في القناعة والياس
ممّا بأيدي النّاس
٤٥٩ - أصيب حجر بإرمينية مكتوب فيه:
اليأس عمّا بأيدي النّاس نافلة والمال يعجز والأخلاق تتّسع
لا تجزعنّ على ما فات مطلبه هذا جزعت فماذا أحدث الجزع
إنّ السّعادة يأس إن ظفرت به فدونك اليأس إن الشّقوة الطّمع
٤٦٠ - وقيل: لا ينبل الرّجل حتّى تكون فيه خصلتان: الاستغناء عمّا في أيدي النّاس، والتّجاوز عمّا يكون منهم.
٤٦١ - وأنشد بعضهم:
إنّ التّنزّه عمّا خسّ مطلبه للمرء عزّ وقد يزري به الطّمع
٤٦٢ - وقال أفلاطون: الاستغناء عن الشّيء خير من الاستغناء به.
٤٦٣ - بعضهم:
إذا لم يكن للمرء جدي (١) يناله ولا تحف فيما تحوز الموائد
_________________
(١) كتب في الهامش: لعلها جود.
[ ١٨٨ ]
وكان له خبز وملح ففيهما له مقنع حتّى تجيء الفوائد
فما هي إلاّ جوعة قد سددتها وكلّ طعام بين جنبيّ واحد
٤٦٤ - آخر:
لا تغبطنّ أخا الدّنيا بمقدرة فيها وإن كان ذا عزّ وسلطان
إنّ اللّيالي لم تحسن إلى أحد إلا أساءت إليه بعد إحسان
٤٦٥ - وقيل: إنّ عمر بن عبد العزيز أمسى في خلافته صائما، فاشترى بدانقين عنبا، وأكل هو وزوجته فاطمة بنت عبد الملك بن مروان (١)، وقال لها: يا فاطمة، كان يأتي إلى أهلي وأهلك من هذا وقار البغال فلم يكن ينالنا منه إلاّ ما نالنا من هذين الدّانقين.
٤٦٦ - وقيل: من عفّ وقنع عزّ واستغنى، ومن شره وطمع ذلّ وافتقر.
٤٦٧ - وأحسن للفتى من يوم عار ينال به الغنى كرم وجوع
٤٦٨ - وقيل لبعض الصّالحين: ما يمنعك من التزويج؟ قال: مكابدة العفّة أيسر من الاحتيال لمصلحة العيال.
٤٦٩ - وقال بعضهم: العري القادح خير من الزّيّ الفاضح.
٤٧٠ - وقيل: من ملك الملوك؟ قال: من ملك شهواته.
٤٧١ - لعمرو بن كلثوم:
_________________
(١) البيت الثاني في محاضرات الأدباء ٢/ ١٦٥.
(٢) فاطمة بنت عبد الملك حكت عن زوجها، وروي عنها، ولدت لعمر: إسحاق ويعقوب ثم خلف عليها بعد موت عمر بن عبد العزيز سليمان بن داود الأعور.
(٣) الديوان (٤٢) وهما في الأشباه والنظائر للخالديين ٢/ ٢٠٧، وفي البيان والتبيين ١/ ١٢٠ لكلثوم بن عمرو العتابي.
[ ١٨٩ ]
وكنت امرأ لو شئت أن تبلغ المدى (١) بلغت بأدنى نعمة تستديمها
ولكن فطام النّفس أثقل محملا من الصّخرة الصّماء حين ترومها
٤٧٢ - وقيل لرجل كان يعمل في المعادن: كيف اخترت هذه الصّناعة؟ فقال: استخراج الدّرهم من الحجارة أيسر من استخراجه من أيدي الناس.
٤٧٣ - ولبعضهم:
لا ينبغي أن أرى بعيني مكان من لا يرى مكاني
ولي إلى أن أموت رزق لو جهد (٢) الخلق ما عداني
الحرّ حرّ ولو تعدّت عليه يوما يد الزّمان
رضيت بالقوت من زماني وصنت عرضي عن الهوان
خوفا على أن يقال يوما فضل فلان على فلان
٤٧٥ - آخر:
وإنّك إن أعطيت بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى الذّمّ أجمعا
٤٧٦ - وكان يقال: سخاء النّفس عمّا بأيدي النّاس أكثر من السّخاء بالبذل، ومروءة الرّضا خير من مروءة الإعطاء.
٤٧٧ - وقال الأصمعيّ: مررت بكنّاف وهو ينشد:
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغري (٣)
_________________
(١) في الأصل: تبلغ الذي، والمثبت من الديوان، وفي الأشباه والنظائر الندى.
(٢) في الأصل جهدوا.
(٣) البيت لحاتم طي الديوان (١٠٠) وروايته فيه: وإنك مهما تعط بطنك، والبيت في عيون الأخبار ١/ ٣٧ برواية الأصل.
(٤) الأغاني ١/ ٤١٥ أخبار العرجي.
(٥) البيت للعرجي انظر ديوانه صفحة (٣٤).
[ ١٩٠ ]
فقلت: أمّا سداد الكنف فأنت أحرى به، وأمّا الثّغر فلا علم لنا بك، فكيف أنت فيه؟ قال: فانعطف عليّ وأنشد:
وأكرم نفسي إنّني إن أهنتها وحقّك لم تكرم على أحد بعدي
فقلت: يا هذا، والله ما يكون من الهوان شيء أكثر ممّا بذلتها له.
فقال: بلى، من الهوان لشر ممّا أنا فيه. فقلت: وما هو؟ فقال: الحاجة إلى مثلك وأمثالك. فانصرفت عنه خجلا.
٤٧٨ - ومن أمثال العرب: أقلل طعاما تحمد مناما.
٤٧٩ - وقيل: القناعة راحة الأبدان.
٤٨٠ - وقيل: الحرص من سبل المتالف.
٤٨١ - إبراهيم بن المهدي:
قد شاب رأسي، ورأس الحرص لم يشب إنّ الحريص من الدّنيا لفي تعب
قد يرزق المرء لم تنصب (١) رواحله ويحرم الرّزق من لم يؤت من طلب
٤٨٢ - وقال بعض الرّهبان: من أراد الحياة الهنيّة قنع ولم يستكثر.
٤٨٣ - وقيل: القناعة رأس مال لا ينفد.
٤٨٤ - وقيل: اليأس حرّ، والرّجاء عبد.
_________________
(١) المستقصى في الأمثال ١/ ٢٨٦.
(٢) مجمع الأمثال ١/ ٣٧٤ وروايته: شدّة الحرص من سبل المتالف. يضرب في الشهوان الحريص على الطعام وغيره.
(٣) ثمار القلوب ١/ ٤٩٤. وتاريخ بغداد ٦/ ١٤٧.
(٤) النصب: التعب.
[ ١٩١ ]
٤٨٥ - وقيل: برد اليأس خير من حرّ الطّمع.
٤٨٦ - وقال عبد الله بن المعتز عفا الله عنه:
ومن شرّ أيام الفتى بذل وجهه (١) إلى غير من حفّت إليه الصّنائع
متى يدرك الإحسان من لم يكن له إلى طلب الإحسان نفس تنازع
٤٨٧ - وقيل: إذا طالبتك نفسك برزق غد، فاطلب منها كفيلا بحياة اليوم.
