١١٨ - وقيل: يتعزّى العاقل فيما ينزل به من المكروه بأمرين [الأول] منهما: السّرور بما يبقى له من الأجر، والآخر رجاء الفرج. ويجزع الجاهل فيما ينزل به لأمرين: خوف الشّماتة، وضيق الحال (٣). [ويخاف التقي] فيما ينزل به بأمرين [الأول] منهما: في مصيبته استكباره ما أتى به، والآخر خوف ما هو أشدّ منه.
١١٩ - وقيل: للمحن أوقات، ولأوقاتها غايات.
١٢٠ - عليّ بن الجهم:
هي النّفس ما حمّلتها تتحمّل وللدّهر أيام تجور وتعدل
_________________
(١) لم أهتد إلى ترجمته في المصادر التي بين يدي. والأبيات الأربعة الأول تنسب لعلي بن أبي طالب ﵁، انظر الديوان المنسوب إليه صفحة (٦).
(٢) طبّ: عالم. اللسان (طبب).
(٣) بعد كلمة الحال فراغ بقدر كلمتين. ولعلها تكون ما أضفته بين المعقوفين. وفي الفرج بعد الشدة ١/ ١٦٧. . . والجاهل يجزع في محنته بأمرين، أحدهما استكثار ما أدّى إليه، والآخر تخوّفه مما هو أشد منه.
(٤) تكملة الديوان صفحة (١٦٢).
[ ٥٢ ]
وعاقبة الصّبر الجميل جميلة وأفضل أخلاق الرّجال التّفضّل
ولا عار إن زالت عن المرء نعمة ولكنّ عارا (١) أن يزول التّجمّل
١٢١ - وقال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: إن صبرت جرت عليك المقادير وأنت مأجور، وإن جزعت جرت عليك المقادير وأنت مأزور.
١٢٢ - وعزّى رجل المهديّ (٢) عن ابنة له جزع عليها جزعا شديدا فقال:
يا أمير المؤمنين، ما عند الله خير (٣) لها مما عندك، وثواب الله خير لك منها.
وإنّ أولى ما يجب أن تصبر عليه ما لا تستطيع ردّه. فتعزّى عنها.
١٢٣ - وكان يقال: إنّكم ما تدركون ما تأملون إلاّ بالصّبر على ما تكرهون.
١٢٤ - وقال عبد الله بن ثابت (٤):
الصّبر من كرم الطّبيعة والمّنّ مفسدة الصّنيعه
والحرّ أمنع جانبا من ذروة الجبل المنيعه
_________________
(١) في الأصل عار.
(٢) التعازي صفحة ٦٧، شرح نهج البلاغة ١٩/ ١٩٢ (٢٩٧).
(٣) المهدي بن المنصور أبي جعفر الخليفة العباسي، أقام في الخلافة عشر سنين وشهرا، كان محمود العهد والسيرة، محببا إلى الرعية، حسن الخلق والخلق، جوادا، وكان يجلس للمظالم، قال عنه الذهبي: كان قصابا في الزنادقة، باحثا عنهم. الأعلام ٦/ ٢٢١، سير أعلام النبلاء ٧/ ٤٠٠.
(٤) في الأصل خيرا.
(٥) الأبيات منسوبة للإمام علي ﵁، انظر الديوان صفحة (٦٢)، والبيت الأول والثالث في العقد الفريد ٢/ ٣٠٥ من غير عزو، وجاء في الحاشية: في (آ) و(ي): وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. والبيت الأخير في الصداقة والصديق (٤٥) من غير عزو.
(٦) عبد الله بن ثابت القاضي المقرئ سكن بغداد، ومات بالرملة (٣٠٨) هـ تاريخ بغداد ٩/ ٤٢٦، وتاريخ دمشق جزء عبادة بن أوفى ٤٦٩.
[ ٥٣ ]
ترك التعاهد للصّدي ق يجرّ أسباب القطيعه
١٢٥ - وقيل: لن يبلغ المرء ما يأمل إلاّ بالصّبر على ما يكره.
