّهر
واصبر فلست بواجد خلفا أدنى إلى فرج من الصّبر
٢٨٢ - الشريف الرضي (١):
إذا سيم ضرّا زاد صبرا كأنّه هو المسك ما بين الصّلاية والفهر (٢)
لأنّ فتيت المسك يزداد طيبه على السّحق والحرّ اصطبارا على الضّرّ
٢٨٣ - وقيل: قدم عروة بن الزّبير (٣) على الوليد بن عبد الملك ومعه ابنه محمّد (٤)، فدخل محمد دار الدّوابّ فرمحه دابة فمات، ووقع بعد ذلك في رجل عروة الأكلة (٥) -نسأل الله العافية منها-إلى ساقه. فقيل له: اقطعها وإلاّ انفسد جميع جسدك، فقطعها بمنشار، وهو شيخ كبير، ولم يمسكه أحد، ومع ذلك أجمع، لم ير به جزع، ولا قطع ورده تلك الليلة إلاّ أنّه قال:
_________________
(١) لابي جعفر محمد بن جرير الطبري. وهما في شعب الإيمان له أيضا ٤/ ١٥٤، حل العقال ١٣٦. وفي الفرج: بواجد خلقا.
(٢) لم أجد البيتين في ديوانه.
(٣) الشريف الرضي محمد بن الحسين الشريف ذو الحسبين، ولي نقابة الطالبين مرارا، وكانت إليه إمارة الحج والمظالم، وهو أول طالبي جعل عليه السواد، وكان أوحد علماء عصره، له تصانيف كثيرة. توفي سنة ٤٠٦ للهجرة. عن عمدة الطالب في مقدمة الديوان.
(٤) في الأصل شيم، والصلاية: مدقّ الطيب، قال أبو عمرو: الصلاية كل حجر عريض يدقّ عليه عطر. والفهر: الحجر. اللسان.
(٥) كتاب التعازي ٤٤، وكتاب التعازي والمراثي ٥٤، وعيون الأخبار ٣/ ٦٤.
(٦) عروة بن الزبير بن العوام أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، كان عالما صالحا كريما لم يدخل في شيء من الفتن، وهو أخو عبد الله، توفي بالمدينة سنة ٩٣ للهجرة. الأعلام.
(٧) محمد بن عروة كان بارع الجمال يدعى زين المواكب أو جمال المواكب، يضرب به المثل في الجمال والحسن، الوافي بالوفيات ٤/ ٩٤. بالوفيات ٤/ ٩٤.
(٨) الأكلة: داء يقع في العضو فيأتكل منه. اللسان (أكل).
[ ١١٥ ]
لَقَدْ لَقِينامِنْ سَفَرِناهذانَصَبًا [الكهف:٦٢].
وقدم على الوليد في تلك الأيام قوم من عبس وفيهم رجل ضرير محطوم الوجه، فسأله الوليد عن حاله. فقال: بتّ ليلة في بطن واد وأنا لا أعلم أنّ في بني عبس رجلا أكثر مني مالا. فطرقنا سيل، فذهب بما كان لي من أهل ومال وولد، وما بقي لي غير بعير واحد وابن صغير، وكان البعير صعب القياد فندّ (١)، فأقعدت الصّبيّ وتبعت البعير لأردّه فما بعدت حتّى سمعت صياح الصّبيّ فانصرفت فإذا رأس الذّئب في بطنه وقد مات، فرجعت إلى البعير لآخذه فلمّا دنوت منه رمحني فأصاب وجهي فحطمه وذهب بعينيي (٢)، فأصبحت ولا مال لي ولا أهل ولا ولد ولا بصر. فقال الوليد: انطلقوا بهذا الرّجل إلى عروة ليخبره بخبره، حتّى يعلم أنّ في الأرض من هو أعظم بلاء منه. فانطلقوا به وأخبره. ثم إنّ عروة شخص إلى المدينة، فأتته قريش والأنصار يعزّونه في ولده ورجله، فقال له عيسى بن طلحة (٣): أبشر، فإنّ الله يعوّضك من ذلك أعظم الأجر وأجزل الثّواب (٤). فقال عروة: كانوا أربعة -يعني بنيه-فأبقى الله ثلاثة، وأخذ واحدا. وكنّ أربعا-يعني يديه ورجليه- فأخذ واحدة وأبقى ثلاثا، فلئن أخذت يا ربّ لقد أبقيت، ولئن ابتليت لقد عافيت. ثم نظر إلى النّاس، وقال: إن كنتم تعدّونني للسّباق والصّراع فقد
_________________
(١) ندّ البعير: شرد ونفر. القاموس (ندد).