٤٨٨ - وشكى رجل إلى الشّبلي (١) كثرة عياله، فقال: ارجع إلى بيتك، ومن لم يكن رزقه على الله؛ فأخرجه منه.
٤٨٩ - وقيل: لو قسمت الأرزاق على قدر العقول ما عاشت البهائم.
٤٩٠ - أبو تمّام الطّائي:
ينال الفتى من عيشه وهو جاهل ويكدي الفتى من دهره وهو عالم
ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا هلكن إذا من جهلهنّ البهائم
٤٩١ - وقيل: أحرص الحيوان الذّباب، وأقنعه العنكبوت؛ لا يطلب الرّزق وإنّما ينتظره ليقصده في بيته؛ وقد جعل الله أحرصها رزقا لأقنعها.
٤٩٢ - وقيل: القناعة سيف لا ينبو.
_________________
(١) لم أجد هذين البيتين في ديوانه.
(٢) دلف بن جحدر الشبلي، ناسك كان في مبدأ أمره واليا في دنباوند (من نواحي رستاق الري) وولي الحجابة للموفق العباسي، وكان أبوه حاجب الحجاب، ثم ترك الولاية وعكف على العبادة، فاشتهر بالصلاح، له شعر جيد، سلك به مسالك المتصوفة. أصله من خراسان، ونسبته إلى قرية شبلة من قرى ما وراء النهر، ومولده بسر من رأى، ووفاته ببغداد سنة ٣٣٤ للهجرة. الأعلام.
(٣) الديوان ٣/ ١٧٨، من قصيدة يمدح بها أحمد بن أبي دؤاد مطلعها: ألم يأن أن تروى الظماء الحوائم وأن ينظم الشمل المشتت ناظم
[ ١٩٢ ]
٤٩٣ - وقيل: من عدم القناعة لم يزده المال غنى.
٤٩٤ - الرّزق يأتيك وإن لم تطلبه (١) مالك من حرصك إلاّ تعبه
٤٩٥ - وقيل: من كثرت شهواته دامت حسراته.
٤٩٦ - وقال أبو تمّام الطّائي: لمّا دخلت خراسان لم أفرح بها كفرحي ببيت سمعته (٢) بها وهو:
لو لم تكن لله متّهما لم تمس محتاجا إلى أحد (٣)
٤٩٧ - وقال بزرجمهر: لا شرف إلاّ شرف العقل، ولا غنى إلاّ غنى النّفس.
٤٩٨ - أبو فراس بن حمدان:
غنى النّفس لمن يعق ـل خير من غنى المال
وفضل النّاس في الأنف س ليس الفضل في الحال
٤٩٩ - وقيل: الطّامع في وثاق الذّل.
٥٠٠ - ربّ معرّق (٤) قد خاب، ومقتصد قد فاد.
_________________
(١) الوجه بالجزم «تطلبه» ورفع لضرورة الشعر.
(٢) في الأصل: سمعتها به.
(٣) البيت لأبي نواس من قصيدة مطلعها: يا نفس خافي الله واتّئدي واسعي لنفسك سعي مجتهد الديوان صفحة ١٩٣ المطبعة العمومية ١٨٩٨ باعتناء محمود أفندي واصف وهذه القصيدة وغيرها أسقطها محقق ديوان أبي نواس الأستاذ أحمد عبد المجيد الغزالي معللا ذلك بقوله: «ويحسن أن ننبه إلى أن بعض الشعر الذي لم نثبته للحسن في ديوانه كان واضح الضعف والتفكك. . .»!!؟ وكان الأجدر به لو سمّى كتابه هذا بمختارات. . وفي الأصل: بالله.
(٤) المستطرف (٤٢) من غير عزو.
(٥) الديوان (٢٤٨).
(٦) في الأصل مغرق. والمعرّق: من عرّق فيه أعمامه وأخواله في الكرم أو في اللؤم.
[ ١٩٣ ]
٥٠١ - وقيل: عبد الشّهوة أذلّ من عبد الرّقّ.
٥٠٢ - هشام بن إبراهيم البصري:
وكم ملك جانبته عن كراهة لإغلاق باب أو لتشديد حاجب
ولي في غنى نفسي مراد ومذهب إذا انصرفت عنّي وجوه المذاهب
٥٠٣ - وروي أنّ شاعرا أتى أبا البختريّ وهب بن وهب (١)، وكان من أجود النّاس، وكان إذا سمع مدح المادح ضحك وسرى السّرور في جوانحه، فأتاه هذا الشاعر وأنشده (٢):
لكلّ أخي فضل فعال من العلا ورأس العلا طرّا عقيد النّدى وهب
وما ضرّ وهبا عيب من جحد العلا كما لا يضرّ البدر ينبحه كلب
فثنى له الوسادة وهشّ إليه ورفده، وحمله وأضافه، فلمّا أراد الرّحلة لم يخدمه أحد من غلمان أبي البختريّ ولا عقد ولا حلّ. فأنكر ذلك مع جميل ما فعل به، وأنّه قد تجوّز به أمله، فعاتب بعضهم، فقال الغلام: إنّما نعين النّازل على الإقامة، ولا نعين الرّاحل على الفراق. فبلغ هذا الكلام رجلا من القرشيّين فقال: لفعل هذا العبيد [على] (٣) هذا القصد أحسن من رفد سيّدهم.
٥٠٤ - وقال الحسن والحسين لعبد الله بن جعفر: إنّك قد أسرفت في
_________________
(١) الكامل ٢/ ٦٧٣، نهاية الأرب ٣/ ٢١٣.
(٢) وهب بن وهب، أبو البختري كان فقيها أخباريا جوادا، ولد بالمدينة، تولى قضاء عسكر المهدي، ثم قضاء المدينة، ثم عزل عنها، وعاد لبغداد وتوفي فيها سنة ٢٠٠ للهجرة، كان متروك الحديث مشهورا بوضعه، صنف كتبا منها: «فضائل الأنصار». وفيات الأعيان ٦/ ٣٧، الأعلام.
(٣) قال ابن خلكان في «وفيات الأعيان» ٦/ ٣٩ ناسبا الأبيات: هي لأبي عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن عطية العطوي الشاعر، وهو من البصرة من موالي بني ليث بن بكر، وكان معتزليا.
(٤) ما بين حاصرتين من الكامل.
(٥) الكامل ١/ ١٨٠، والعقد الفريد ١/ ٢٢٥، والخبر بنحوه في تاريخ دمشق تراجم حرف العين «عبد الله بن جابر-عبد الله بن زيد» صفحة ٦٤، والعقد الثمين ٥/ ١٢١.
[ ١٩٤ ]
بذل المال. فقال: بأبي أنتما وأمّي، إنّ الله قد عوّدني أن يفضل (١) عليّ، وعوّدته أن أفضل (٢) على عباده، فأخاف أن أقطع العادة، فيقطع عنّي المادّة.