١٢٦ - وقال المدائني (١) أخبرني شيخ من أهل البصرة، قال: شهدت امرأة من أهل البادية وبين يديها ابن يجود بنفسه، فلمّا خرجت نفسه، قامت إليه فغمّضت عينيه وعصّبته، وترّحمت عليه، ثمّ تنحّت عنه، وقالت:
يا بني (٢)، ما أحقّ من ألبس النّعمة، وأطيلت له النّظرة ألاّ يعجز عن التوفيق (٣) لنفسه، والاستعداد ليوم ظعنه قبل نزول الموت بعقوته (٤)، وحلوله بساحته وقبل أن يحال بينه وبين نفسه، فيندم حين لا تنفعه النّدامة.
قال: وقال لها رجل من حيّها: إنّا كنّا نسمع أنّ الجزع للنّساء، ورأيتك قد حسن صبرك عن ابنك، وما أشبهت النّساء. فقالت: ما ميّز مميّز بين صبر وجزع إلاّ رأى بينهما منهجين متفاوتين، أمّا الصّبر فحسن العلانية، محمود العاقبة؛ وأمّا الجزع فغير معوض صاحبه عوضا مع الذي يكسبه من المأثم، ولو كانا رجلين في الصّورة لكان الصّبر أولاهما بغلبة في حسن الصّورة وكرم الطّبيعة لما في عاجله من الزّين، وفي آجله من الثّواب.
_________________
(١) كتاب التعازي ٦٥، و٦٦. والخبر بالمطبوع خبران لكل منهما سنده، وهو بنحوه في العقد الفريد ٣/ ٢٤٣، والأمالي ٢/ ٢٧٨.
(٢) المدائني علي بن محمد بن عبد الله أبو الحسن، كان عالما بأيام الناس كثير التصانيف صدوقا، صام ثلاثين سنة متتابعة، وهو بصري، انتقل إلى المدائن فنسب إليها، قال ابن تغري بردي: وتاريخه أحسن التواريخ، وعنه أخذ الناس تواريخهم، توفي بمكة سنة (٢٢٤) هـ الأنساب ١١/ ١٩٦. الأعلام.
(٣) في كتاب التعازي: يا أبان. وهو أبان بن تغلب راوي الخبر الذي وقف على المرأة وفي الأمالي: يا ابن أخي.
(٤) في الأمالي: التّوثّق من نفسه.
(٥) عقوته: ما حول داره، ومحلّته. القاموس (عقو).
[ ٥٤ ]
١٢٧ - وقيل: عدّة المكروه عدّتان: الصّبر على ما لا يدفع مثله إلاّ بالصبر. والصّبر على ما لا يجدي عليه الجزع.
١٢٨ - عثمان بن عفان ﵁:
خليليّ لا والله ما من ملمّة تدوم على حيّ وإن هي جلّت
فإن نزلت يوما فلا تخضعن لها ولا تكثر الشّكوى إذا النّعل زلّت
١٢٩ - وقال الأصمعيّ: رأيت امرأة تتبع ميتا على شرجع (١) وهي تقول:
رحمك الله يا هيثم، فلقد كان مالك لغيرك، وأمرك لغير عرسك (٢)، وكنت كما قال الشاعر:
رحيب ذراع بالذي لا يشينه وإن كانت الفحشاء ضاق بها ذرعا (٣)
فقلت: يا أمّ الهيثم، هل لك من الهيثم خلف؟ وأنا أعني ولد.
فقالت: نعم، ثواب الله، وهو أجلّ العوض وأحسن الخلف.
١٣٠ - وقيل: انتظار الفرج بالصّبر عبادة.
١٣١ - ونظر رجل إلى روح بن قبيصة بباب المنصور، فقال له: قد طال وقوفك في الشّمس. قال: ليطول جلوسي في الظّلّ.
_________________
(١) الفرج بعد الشدة ٥/ ٦، وتنسب الأبيات للإمام علي ﵁، انظر الديوان صفحة (٢٩) والبيت الأول في شعب الإيمان ٧/ ٢٢٥ (١٠٠٩٦) لعلي بن محمد البيكندي، وهما في حل العقال ١٢٨ لعثمان بن عفان وانظر الخبر ٢٦٨ صفحة ١١١ من كتابنا هذا.