(٢) في الأصل بعيناي.
(٣) عيسى بن طلحة بن عبيد الله، كان من الحلماء الأشراف، والعلماء الثقات، وفد على معاوية، وعاش إلى حدود سنة مئة. سير أعلام النبلاء ٤/ ٣٦٧.
(٤) من كتاب التعازي والمراثي (٥٥) قول عيسى: أبشر يا أبا عبد الله، فقد صنع الله بك خيرا، والله ما بك حاجة إلى المشي. فقال عروة: ما أحسن ما صنع الله إلي، وهب لي سبعة بنين فمتّعني بهم ما شاء، ثم أخذ واحدا وترك ستة. ووهب لي ست جوارح فمتّعني بهن ما شاء، ثم أخذ واحدة، ثم ترك لي خمسا: يدين ورجلا وسمعا وبصرا.
[ ١١٦ ]
فاتني ذلك، وإن كنتم تعدّونني للّسان والجاه فقد أبقى الله خيرا كثيرا.
٢٨٤ - وأنشدوا:
صبرا فكم مدركا بالصّبر بغيته من حيث لم يحتسب أو حيث يحتسب
ما دام خير ولا شرّ على أحد يوما وللدّهر حالات ومنقلب
٢٨٥ - ولمؤلفه عيسى بن البحتري عفا الله عنه:
إنّي أقول لنفسي حين ألبسها ريب الزّمان لباس الخوف والفرق
صبرا على نكبة أوهتك شدّتها وحادث حدث منه قوى الحرق
٢٨٦ - قال بعض الرّهبان: عند حلول النّعمة اعمل الخير، واشكر الله وفي الإضافة واظب على الدّعاء والاستقالة (١).
٢٨٧ - ولبعضهم:
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا ندمت على التّفريط في زمن البذر
إذا شئت أن تستقرض المال منفقا على شهوات الدّهر في زمن العسر
فسل نفسك الإقراض من ليس صبرها عليك وإنظارا إلى زمن اليسر
فإن فعلت كنت الغنيّ وإن أبت فكلّ منوع بعدها واسع العذر
٢٨٨ - أبو تمام الطائي:
خلقنا رجالا للتّجلّد والأسى وتلك الغواني للبكا والمآتم (٢)
_________________
(١) الاستقالة: طلب الإقالة، يقال أقال الله فلانا عثرته بمعنى الصفح عنه. اللسان (قيل).
(٢) ديوان أبي تمام ٣/ ٢٥٩ من قصيدة يمدح مالك بن طوق، ويعزّيه عن أخيه القاسم، ومطلعها: أمالك إن الحزن أحلام حالم ومهما يدم فالوجد ليس بدائم
(٣) في الأصل: رجال. وفي الديوان للتصبّر.