٥٠٥ - قال رجل لإبراهيم بن هرمة الشّاعر (٣): بأيّ شيء استحقّ منك عبد الواحد بن سليمان أن تقول فيه:
أعبد الواحد المأمول إنّي أغصّ حذار سخطك بالقراح (٤)
وجدنا غالبا كانت جناحا وكان أبوك قادمة الجناح (٥)
قال: إن ذهبت أعدد صنائعه التي استحقّ بها طال القول منّي وأطلت، ولكنّي أخبركم بأصغر صنيعة له عندي: كنت منقطعا إليه بالمدينة أيّام كان يتولاّها، فأغناني عمّن سواه، ثم عزل فظننت أن من يلي يكون مثله، فأقمت بالمدينة أغدو وأروح إلى الوالي طمعا فيه إلى أن لم يبق لي شيء، فقلت لأختي: ويحك، أما ترين ما أنا فيه من الشّدّة، وتعذّر القوت؟ فقالت: هذا أيسر اختيارك (٦). قلت: فبم تشيرين عليّ؟ قالت: ما أعرف لك غير عبد الواحد بن سليمان. قلت: ومن لي به، وهو بدمشق، وأنا بالمدينة؟ قالت: أنا أعينك (٧)، وأحسن صحبتك. قلت: افعلي. فباعت حليّا كان
_________________
(١) في الهامش: في نسخة يتفضل.
(٢) في الهامش: في نسخة أتفضل.
(٣) الفرج بعد الشدة ٣/ ١٦، وهو بنحوه في البصائر والذخائر م ٣/ ١/٢٢٥، ومختصر تاريخ دمشق ٤/ ٨٨.
(٤) هو إبراهيم بن علي بن سلمة بن عامر بن هرمة الكناني القرشي، شاعر من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، مدح الوليد بن يزيد، ووفد على المنصور العباسي، انقطع إلى الطالبيين وله شعر فيهم، وهو آخر الشعراء الذين يحتج بشعرهم. كان مولعا بالشراب، جلده صاحب شرطة المدينة. توفي سنة ١٧٦ للهجرة. الأعلام.
(٥) القراح: الماء الصافي البارد.
(٦) البيتان في الديوان صفحة ٩٠، من قصيدة مطلعها: صرمت حبائلا من حبّ سلمى لهند ما عمدت لمستراح
(٧) في الفرج بعد الشدة: قالت: بسوء اختيارك.
(٨) في الأصل: أعوانك. وكتب بالهامش لعلها أعينك.
[ ١٩٥ ]
لها، واشترت لي راحلة، وزوّدتني. فسرت عليها إلى دمشق فوافيتها بعد اثنتي عشرة (١) ليلة، وأنخت عشيّا على باب عبد الواحد، وعقلت ناقتي، ودخلت المسجد فحططت رحلى فيه، فلما أذّن المؤذن، خرج عبد الواحد فتطوّع ثم أقيمت الصّلاة، فصلّى ثم جلس يسبّح، ثم حوّل وجهه إلى جلسائه يحدّثهم فلمح النّاقة والرّحل فقال: من هذا؟ فوثبت، وقبّلت يده، وقلت:
أنا يا سيدي عبدك ابن هرمة. فقال: أبا إسحاق، كيف خبرك؟ قلت: بشرّ خبر بعدك أيّها الأمير، تلاعبت بي المحن، وجفاني الصّديق، ونبا بي الوطن، فلم أجد معوّلا إلاّ عليك. فو الله، ما بادرني إلاّ بدموعه، ثم قال:
ويحك، بلغ بك الجهد إلى ما ذكرت؟ فقلت: إي والله أيّها الأمير، وما أخفيته أكثر. فقال: اسكن، ولا ترع. ثم نظر إلى فتية بين يديه جلوس كأنّهم الصّقور فوثبوا، ثم استدعى أحدهم، وهمس إليه بشيء، فمضى مسرعا ثم أومأ إلى الثاني فهمس إليه، ومضى، وفعل كذلك بالثالث. ثم أقبل الأوّل ومعه خادم في يده كيس، فصبّه في حجري، فقال له أبوه: كم هذا؟ فقال: ألف وسبع مئة دينار، والله، ما كان في بيت مالك غيرها. ثم أقبل الثاني وبين يديه عبد على كتفه مثل الكاره (٢)، فصبّها بين يدي فإذا هو حليّ مختلع من حليّ بناته ونسائه، وقال لأبيه: والله، ما أبقيت لهما (٣) حليّا غير ما ترى. وأقبل الثالث ومعه غلامان معهما كارتان من فاخر ثيابه، فوضع ذلك بين يدي، ثم قال: يا ابن هرمة، أنا أعتذر إليك من قلّة ما حبوتك به، مع بعد هذه الشّقّة، وطول العهد، وسعة الأمل، ولكنّك جئتنا في آخر السّنة، وقد تقسّمت أموالنا الحقوق، ونسفتها (٤) أيدي المؤمّلين، فلن يبقى
_________________
(١) في الأصل: اثني عشر.
(٢) الكارة: ما يحمل على الظهر من الثياب، تكور في ثوب واحد. متن اللغة. (كور).
(٣) كذا في الأصل، والصواب: لهنّ.
(٤) في الفرج بعد الشدة: ونهبتنا. . . فلم يبق.
[ ١٩٦ ]
لنا غير هذه الصّبابة، فآثرناك بها على أنفسنا، واستللناها لك من أفواهنا، ولو بعثت (١) إليّ لأنفذت إليك منها ما يكفيك، فأتاك عفوا ولم تتجشّم إلينا سفرا ولا مشقّة، ولم تحتج إلى سوانا، وذلك لك مني أبدا ما بقيت.
فأقسمت عليك لما أصبحت [إلا] (٢) على ظهر ناقتك، وتداركت أهلك فخلّصتهم من هذه المحنة. فقمت إلى ناقتي فإذا هي قد ضعفت فقال:
ما أرى في ناقتك فضلا، يا غلام، ناقتي الفلانية. فجاء بها برحلها فكانت والله أحبّ إليّ من كلّ ما ساقه إليّ، ثم دعا بناقتين فأوقرهما بالمال والثياب وزاد يكفيني لطريقي، ووهب لي عبدين، وقال: هما يسقيان لك، ويرعيان إلى أن ترد، فإن شئت ترتبطهما وإن شئت تبيعهما. أفألام أن أغصّ حذار سخط هذا بريقي فضلا عن الماء القراح؟
٥٠٦ - مرّ يزيد بن المهلّب بأعرابيّة في خروجه من سجن عمر بن عبد العزيز فقرته عنزا، فقبلها، ثم قال لابنه معاوية: ما معك من النّفقة؟ فقال: ثمان مئة دينار. فقال: ادفعها إليها. فقال: يا أبه، إنّك تريد الرّجال ولا يكون الرجال إلاّ بالمال، وبعد فهذه يرضيها اليسير، وهي لا تعرفك. فقال: إن كانت ترضى باليسير فأنا لا أرضى إلاّ بالكثير، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي. ادفع إليها المال.
٥٠٧ - وذكر العتبي قال: أشرف عمر بن هبيرة الفزاري (٣) من قصره يوما
_________________
(١) في الأصل ما صورته: بعدثت. ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٢) ما بين المعقوفين مستدرك من الفرج بعد الشدة.
(٣) الكامل ١/ ١٨٠، والعقد الفريد ١/ ٣٠٦، ونهاية الأرب ٣/ ٢١١.
(٤) المستجاد ٢٣٦، والمستطرف ١٧٩، وفيات الأعيان ٥/ ٢٤٨. واختلف في الأمير الذي يدور عليه الخبر ففي المستجاد: خالد بن عبد الله القسري، وفي وفيات الأعيان: معن بن زائدة.