(٢) كتاب التعازي والمراثي ٢٣٥،٢٣٦، عيون الأخبار ٢/ ٣١٦، العقد الفريد ٣/ ٢٤٣، الأمالي ٢/ ٢٧٨.
(٣) الشّرجع: السرير يحمل عليه الميّت. اللسان (شرجع).
(٤) في عيون الأخبار: والله ما كان مالك لعرسك، ولا همّك لنفسك. وفي العقد الفريد: والله ما كان ماله لبطنه، ولا أمره لعرسه.
(٥) البيت في الصداقة والصديق ٣٠٣ لقس بن ساعدة.
[ ٥٥ ]
١٣٢ - وحكي عن زوجة فتح الموصلي (١) بأنّها عثرت، فانقطع ظفرها فضحكت. فقيل لها: ويحك، أما تجدين ألم الوجع، وأنت تضحكين؟ فقالت: إنّ لذّة الثّواب أزالت عنيّ مرارة الوجع. ﵂.
١٣٣ - عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه:
إنّي أقول لنفسي وهي ضيّقة وقد أناخ عليها الدّهر بالعجب
صبرا على شدّة الأيام إنّ لها عقبى وما الصّبر إلاّ عند ذي حسب
سيفتح الله عن قرب يعقّبه (٢) فيها لمثلك راحات من التّعب
١٣٤ - وقيل:
إذا ما عرى خطب من الدّهر فاصطبر فإنّ الليالي بالخطوب حوامل
وكلّ الذي يأتي به الدّهر زائل سريعا فلا تجزع لما هو زائل
١٣٥ - حدّث بعض تجّار المدينة قال: كنت أختلف إلى جعفر بن محمد (٣) و[كنت] (٤) له خليطا، وكان يعرفني بحسن الحال. فتغيّرت
_________________
(١) ذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة ٤/ ١٩١ عن فتح الموصلي قال: مرت بي امرأة متعبدة يقال لها موافقة. . . .
(٢) فتح الموصلي أحد الأولياء العباد، له أحوال ومقامات، وقدم راسخة في التقوى، مات سنة ٢٢٠، وهو من أقران بشر الحافي. تاريخ بغداد ١٢/ ٣٨١.
(٣) الديوان ٢٥، الفرج بعد الشدة ٥/ ٦.
(٤) كذا في الأصل، ولعلها بعافية، وفي الديوان: بنافعة.
(٥) تنسب للإمام علي ﵁، انظر الديوان صفحة (٧٧).
(٦) الفرج بعد الشدة لابن أبي الدنيا ١٢٨ والأبيات منسوبة لجعفر، وفي شعب الإيمان ٧/ ٢٠٧ (١٠٠١٧)، منسوبة للإمام علي ﵁، انظر الديوان صفحة (٧٧) وفي الفرج بعد الشدة ١/ ٢٩٦ نسب هذا الشعر إلى الحسين بن علي ﵄، وفي المستطرف صفحة (٩٥) الأبيات من غير عزو. وهي في ديوان محمود الوراق صفحة ٢٣٣.
(٧) جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين ريحانة النبي ﷺ وسبطه ومحبوبه ابن علي أمير المؤمنين، من جلّة علماء المدينة، لقب بالصادق لصدقه، وفضله أشهر من أن يذكر، توفي في المدينة سنة (١٤٨) وفيات الأعيان ١/ ٣٢٧، سير أعلام النبلاء ٦/ ٢٥٥ وفي الأصل: جعفر أبو محمد.
(٨) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، مستدرك من الفرج بعد الشدة ١/ ٢٩٥.
[ ٥٦ ]
حالي، فأتيته أشكو إليه سوء حالي، فرقّ لي، ثم أنشدني:
ولا تجزع وإن أعسرت يوما فقد أيسرت في الزّمن الطّويل
ولا تيأس فإنّ اليأس كفر لعلّ الله يغني عن قليل
ولا تظنن بربّك ظنّ سوء فإنّ الله أولى بالجميل
قال: فخرجت من عنده وأنا أغنى النّاس.