[ ١١٧ ]
ومن قبله ما قد أصيب نبيّنا أبو القاسم النّور المبين بقاسم (١)
وقال عليّ في التّعازي لأشعث وخاف عليه بعض تلك المآثم
أتصبر للبلوى عزاء وحسبة فتؤجر أم تسلو سلوّ البهائم
٢٨٩ - أبو عبادة البحتري يخاطب محمد بن يوسف الثّغري (٢):
جعلت فداك الدّهر ليس بمنفكّ من الحدث المشكوّ والنّازل المشكي (٣)
وما هذه الأيّام إلاّ منازل فمن منزل رحب إلى منزل ضنك
وقد هذّبتك الحادثات وإنّما صفا الذّهب الإبريز قبلك بالسّبك
أما في رسول الله يوسف أسوة لمثلك محبوسا على الظّلم والإفك (٤)
أقام جميل الصّبر في السّجن برهة فآل به الصّبر الجميل إلى الملك
٢٩٠ - وقيل إنّ الإسكندر أصيب بمصيبة فحضره أرسطاطاليس معزّيا، فقال له: أيّها الملك، لم آتك معزّيا لكن متعلّما الصّبر منك لعلمي أنّ الصّبر على الملمات فضيلة، وطبيعتك منافية لكلّ رذيلة، فكيف تحضّ على عادتك، وتعلّم سنّتك؟.
_________________
(١) في الأصل: ومن قبلنا.
(٢) ديوان البحتري ٣/ ١٥٦٧.
(٣) محمد بن يوسف الثغري الطائي من قادة الجيوش عند المعتصم، وكانت أول هزيمة لأصحاب بابك على يده، عقدت له ولاية إرمينية وأذربيجان، ألحق هزائم عدّة بالروم، توفي فجأة سنة (٢٣٦) وغلبت عليه نسبة الثغري لأن معظم حياته قضاها في ثغور الإسلام مجاهدا. جو القصيدة: قال التنوخي في الفرج بعد الشدّة ٢/ ١٦: طولب أبو سعيد الثغري بمال بعد غزواته المشهورة، وسلّم إلى أبي الخير النصراني الجهبذ ليستخرج المال منه، فجعل يعذبه، فشق ذلك على المسلمين، وقالوا: يأخذ بثأر النصرانية. فقال البحتري -قصائد، فقرئ هذا الشعر على المتوكل، فأمر بإطلاق أبي سعيد وتوليته.
(٤) في الديوان الحادث.
(٥) في الأصل: محبوس.
[ ١١٨ ]
٢٩١ - ولبعضهم:
اصبر على مضض الزّما ن وإن رمى بك في اللّجج (١)
فلعلّ طرفك لا يعو د إليك إلاّ بالفرج
٢٩٢ - آخر:
أيّها المغترّ (٢) صبرا إنّ بعد العسر يسرا
كم رأينا اليوم حرّا لم يكن بالأمس حرّا
لزم الصّبر فأمسى مالكا خيرا وشرّا
٢٩٣ - آخر:
اصبر لدهر نال من ـك فهكذا مضت الدّهور
فرح وحزن واقع لا الحزن دام ولا السّرور
٢٩٤ - آخر:
سأصبر للزّمان وإن رماني بأحداث تضيق لها الصّدور
وأعلم أنّ بعد العسر يسرا يدور به القضاء ويستدير
٢٩٥ - ابن التلميذ (٣):
_________________
(١) الفرج بعد الشدة ٥/ ٧٤، حل العقال ١٤٧.
(٢) في الأصل: اللهج. والتصويب من الفرج بعد الشدة.
(٣) في الأصل: المعزّ، ولعل الصواب ما أثبتناه. والبيت في الفرج بعد الشدة ٥/ ٥٤. وروايته: أيها الإنسان صبرا.
(٤) تكملة ديوان أبي العتاهية صفحة (٥٣٧) وهو في العقد الفريد ٣/ ٣١٠ من غير عزو: وجد في حائط من حيطان تبّع مكتوب، وشعب الإيمان ٧/ ٢٢٦: قال عبد الملك بن هشام الذماري: أثاروا قبرا بذمار، فوجدوا حجرا مكتوبا فيه. . حل العقال ١٣٤.