(٥) عمر بن هبيرة بن سعد الفزاري، أبو المثنى، أمير من الدهاة الشجعان، كان رجل أهل الشام، وهو بدوي أمي، ولاه عمر بن عبد العزيز الجزيرة فغزا الروم وأسر منهم-
[ ١٩٧ ]
فإذا هو بأعرابيّ يقصد نحو قصره، فقال لحاجبه: إن قصدني هذا، فأوصله إليّ. فلما دنا سأله، قال: قصدت الأمير. فأدخله عليه، فلمّا مثل بين يديه قال له عمر بن هبيرة: ما خطبك؟ فقال:
أصلحك الله قلّ ما بيدي فما أطيق العيال إذ كثروا
ألحّ دهر رمى بكلكله (١) فأرسلوني إليك وانتظروا
قال: فأخذت عمر الأريحيّة، وجعل يهتزّ في مجلسه، ثم قال:
أرسلوك إليّ وانتظروا؟ إذن والله، لا تجلس حتّى تعود إليهم غانما. وأمر له بألف دينار، وأعاده على بعيره لوقته.
٥٠٨ - وذكر رجل من الأعراب قال: نزلت برجل من طيّئ فنحر لي ناقة فأكلت منها، فلما كان الغد نحر أخرى، فقلت له: إنّ عندك من اللّحم ما يكفي ويغني. فقال: والله، إنّي لا أطعم ضيفي إلاّ لحما عبيطا (٢) قال:
وفعل ذلك في اليوم الثّالث. وفي كلّ ذلك آكل شيئا، ويأكل الطائي أكل جماعة، ثم يؤتى باللّبن فأشرب شيئا، ويشرب هو غاية الوطب (٣). فلمّا كان في اليوم الثّالث ارتقبت غفلته، فاضطجع فلما امتلأ نوما استقت قطيعا من إبله، وأقبلت به الفجّ، فانتبه واحتظر عليّ الطريق حتّى وقف لي في مضيق منه، وألقم وتره فوق سهمه (٤)، ثم ناداني: أتطيب نفسك عنها؟ قال: فقلت له: أرني آية. قال: انظر إلى ذلك الضّبّ، إني واضع سهمي في مغرز ذنبه.
ورماه، فأندر ذنبه. قلت له: زدني. فقال: انظر إلى أعلى
_________________
(١) خلقا عظيما، ثم تولى إمارة العراق وخراسان توفي نحو سنة ١١٠ للهجرة. الأعلام.
(٢) في الأصل: دهرا حتى بكلكله. والتصويب من المستجاد، ووفيات الأعيان، وفي المستطرف: أناخ دهري عليّ كلكله.
(٣) العبيط: الطري. القاموس (عبط).
(٤) الوطب: سقاء اللبن. لسان العرب (وطب).
(٥) الفوق: موضع الوتر من السهم. متن اللغة (فوق).
[ ١٩٨ ]
فقاره (١). ورماه، فأثبت سهمه في الموضع، ثم قال لي: الثّالثة والله في كبدك. فقال: فقلت: شأنك إبلك. فقال: كلاّ، حتى تسوقها إلى حيث كانت. فلما انتهيت بها، قال: إنّي فكّرت في أمرك، فلم أجد لك عندي ترة تطالبني بها، وما أحسب الذي حملك على أخذ إبلي إلاّ الحاجة. فقلت: هو والله ذاك. قال: فاعمد إلى عشرين من خيارها فخذها. فقلت: إذن والله لا أفعل حتّى تسمع مدحك: والله، ما رأيت رجلا أكرم ضيافة، ولا أهدى لسبيل، ولا أرمى كفّا، ولا أوسع صدرا، ولا أرغب خوفا، ولا أكرم عفوا منك. فاستحيا، وصرف وجهه عني، ثم قال: انصرف بالقطيع مباركا لك فيه.
٥٠٩ - وقال المازنيّ (٢): دخلت على الواثق، فقال لي: با اسمك؟ -وهي لغة للحارث بن كعب-فقلت: بكر. قال: هل لك من ولد؟ قلت:
أخيّة تحلّ منّي محلّ الولد. قال: فما كان من قولها لك عند رحيلك إلينا؟ قلت: قالت قول الأعشى (٣):
تقول ابنتي حين جدّ الرّحيل أرانا سواء ومن قد يتم
أبانا فلا رمت من عندنا فإنّا بخير إذا لم ترم
ترانا إذا أضمرتك البلا د نجفى وتقطع منّا الرّحم
فقال: والله، لقد ذكّرتك بنفسها، فأحسنت، فبماذا أجبتها؟ قال:
قلت:
_________________
(١) في الأصل قفاره.
(٢) العقد الفريد ٢/ ١٠١.
(٣) بكر بن محمد بن حبيب بن بقية، أبو عثمان المازني، أحد الأئمة في النحو من أهل البصرة، ووفاته فيها، الأعلام.
(٤) من قصيدة للأعشى ميمون بن قيس يمدح قيس بن معديكرب، الديوان صفحة ٤١ مطلعها: أتهجر غانية أم تلم أم الحبل واه بها منجذم
[ ١٩٩ ]
ثقي بالله ليس له شريك ومن عند الخليفة بالنّجاح (١)
فقال: والله، لقد أحسنت، ثق بالله ثم بالنّجاح، يا غلام، أنجحه بألف دينار. فأخذتها وانصرفت.
٥١٠ - وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: حضرت يوما بباب الرّشيد فقيل لي: هو نائم. فلقيني جعفر بن يحيى، وقال: ما الخبر؟ قلت: أمير المؤمنين نائم. فقال: قف مكانك. ومضى إلى دار الخليفة، وخرج الحاجب فأعلمه أنّه نائم، ورجع فقال: سر بنا إلى دارنا حتّى نخلو بقيّة يومنا ونأخذ في شأننا من وقتنا. فقلت: نعم. وسرنا (٢) إلى داره، ونزعنا ثيابنا، ودعي بالطعام فأكلنا وأمر بإخراج الجواري، وقال: لتبرزن، فليس عندنا من نحتشمه. فلما وضع الشّراب دعا بقميص جديد فلبسه، ودعا بخلوق (٣) فتخلّق به، ودعا لي بمثل ذلك، وجعل يغنّيني وأغنّيه، ثم دعا بالحاجب فتقدّم إليه وأمره أن لا يأذن لأحد من النّاس كافّة، وإن جاء رسول أمير المؤمنين أعلمه أنّه مشغول، واحتاط في ذلك، وتقدّم فيه إلى جميع الحجّاب والخدم. ثم قال: إن جاء عبد الملك ائذنوا له-يعني رجلا كان يأنس به ويمازحه ويحضر خلواته-ثمّ أخذنا في شأننا. فو الله إننا على حال سارّة عجيبة إذ رفع السّتر فإذا عبد الملك بن صالح الهاشمي (٤) قد أقبل، وغلط الحاجب
_________________
(١) البيت لجرير من قصيدة في ديوانه ١/ ٨٧ مطلعها: أتصحو بل فؤادك غير صاح عشية همّ صحبك بالرواح
(٢) المستجاد ١٥٣، والفرج بعد الشدة ١/ ٣٦٢، ووفيات الأعيان ١/ ٣٣٠، والمستطرف ٣٣٨، وسير أعلام النبلاء ٩/ ٦٧.