١٣٦ - وقيل: إن وزيرا لملك نفاه لموجدة وجدها عليه، فاغتمّ لذلك غمّا شديدا، فبينما هو ذات ليلة في مسيره إذ لقيه رجل، فأنشده:
أحسن الظّنّ بربّ عوّدك حسنا أمس وسوّى أودك
إنّ ربّا كان يكفيك الذي كان منك الأمس يكفيك غدك
١٣٧ - وقيل: ما من مصيبة إلاّ ومعها أعظم منها: إن جزعت فالوزر، وإن صبرت فالأجر.
١٣٨ - وقيل: ثمرة القناعة الرّاحة، وثمرة التّواضع المحبّة، وثمرة الصّبر الظّفر.
١٣٩ - أما والذي لا خلد إلاّ لوجهه ومن ليس في العزّ المبين له كفو
لئن كان طعم الصّبر مرّ مذاقه لقد يجتنى من غبّه (١) الثّمر الحلو
_________________
(١) شعب الإيمان ٧/ ٢٠٨ (١٠٠٢٠). الفرج بعد الشدة:١/ ٢٧٥، والبيتان في أحسن ما سمعت (٢٢).
(٢) المستطرف ٣١١ مع اختلاف بالرواية، حل العقال ٤٣.
(٣) الغب: عاقبة الشيء. القاموس (غبّ).
[ ٥٧ ]
١٤٠ - وكان ابن المقفّع (١) يقول: إذا نزل بك أمر مكروه إن كان لك حيلة فلا تجزع، وإن كان ممّا لا حيلة فيه فلا تجزع.
١٤١ - لا تجزعنّ لصرف حادثة حكمت عليك به يد الدّهر
واصبر إذا نابتك نائبة فالصّبر خير عواقب الأمر
١٤٢ - وقال بعض الحكماء: من شكا ضرّا نزل، فإنّما يكشو الله.
١٤٣ - وقال الحسن البصري: وجدت خير الدّنيا والآخرة صبر ساعة.
١٤٤ - وقال بعض الحكماء: بالصّبر على ما تكره تنال ما تحبّ، وبالصّبر عمّا تحبّ تنجو ممّا تكره.
١٤٥ - فلا جزع إن راب دهر بصرفه وبدّل حال فالخطوب كذلك
فما العيش إلاّ مدّة ثم تنقضي وما المال إلاّ هالك في الهوالك
١٤٦ - واعتلّ ذو الرّيا ستين (٢) بخراسان مدّة طويلة، ثم أبلّ واستقلّ، وجلس للنّاس، فدخلوا عليه وهنّوه بالعافية فأنصت لهم حتى انقضى كلامهم، ثم اندفع فقال: إنّ في العلل نعما لا ينبغي للعقلاء أن يجهلوها منها: تمحيص للذّنب، وتعريض (٣) للثّواب ثواب الصبر،
_________________
(١) الخبر في أمالي المرتضى ١/ ١٣٦ ونصّه: «إذا نزل بك أمر مهم فانظر، فإن كان ممّا له حيلة فلا تعجز، وإن كان مما لا حيلة فيه فلا تجزع».
(٢) عبد الله بن المقفّع، من أئمة الكتاب، وأول من عني في الإسلام بترجمة كتب المنطق، كان اسمه روزبه بن المبارك، فلما أسلم تسمّى بعبد الله، والمقفع لقب، اتهم بالزندقة فقتل في البصرة سنة (١٤٢) هـ الأعلام.
(٣) الفرج بعد الشدة ١/ ١٦٨.
(٤) وهو الفضل بن سهل. وقد تقدمت ترجمته في الصفحة (٤٥).
(٥) في الفرج بعد الشدّة: تعرّض.
[ ٥٨ ]
وإيقاظ (١) من الغفلة، وإذكار بالنّعمة في حال الصّحّة، واستدعاء للتوبة (٢)، وحضّ على الصّدقة، وفي قضاء الله وقدره يعدّ الخيار (٣). فانصرف النّاس بكلامه، ونسوا ما قال غيره.
****
_________________
(١) في الأصل: إيقاض.
(٢) في الفرج: واستدعاء للمثوبة.
(٣) في الفرج: وفي نظر الله ﷿ وقضائه الخيار.
[ ٥٩ ]