(٥) ابن التلميذ: هو هبة الله بن صاعد أمين الدولة، حكيم عالم بالطب والأدب، له شعر كله ملح ولطائف وابتكارات في بيتين أو ثلاثة، وترسّل جميل، مولده =
[ ١١٩ ]
لا تشكونّ من الخمول فربّما كان الخمول إلى السّلامة سلّما
واصبر ففي بعض الحوادث عصمة فالعين يؤمنها من الرّمد العمى
٢٩٦ - وآخر:
رضينا بالخمول فما استرحنا فهل بعد الخمول سبيل ذلّ
ومع ذا ضيّقوا والله صدري أيرضى مثلها بالله قل لي
٢٩٧ - وقال بعضهم: السّلامة في الخمول خير من العطب في المعالي.
٢٩٨ - وقيل: عزّى رجل كسرى فقال: أغناك الله عن الحاجة إلى الصّبر بحسن العزاء، ولا أنساك مصيبتك بأعظم منها، ولا أحرمك جزيل الثّواب عليها.
٢٩٩ - ولأبي الحسن الأطروش المصري من أبيات:
ما زلت أدفع شدّتي بتصبّري حتّى استرحت من الأيادي والمنن
فاصبر على نوب الزّمان تكرّما فكأنّ ما قد كان منها لم يكن
٣٠٠ - لا تقنطنّ وثق بالله [إنّ له] لطفا يدقّ عن الأفهام وا [لفطن]
يأتيك من لطفه ما ليس [تعرفه] حتّى كأنّ الذي قد كان لم يكن
_________________
(١) = ووفاته ببغداد، عمر طويلا، وخدم الخلفاء من بني العباس، انتهت إليه رئاسة الأطباء في العراق، كان عارفا بالفارسية واليونانية والسريانية، تولى البيمارستان العضدي إلى أن توفي، وكان رئيس النصارى ببغداد وقسيسهم. توفي سنة ٥٦٠ هـ الأعلام، طبقات الأطباء (٣٤٩)، وفيات الأعيان ٦/ ٦٩. معجم الأدباء ١٩/ ٢٧٦.
(٢) الفرج بعد الشدة ٥/ ٦٧.
(٣) ما بين المعقوفين مخروم بالأصل. مستدرك من الدرر الكامنة لابن حجر ٣/ ١٨١، وكان ابن تيمية ﵀ ينشدهما وهو في الاعتقال.
[ ١٢٠ ]
٣٠١ - وقيل إن إنسانا رأى في نومه علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه وهو ينشد أبياتا فانتبه، ولم يبق على خاطره من الأبيات إلاّ قوله:
وحميد ما يرجوه ذو أمل فرج (١) يعجّله له الصّبر
٣٠٢ - أبو العتاهية:
الدّهر لا يبقى على حالة لا بدّ أن يقبل أو يدبرا (٢)
فإن تلقّاك بمكروهه فاصبر فإنّ الدّهر لا يصبرا (٣)
٣٠٣ - آخر:
ولله لطف يرتجى ولعلّه سيعقبنا من كسر أيدي الأذى خيرا (٤)
٣٠٤ - ولمؤلفه:
لا تجزعن من حادث إن عرا واقن عزاء فهو عين الصّلاح
واصبر وإن طالت ليالي الأذى فالصّبر مفتاح لباب النّجاح
٣٠٥ - آخر:
والدّهر كالطّيف بؤساه وأنعمه من غير قصد فلا تمدح ولا تذم
لا يحمد الدّهر في بأساء يكشفها فلو أردت دوام البؤس لم يدم
_________________
(١) الفرج بعد الشدة ٥/ ٨٤.
(٢) في الأصل: فرجا.
(٣) البيتان ليسا في الديوان، وهما في الفرج بعد الشدة ٥/ ٤١،٦٤ لأبي العتاهية وفي فوات الوفيات ٤/ ٨٠. منسوبان إلى محمود بن حسن الوراق.
(٤) في فوات الوفيات: لكنه يقبل أو يدبر.
(٥) في الأصل مكروهه والتصحيح من فوات الوفيات.
(٦) الفرج بعد الشدة ٥/ ٧٢.
(٧) في الفرج بعد الشدة جبرا.
(٨) حل العقال ١٣٧.