(٣) في الأصل كتبت كلمة «سرنا» ووضع فوقها من دون أن يضرب عليها «صرنا» وكذلك قبل سطر فوق كلمة «سربنا».
(٤) الخلوق: طيب يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب، وتغلب عليه الحمرة والصفرة. اللسان (خلق).
(٥) عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، أمير من بني العباس، ولاه الهادي إمرة الموصل، ثم ولاه الرشيد المدينة والصوائف، ثم ولاه دمشق، وبلغه-
[ ٢٠٠ ]
ولم يفرّق بين عبد الملك الذي عناه جعفر وبينه، وكان من جلالة القدر والتقشّف والامتناع من منادمة الرشيد على أمر جليل، وكان الرّشيد قد اجتهد أن يشرب قدحا معه فلم يقدر ولم يفعل رفعا لسبقه (١).
فلما رأيناه مقبلا، أقبل كلّ واحد منّا ينظر لصاحبه، وكاد جعفر أن ينشقّ غيظا. وفهم الرّجل حالنا، فأقبل نحونا حتّى إذا صار إلى الرّواق الذي نحن فيه نزع قلنسوته فرمى بها مع طيلسانه جانبا، ثم قال: أطعمونا شيئا. فدعا جعفر بالطعام، وهو منتفخ غيظا وغضبا، فطعم ثم دعا برطل فشربه ثم أقبل إلى المجلس الذي نحن فيه، وأخذ بعضادتي الباب (٢)، وقال: أشركونا فيما أنتم فيه. فقال له جعفر: ادخل. فدخل، ثم دعا بقميص جديد، وخلوق، فلبس وتخلّق، ثم دعا برطل فشربه ورطل حتّى شرب عدّة أرطال، ثم اندفع فغنّى، فكان والله أحسننا جميعا غناء، فلما طابت نفسه ونفس جعفر وسرّي عنه ما كان به التفت إليه، وقال له: ارفع حوائجك. فقال: ليس هذا موضع حوائج. فقال: لتفعلنّ. ولم يزل يلحّ عليه حتى قال: أمير المؤمنين عليّ واجد، وأريد أن تترضاه. قال: فإنّ أمير المؤمنين قد رضي عنك، فهات حوائجك كما أقول. قال: عليّ دين فادح. قال: هذه أربعة آلاف ألف درهم، فإن أحببت أن تقبضها من مالي السّاعة فاقبضها، فإنّه ما يمنعني إعطاءك إيّاها إلاّ أن قدرك يجلّ أن يصله مثلي، ولكنّي ضامن لك إيّاها من مال أمير المؤمنين غدا، فسل أيضا. قال: أحبّ أن تكلّم أمير المؤمنين بولدي لينوّه باسمه. فقال: قد ولاّه أمير المؤمنين مصر، وزوّجه الغالية ابنته،
_________________
(١) أنه يطلب الخلافة، فحبسه ببغداد، ولما مات الرشيد أطلقه الأمين وولاه الشام والجزيرة، فأقام بالرقة إلى أن توفي سنة ١٩٦ هـ. كان من أفصح الناس وأخطبهم، له مهابة وجلالة. الأعلام.
(٢) كذا في الأصل ولعلها: لنفسه وفي الفرج بعد الشدة: ترفعا.
(٣) عضادتا الباب: الخشبتان المنصوبتان المثبّتتان في الحائط على جانبيه. القاموس المدرسي (عضد).
[ ٢٠١ ]
وأمهرها عنه ألفي ألف درهم. قال إسحاق: فقلت في نفسي: قد سكر الرّجل-أعني جعفرا-
فلما أصبحت لم يكن لي همّة إلاّ حضور دار الرشيد، فلما دخلتها رأيت في الدار جلبة، وإذا أبو يوسف القاضي (١) ونظراؤه قد دعي بهم، ودعي بعبد الملك بن صالح وابنه وأدخلا على الرّشيد، فقال لعبد الملك: إنّ أمير المؤمنين كان عليك واجدا وقد رضي عنك، وأمر لك بأربعة آلاف ألف درهم، فاقبضها من جعفر بن يحيى السّاعة، ثم دعا بابنه، فقال: اشهدوا أنّي زوّجته الغالية ابنة أمير المؤمنين وأمهرتها عنه من مالي ألفي ألف درهم، وولّيته مصر. قال: فلما خرج جعفر بن يحيى سألته عن الخبر. قال: بكرت إلى أمير المؤمنين، وحكيت له جميع ما جرى وما كنّا فيه حرفا حرفا ووصفت له دخول عبد الملك وما صنع، فعجب لذلك، وسرّ به فقلت له: قد ضمنت له عن أمير المؤمنين ضمانا. فقال: وما هو؟ فأعلمته، فقال: أحضره لتفي بضمانك. وأمر بإحضاره فكان ما رأيت.
٥١١ - قال: وقيل: كان بالجزيرة رجل يقال له خزيمة بن بشر الأسدي وكان ربّ نعمة يفضل على إخوانه ومن يقصده، فلم يزل به ذلك حتّى أنفد ماله، واحتاج إلى إخوانه فواسوه حينا ثمّ ملّوه. فلما ظهرت له منهم ملالة، قال لزوجته: إنّي رأيت من إخواني تغيّرا، وظهرت لي منهم جفوة، وقد رأيت أن ألزم بيتي، وأغلق بابي حتّى يأتي الله برزق، أو أموت. قالت:
_________________
(١) أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي صاحب الإمام أبي حنيفة، وتلميذه، وأول من نشر المذهب، كان فقيها علامة، من حفاظ الحديث، غلب عليه الرأي، ولي القضاء ببغداد أيام المهدي والهادي والرشيد، وهو أول من دعي «قاضي القضاة» وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة كان واسع العلم بالتفسير والمغازي وأيام العرب، توفي سنة ١٨٢ هـ. الأعلام.
(٢) المستجاد ٢٦ وثمرات الأوراق ٢٤٨.
[ ٢٠٢ ]
وفّقك الله. فلزم بيته وجعل ينفق ممّا في يده.
وولي الجزيرة رجل يقال له عكرمة الفياض من ربيعة، وصادف يوم دخوله الجزيرة نفاد ما كان يتقوّت به خزيمة بن بشر فعند ذلك ذكر (١) عكرمة ابن بشر في مجلسه، وقال: ما فعل خزيمة بن بشر الأسدي؟ فقيل له: قد صار من سوء الحال إلى ما لا يوصف. قال: فما وجد له من إخوانه كافيا ولا مواسيا؟ فقيل له: واساه بعضهم ثمّ ملّوه. فقال: واسوأتاه لهذه الأخلاق. ثم دعا خادما له يثق به، وأمره أن يتعرّف منزل خزيمة، ففعل ذلك، ثم أحضر قهرمانه وأمره أن يأتيه بأربعة آلاف دينار. ففعل ذلك، فلما كان بعد هدأة من الليل دعا بذلك الخادم، وأمره أن يحمل ذلك الكيس بين يديه. وركب دابّته بغير ضوء ولا سراج، وليس معه غير الخادم، وقصدا دار خزيمة حتى أوقفه الخادم على بابها، فأخذ الكيس ووضعه على قربوس (٢) سرجه، وأمر أن يبعد عنه الخادم، ثم قرع الباب على خزيمة، ففتح وخرج إليه، فقال له عكرمة: أنت خزيمة بن بشر؟ قال: نعم، أصلحك الله.