[ ١٢١ ]
٣٠٦ - قيل: كان ابن شبرمة (١) إذا نزلت به نازلة قال:
سحابة صيف عن قليل تقشّع (٢)
٣٠٧ - وكان يقال: أربع من كنوز الجنّة: كتمان المصيبة، وكتمان الصّدقة، وكتمان الفاقة، وكتمان الوجع.
٣٠٨ - ولصالح بن عبد القدوس: (٣)
إن يكن ما به أصيب جليلا فذهاب العزاء عنه أجلّ (٤)
كلّ آت لا شكّ آت وذو الجه ـل معنّى والغمّ والحزن فضل
٣٠٩ - علي بن أبي طالب:
إن يكن نالني الزّمان ببلوى عظمت شدّة عليّ وجلّت
وأتت بعدها نوائب أخرى خضعت دونها الرّقاب وذلّت
وتلتها قوارع نازلات سئمت عندها الحياة وملّت
فاصطبر وانتظر بلوغ مداها فالرّزايا إذا توالت تولّت
٣١٠ - وقيل: دخلت أمّ جعفر على المأمون عند قدومه بغداد، فقالت:
الحمد لله الذي ادّخرك لي بعد ما أثكلني بولدي. فقال المأمون: ما ظننت أنّ
_________________
(١) ابن شبرمة هو عبد الله، الإمام العلامة فقيه العراق، قاضي الكوفة كان شاعرا كريما جوادا، يشبه النسّاك. سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٤٧.
(٢) عجز بيت لعمران بن حطان. وصدره: أراها وإن كانت تحب كأنها. عيون الأخبار ١/ ٥٦، ثمار القلوب ٢/ ٩٢٩.
(٣) ديوانه صفحة ١١٨. الكامل ٢/ ٥١٦.
(٤) صالح بن عبد القدوس شاعر حكيم متكلّم، يعظ الناس في البصرة، له مناظرات مع أبي الهذيل العلاف، شعره كله أمثال وحكم، اتهم عند المهدي بالزندقة فقتله ببغداد نحو سنة (١٦٠) للهجرة. الأعلام.
(٥) في الكامل أصبت. . . منه أجل.
(٦) الأبيات لم أجدها في ديوانه، ولعلها لغيره، والأبيات في شعب الإيمان ٧/ ٢٢٥ (١٠٠٩٨) في غير عزو، وكذا في حل العقال ١٢٢.
[ ١٢٢ ]
أحدا جبل على جلدها، وحسن عزائها، وصبرها.
٣١١ - وأنشد الثّوريّ (١) يقول:
يمثّل ذو العقل في نفسه مصائبه قبل أن تنزلا
فإن نزلت بغتة لم ترعه لما كان في نفسه مثّلا
وذو الجهل يأمن أيّامه وينسى مصارع من قد خلا
فإن نكبته صروف الزّمان ببعض نوائبه أعولا
ولو قدّم الحزم في أمره لعلّمه الصّبر عند البلا (٢)
رأى الهمّ يفضي إلى آخر فصيّر آخره أوّلا (٣)
٣١٢ - وقال بعض الرّهبان: كلّ يوم لا يعرض فيه للعبد وجع أو غمّ فيقبله بالصّبر ويحمد الله عليه فلا يحسبه من أيّام حياته.
٣١٣ - ولأبي دلف (٤):
_________________
(١) الأبيات في الفرج بعد الشدة لابن أبي الدنيا صفحة (١١٤) لمحمود بن حسن الوراق، وكذلك هي في طبقات الشعراء لابن المعتز (٣٦٨). وعيون الأخبار ٣/ ٥٣ لمحمود أيضا، وهي في ديوان محمود صفحة (٢٢٨). وفي ديوان علي بن أبي طالب صفحة (٧٩).
(٢) الثوري هو سفيان بن سعيد من بني ثور، أمير المؤمنين في الحديث، كان سيد أهل زمانه في علوم الدين والتقوى، ولد ونشأ بالكوفة، ومات بالبصرة سنة (١٦١) الأعلام.