قال: خذ هذا فأصلح به من شأنك. فتناول منه الكيس، وقال له: من أنت جعلت فداك؟ فقال: ما جئتك في ذا الوقت وأنا أريد أن تعلم من أنا. فأخذ بعنان فرسه وقال: ما كنت لأقبل معروف من لم أعرفه. فأبى عكرمة، وألحّ عليه خزيمة، فقال: أمّا إذ أبيت فأنا جابر عثرات الكرام. قال: زدني، جعلت فداك. قال: ما عندي غير ذلك. وجذب عنان فرسه، وانصرف ودخل خزيمة منزله، فقالت له زوجته: ما وراءك؟ فقال لها: قد أتانا الله بخير عظيم، فإن كان فلوسا فهي كثيرة، فهل من سبيل إلى سراج؟ فقالت:
لا والله، مالي إليه من سبيل، ولا أقدر عليه. فحلّ الكيس، ولمس خشونة
_________________
(١) في الأصل: ذكره.
(٢) القربوس: حنو السرج.
[ ٢٠٣ ]
الدّنانير، فلم يصدق لكثرتها، وبات بليلة طويلة.
ورجع عكرمة إلى منزله، وقد سألت عنه زوجته وهي ابنة عمّه، فأخبرت أنّه ركب وليس معه أحد بغير ضوء ولا سراج. فقالت: أمير الجزيرة يركب في مثل هذا الوقت على مثل هذه الحالة؟! والله ما ركب إلاّ لجارية اشتراها، أو امرأة تزوّجها، وبكت وشقّت ثوبها، ولطمت وجهها. فدخل عليها عكرمة، وقال: ما وراءك؟ فقالت: أمير الجزيرة يركب في مثل هذا الوقت على مثل هذه الحالة؟! والله، ما ركبت إلاّ لجارية اشتريتها أو امرأة تزوجتها. فقال: والله، ما كان ركوبي لشيء ظننتيه. فقالت: والله، لا أزال على هذا أو تخبرني بما ركبت له. فأخبرها، فقالت: قد وقع لي أنّ الأمر كذلك كان. وسكتت.
ثم أصبح خزيمة وقد رأى ما أتاه به من الرّزق، فعمد إلى السّوق واشترى الكسوة والخدم والدّوابّ والفرش، وتجهّز للمسير إلى سليمان بن عبد الملك وهو يومئذ خليفة، وكانت له به حرمة متقدّمة فوصل إليه وهو بفلسطين فلما وقف ببابه استأذن عليه، فأذن له. فلمّا رآه قال: خزيمة بن بشر؟! قال:
نعم، خزيمة يا أمير المؤمنين. قال: ما الذي أبطأ بك عنّا؟ قال: سوء الحال. قال: فكيف قدرت الآن على الوصول؟ فأخبره بالقصّة، فقال له:
فما عرفت الرّجل؟ فقال: لا والله، يا أمير المؤمنين. فقال: والله، لو عرفنا من هو لجبرنا منه أضعاف ما جبر منك. ثم دعا بقناة، وعقد له على الجزيرة، وأمره بالخروج إليها.
فقيل لعكرمة: قد ولي خزيمة بن بشر البلد. فقال: بارك الله له فيها.
فلما قرب من البلد خرج النّاس للقائه، وخرج عكرمة فيمن خرج. فلما دخل تقدّم إلى حاجبه أن يمنع عكرمة من الانصراف إلى منزله. ففعل به ذلك باقي يومه، ثم دعا به من الغد وأمر بمحاسبته، فوجد عليه مالا كثيرا فقال: أدّ هذا المال. فقال: ما هو عندي، أصلح الله الأمير، ولا أقدر عليه. فقال:
[ ٢٠٤ ]
لا بدّ من ذلك. فقال: والله، ما أنا ممّن يصون ماله بعرضه ونفسه. فأمر به إلى الحبس وثقّله بالحديد، وضيّق عليه في محبسه، فأقام في ذلك حتى أجهده الأمر وبلغ منه الضّرّ (١).
واتّصل خبره بابنة عمّه فدعت مولدة (٢) لها ذات عقل وأدب وقالت لها:
امضي إلى باب الأمير، وقولي للحاجب: عندي نصيحة للأمير تسرّه. وإذا سألك عنها فقولي: ما أخبر بها إلاّ الأمير. فإذا دخلت إليه فقولي: هذا جزاء جابر عثرات الكرام منك؟ فبئس ما جزيته وكافيته بالحبس والضّيق والحديد.
قال: فلمّا فعلت ذلك وقصّت عليه القصّة، فلمّا سمع ذلك قال:
وا سوأتاه، وكأنّه هو (٣)؟ قالت: إي والله. فأمر من وقته بدابّته فأسرجت، وبعث إلى وجوه أهل البلد فجمعهم، وأتى بهم إلى باب السّجن، ففتح ودخل عليه هو ومن معه، وإذا بعكرمة في قاع السّجن متغيّرا، وقد أضناه الضّرّ. فلمّا نظر إليه عكرمة وإلى الناس معه احتشمه، ونكس رأسه، وجعل يبكي. وأقبل خزيمة على رجليه يقبّلها (٤)، وهو يبكي، وأقبل يقول:
وا سوأتاه من الله ومن الناس. فقال عكرمة: وما سبب هذا منك؟ قال خزيمة:
كريم فعلك، وسوء مكافأتي. فقال عكرمة: يغفر الله لنا ولك. ثم أمر الحدّاد ففكّ القيد من رجله، وأخذ خزيمة يضع القيد في رجله، فقال عكرمة: أقسم بالله لا تفعل. فخرجا جميعا إلى دار خزيمة، فودّعه عكرمة وأراد الانصراف فلم يفعل خزيمة. وأمر بالحمّام فأخليت، ودخلا جميعا وخرجا، فخلع عليه وحمله إلى منزله، وحمل إليه مالا كثيرا، ثم سار معه إلى داره، واستأذنه في الاعتذار من ابنة عمّه، واعتذر إليها وتذمّم من ذلك،
_________________
(١) في المستجاد: فأضناه ذلك وأضرّ به.
(٢) في المستجاد: مولاة.
(٣) كذا في الأصل، وفي المستجاد: وإنّه لهو؟
(٤) في المستجاد: أكب على رأسه فقبّله.
[ ٢٠٥ ]
ثمّ إنّ خزيمة سأله أن يسير معه إلى الخليفة وكان بالرّملة، فسارا جميعا حتّى قدما على سليمان فدخل الحاجب، فأعلمه بقدوم خزيمة فراعه ذلك، وقال:
والي الجزيرة يقدم بغير إذن، ما هذا إلاّ لحادث عظيم.
فلما دخل عليه قال له سليمان قبل أن يسلّم عليه: ما وراءك يا خزيمة؟ قال: خير يا أمير المؤمنين. قال: فما الذي أقدمك علينا؟ قال: ظفرت بجابر عثرات الكرام، فأحببت أن يسرّك لما رأيت من تلهّفك وشوقك إليه.
قال: ومن هو؟ قال: عكرمة الفيّاض. فأذن له بالدّخول، فدخل وسلّم، وأدناه ورحّب به، فقال: يا عكرمة، ما كان إحسانك إليه إلاّ وبالا عليك.
فقال: لا والله يا أمير المؤمنين، أليس كان السّبب إلى النّظر إلى وجهك؟ فقال: اكتب لنا بجميع حوائجك. ففعل، فأمر سليمان بقضاء ذلك كلّه، وأمر له بعشرة آلاف دينار وسفطين (١) [من] ثياب، ثم أمر بإحضار قناة وعقد له على الجزيرة وإرمينية وأذربيجان، وقال: أمر خزيمة إليك إن شئت أن تبقيه، وإن شئت أن تعزله. قال: بل أردّه على (٢) عمله. ثم انصرفا فلم يزالا عاملين مدّة خلافة سليمان بن عبد الملك.
ثم تمام باب القناعة واليأس.
٥١٢ - للشّافعيّ:
ألا يا نفس إن ترضي بقوت فأنت عزيزة أبدا غنيّه
دعي عنك المطامع والأماني فكم أمنيّة جلبت منيّه
٥١٣ - الخريميّ:
_________________
(١) السفط محركة كالجوالق أو كالقفة. القاموس (سفط) وما بين معقوفين من المستجاد.
(٢) في المستجاد: أرده إلى.
(٣) في الديوان صفحة ٢٦ البيت الأول فقط.
[ ٢٠٦ ]
العيش لا عيش إلاّ ما قنعت به قد يكثر المال والإنسان مفتقر
يا حبّذا لذّة الدّنيا وزهرتها لولا السّقام ولولا الموت والكبر
٥١٤ - البستي (١):
دعوني ورسمي في عفافي فإنّني جعلت عفافي في حياتي ديدني
فأعظم من وقع اليدين على الفتى صنيعة برّ نالها من يدي دني (٢)
٥١٥ - آخر:
أعزّ النّاس نفسا من تراه يعزّ النّفس عن ذلّ السّؤال
ويقنع بالكفاف ولا يبالي بفضل فات من جدة ومال
فكم شقّت ودقّت واسترقّت فضول العيش أعناق الرّجال
٥١٦ - وقيل: خير الغنى القنوع، وشرّ الفقر الخضوع.
٥١٧ - أبو الفتح البستي:
يا آمري باقتناء المال مجتهدا كيما أعيش بمالي في غد رغدا
هبني بجهدي قد حصّلت رزق غد (٣) فمن ضميني بتحصيل الحياة غدا
٥١٨ - وقال عليّ بن أبي طالب: من قنع بالرّزق استغنى عن الخلق، ومن رضي بالمقدور قنع بالميسور.
_________________
(١) الديوان صفحة (٢٠٥).
(٢) البستي علي بن محمد بن الحسين أبو الفتح، شاعر عصره وكاتبه ولد في بست قرب سجستان وإليها نسبته، وكان من كتاب الدولة السامانية في خراسان، وارتفعت مكانته عند الأمير سبكتكين وخدم ابنه يمين الدولة محمود، ثم خرج إلى ما وراء النهر فمات غريبا سنة ٤٠٠ للهجرة (الأعلام).
(٣) في الديوان: وأعظم من قطع اليمين.
(٤) الديوان صفحة ٦٢.
(٥) في الديوان: هبني بجهدي قد أصلحت أمر غد
[ ٢٠٧ ]
٥١٩ - بعضهم
أتظنّ رزقك تحتويه بقوّة هيهات أنت بباطل مشغوف
رعت النّسور بقوّة جيف الفلا ورعى الذّباب الشّهد وهو ضعيف
٥٢٠ - آخر:
هوّن عليك بكون ما هو كائن قضي القضاء وجفّت الأقلام
ما الرّزق من عجز ولا بجلادة لكن بما سبقت به الأقسام
٥٢١ - آخر:
هي القناعة لا تطلب بها بدلا لو لم ينلك سوى التّرفيه في البدن
وانظر إلى من حوى الدّنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن
٥٢٢ - وقال أردشير: إصلاح الشّيم بالقناعة، ونموّ الفضل بالعلم.
٥٢٣ - وسئل بزرجمهر عن الرّزق فقال: إن كان قسم فلا تعجل، وإن لم يكن قد قسم فلا تتعب.
٥٢٤ - الرّزق يبغيك كما تبغيه
وأنت ميت حين تستوفيه
والدّهر فيه أبدا وفيه
من لم يكن يغنيه ما يكفيه
فكلّ ما في الأرض لا يغنيه
٥٢٥ - وقال أرسطاطاليس في وصيّته للإسكندر وعهده إليه: إذا أردت
_________________
(١) عزاه الدميري في حياة الحيوان ١/ ٢٩٧ إلى أبي العلاء المعري، ولم أجده في كتبه.
(٢) انظر المستطرف ٩٧.
(٣) الحكمة الخالدة ص ٢٢١ وهي ضمن وصية أرسطوطاليس للإسكندر لما اشتدت علة أبيه فيلفس وتقرر الأمر للإسكندر ابنه.
[ ٢٠٨ ]
الغنى، فاطلبه في القناعة؛ فإنّه من لم يكن له قناعة فليس المال مكفيه وإن كثر. وقد قال أوميرس (١) الشاعر:
لا مال يكفي عند ترك القناعة
ولا خير في المرء إذا لم يكن قنوعا.
٥٢٦ - ومن وصيّة أكثم بن صيفي (٢): من قنع بما هو فيه قرّت عينه.
٥٢٧ - وقال بعض الحكماء الذين حضروا وفاة الإسكندر: من رأى هذا الشّخص فليقنع ويمسك عن طلب الرّغائب، فإنّ عاجلها قاتل، وآجلها مهلك.
٥٢٨ - وقيل: أقلّ ما في القناعة الرّاحة.
٥٢٩ - أبو ذؤيب (٣):
_________________
(١) أوميرس أو هوميروس أقدم شعراء اليونانيين، وأرفعهم منزلة، له حكم كثيرة وقصائد حسنة، وجميع شعرائهم الذين أتوا بعده على مثاله احتذوا، وصفه نقاد اليونان بأنه البداية والنهاية وأنه معلمهم وباعث نهضتهم، أوجد منهم أمة قوية تؤمن بدين واحد، وتتخذ لغة واحدة، نظم الإلياذة والأوديسا باللهجة الأيونية، ويرجح أنه عاش في القرن الثامن قبل الميلاد في آسيا. ويعدّ أشدّ الشعراء تأثيرا في أدباء الغرب جميعا في مختلف العصور. مختار الحكم ومحاسن الكلم صفحة ٢٩، والموسوعة العربية الميسرة.
(٢) أكثم بن صيفي حكيم العرب في الجاهلية، وأحد المعمرين، أدرك الإسلام وقصد المدينة في مئة من قومه يريدون الإسلام، فمات في الطريق، وهو المعني بالآية وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اَللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ اَلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اَللهِ [النساء:١٠٠]. الأعلام.