(٣) في الفرج بعد الشدة لأبن أبي الدنيا: حسن البلا.
(٤) في الأصل: وأيّ أمر يفضي. والتصحيح من مصادر الخبر. وقد جاء ترتيب هذا البيت في مصادره الثالث.
(٥) كتاب أدب الغرباء صفحة (٥٥) من غير عزو، وفي الفرج بعد الشدة ٥/ ٦٣ منسوبان لعمرو بن معديكرب، وفي المحبوب والمشموم ٤/ ٣٦٩ لأبي نواس. وهما في ديوان علي بن أبي طالب صفحة (٢٩) وانظر الخبر (١٢٨) صفحة (٥٥) والخبر (٢٦٨) صفحة (١١١).
(٦) القاسم بن عيسى، أبو دلف أمير الكرج، وسيد قومه، أحد الأمراء الأجواد =
[ ١٢٣ ]
صبرت عن اللّذّات حتّى تولّت وألزمت نفسي صبرها فاستمرّت
وما النّفس إلاّ حيث يجعلها الفتى فإن أطمعت تاقت وإلاّ تسلّت
٣١٤ - وقيل: وقف عليّ بن أبي طالب ﵁ على قوم قد أصيبوا بمصيبة، فقال: إن تجزعوا فحقّ الرّحم بلغتم، وإن تصبروا فحقّ الله أدّيتم.
٣١٥ - ومن خطبه كرّم الله وجهه: يا قوم، الصّبر على طاعة الله خير من الصّبر على عذاب الله.
٣١٦ - ولمحمود الورّاق:
صابر الصّبر على كرّ النوائب من كنوز البرّ كتمان المصائب
والبس الدّهر على علاّته تجد الدّهر مليّا بالعجائب
٣١٧ - قال بعض الرّهبان: من لم يؤدّب في الدّنيا، وقع به الضّرر الوجيع في الآخرة.
٣١٨ - وقيل: الصّبر مفتاح الفرج.
٣١٩ - ولبعضهم:
إنّي رأيت وفي الأيّام تجربة للصّبر عاقبة محمودة الأثر
وقلّ من جدّ في أمر يحاوله واستصحب الصّبر إلاّ فاز بالظّفر
_________________
(١) = الشجعان، كان من قادة جيش المأمون، وكان سريا جوادا ممدحا ذا وقائع مشهورة له صنعة في الغناء توفي ببغداد سنة (٢٢٦) وفيات الأعيان ٤/ ٧٣، والأعلام.
(٢) الديوان صفحة (٧٠).
(٣) مجمع الأمثال ١/ ٤١٨. وهو من أمثال المولدين.
(٤) الفرج بعد الشدة ٥/ ٥٩،٦٠ والشعر منسوب لمحمد بن بشير مولى الأزد، وفيه أيضا ٥/ ٦١ والشعر منسوب لعلي بن أبي طالب ﵁، وهو في ديوان علي صفحة (٤٤)، وحل العقال ١٢٤.
[ ١٢٤ ]
٣٢٠ - وقيل: وصف مالك بن أسماء بن خارجة (١) بالحلم والصّبر، فأراد قوم من الشّام امتحانه، فكتبوا إليه على لسان بعض أهله: إنّ ولديك قد توفّيا. فأخذ الكتاب وهو محتب فقرأه ووضعه من يده، ولم يحلّ حبوته ولم يبين ذلك فيه. فقيل له: ما في هذا الكتاب؟ فقال: أخبرت أنّ ولديّ نزلا منزلا سبقاني إليه، وأنا لا بدّ نازله.
_________________
(١) مالك بن أسماء بن خارجة الفزاري شاعر غزل ظريف من الولاة، تزوج الحجاج أخته، ووقع منه ما أوجب حبسه، توفي نحو سنة مئة للهجرة، الأغاني ١٧/ ٢٣٠، الأعلام.
[ ١٢٥ ]