(٣) ديوان الهذليين صفحة ٣. والبيت قاله أبو ذؤيب ضمن قصيدة وقد هلك له خمسة بنين في عام واحد أصابهم الطاعون، وفي رواية: وكان له سبعة بنين شربوا من لبن شربت منه حيّة ثم ماتت فيه فهلكوا في يوم واحد، مطلعها: أمن المنون وريبها تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع
(٤) أبو ذؤيب خويلد بن خالد، من بني هذيل بن مدركة، شاعر فحل مخضرم، سكن المدينة واشترك في الغزو والفتوح، وعاش إلى أيام عثمان فخرج إلى إفريقية-
[ ٢٠٩ ]
والنفس راغبة إذا رغّبتها وإذا تردّ إلى قليل تقنع
٥٣٠ - ويقال:
العبد حرّ إذا قنع والحرّ عبد إذا طمع
٥٣١ - منصور الفقيه المقرئ:
إذا القوت تأتّى ل ـك والصّحة والأمن
وأصبحت أخا حزن فلا فارقك الحزن
٥٣٢ - وقيل: سأل عبد الملك بن مروان الهيثم بن الأسود (١): [ما] (٢) مالك؟ فقال: القوام من العيش، والغنى عن النّاس.
٥٣٣ - وقال بشر بن الحارث: خرج فتى في طلب الرّزق فبينما هو يمشي إذ أعيا، فأوى إلى خراب يستريح فيه، فبينما هو يدير بصره، إذا وقعت عينه على بناء فيه كتاب:
إنّي رأيتك قاعدا مستقبلي فعلمت أنّك للهموم قرين
هوّن عليك وكن بربّك واثقا وأخو التّوكّل شأنه التّهوين
_________________
(١) مجاهدا، فشهد فتحها وعاد يحمل البشرى فلما كان بمصر مات فيها سنة ٢٧. الأعلام.
(٢) المستطرف (٩٤) والبيت معزو فيه للكندي.
(٣) ديوانه صفحة ١٦٧، وزهر الآداب ٣/ ٢٤٢.
(٤) تهذيب الكمال ٣٠/ ٣٦٣، وجاء في حلية الأولياء ٣/ ٢٣٢، وعيون الأخبار ٢/ ٣٦٠: قيل لأبي حازم: ما مالك؟ فقال: الثقة بما في يد الله، واليأس مما في أيدي الناس.
(٥) الهيثم بن الأسود النخعي خطيب شاعر، من ذوي الشرف والمكانة في الكوفة، من المعمرين، أدرك عليا، ظلّ الهيثم مواليا لعبد الملك بن مروان معروفا في الكوفة بطاعته للمروانيين، لما قام عبد الله بن الزبير بثورته وأرسل أخاه مصعبا أميرا على العراق. غزا القسطنطينية سنة (٩٨) مع مسلمة ومات نحو سنة (١٠٠) للهجرة. الأعلام.
(٦) ما بين معقوفين مستدرك من تهذيب الكمال.
(٧) البصائر والذخائر المجلد الثالث/٦٤١، والهفوات النادرة (١٣٨)، والمستطرف ٩٤.
[ ٢١٠ ]
طرح الأذى عن نفسه في رزقه (١) لما تيقّن أنّه مضمون
قال: فرجع الفتى إلى منزله، وقال: اللهمّ، أدّبنا أنت.
٥٣٤ - وقال أبو حازم: ثلاث من كنّ فيه كمل عقله: من عرف نفسه، وملك لسانه، وقنع بما رزقه ربّه.
٥٣٥ - ومن أمثال التّرك: انتقم من الحرص بالقناعة كما تنتقم من العدوّ بالقصاص.
٥٣٦ - ووجد في كتاب لجعفر بن يحيى أربعة أسطر مكتوبة بالذهب:
الرّزق مقسوم، والحريص محروم، والحسود مغموم (٢).
٥٣٧ - وقال سعيد بن المسيّب: من استغنى بالله احتاج إليه الخلق.
٥٣٨ - وكان يقال: ما قلّ وكفى خير ممّا كثر وألهى.
٥٣٩ - وقال الحسن البصري: الحريص الجاهد، والقانع الزّاهد كلاهما مستوف أكله غير منتقص شيئا قدّر، فعلام التّهافت في النّار؟.
٥٤٠ - وقيل: ما استرقّ الرّجل بأمر يشبه الطّمع.
٥٤١ - وكان يقال: أصل العفاف القناعة، وثمرتها الأحزان.
٥٤٢ - وكان يقال: من قنع مات فقره، والّذي يقنط يموت وروحه في بدنه.
٥٤٣ - وقال بعض الحكماء: اليأس حرّ، والرّجاء عبد.
٥٤٤ - وقال: ما الحرص بأذهب بعقول الرّجال من الطّمع.
_________________
(١) في الأصل: طرح الأذى في نفسه عن زرقه. وما أثبتّه من مصادر الخبر.
(٢) كتب في الهامش ما نصّه: لعل الرابعة والأجل محتوم.
[ ٢١١ ]
٥٤٥ - وقال بعض الحكماء: الغنى والعزّ خرجا فلقيا القناعة فاستترا.
٥٤٦ - وقال مجاهد (١): كان يقال: عزّ المؤمن استغناؤه عن النّاس.
٥٤٧ - وقال إبراهيم بن أدهم (٢): لا تجعل بينك وبين الله منعما، واعدد النّعم منهم عليك مغرما.
٥٤٨ - وخطب يوما عمر بن الخطاب، فقال: أيّها الناس، من يئس من شيء استغنى عنه.
٥٤٩ - ويقال: الاستكثار من الدّنيا بعد البلغة هو الحرص.
٥٥٠ - ولبعضهم:
إذا كنت تأتي المرء تعرف حقّه ويجهل منك الحقّ فالتّرك أجمل
وفي الأرض منجاة، وفي الصّبر راحة وفي اليأس عمّن لا يوافيك مرحل (٣)
٥٥١ - وقيل: من رضي بالقليل من الرّزق، رضي منه بالقليل من العمل.
_________________
(١) مجاهد بن جبر، أبو الحجاج تابعي مفسر من أهل مكة، شيخ القراء والمفسرين، أخذ التفسير عن ابن عباس، قرأه عليه ثلاث مرات، يقف عند كل آية يسأله فيم نزلت، وكيف كانت؟ توفي سنة ١٠٤ للهجرة. الأعلام.
(٢) إبراهيم بن أدهم التميمي البلخي أبو إسحاق زاهد معروف، كان أبوه من أهل الغنى فتفقه ورحل إلى بغداد وجال في العراق والشام، وأخذ عن العلماء، وكان يعيش من العمل بالحصاد وحفظ البساتين والحمل والطحن، ويشترك مع الغزاة في قتال الروم، كان ينطق بالعربية الفصحى لا يلحن. توفي سنة ١٦١ للهجرة. الأعلام.
(٣) عيون الأخبار ٣/ ١٩.
(٤) رواية عيون الأخبار: وفي العيش منجاة وفي الهجر راحة وفي الأرض عمّن لا يؤاتيك مرحل وجاء في حاشيتة: «المرحل»: المكان الذي يرتحل إليه، ويحتمل أن يكون «مزجل» بالزاي، والمزجل: المكان الذي ينتقل إليه.
[ ٢١٢ ]
٥٥٢ - إنّي رأيت وفي الأيّام تجربة للصّبر عاقبة محمودة الأثر
وقل من جدّ في أمر يطالبه واستصحب الصّبر إلاّ فاز بالظّفر
****
_________________
(١) تقدم البيتان في الخبر ٣١٩، وانظر التعليق عليه.
[ ٢١٣ ]