هو القسيم له أو في القسيم على نفي القسيم ولا ترديد في القسم
الترديد - عبارة عن أن يعلق المتكلم لفظة من كلامه بمعنى، ثم يرددها بعينها معلقة بمعنى آخر كقوله تعالى: (حتى نؤتى مثل (ما) أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته) فالجلالة الأولى مضاف إليها متعلقة بمعنى، والثانية مبتدأ بها متعلقة بمعنى آخر. ومثله قوله تعالى: (وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر) فليلة القدر الأولى مبتدأ عند الجمهور خبره (ما) الاستفهامية، قدم للزومه الصدر، وبالعكس عند سيبويه، وهي متعلقة بمعنى التعظيم، وليلة القدر الثانية مبتدأ خبرها ما بعدها، وهي متعلقة بمعنى الإخبار عنها بكونها خيرا من ألف شهر.
ومثلوا له من الشعر بقول الحسن بن هاني وهو أبو نواس:
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها لو مسها حجر مسته سراء
فقوله: مسها، مسته: ترديد.
والأحسن، التمثيل له بقول محمد بن هاني المغربي:
وقد أهبط الغيث غض الجميم غض الأسرة غض الندى
يعني أن المطر لكثرة وقوعه هدل الروض وأنزله، والجميم بالجيم: النبت الكثير، أو الناهض المنتشر، والأسرة هنا مستعارة من قولهم: لمعت أسرة وجهه؛ وهي الخطوط التي تجتمع في الجبهة وتتكسر.
ومثله قوله أيضًا:
ويأبى لك الذم طيب النجار وطيب الخلال وطيب الشيم
وقوله من أخرى:
أقول وقد شق أعلى السحاب وأعلى الهضاب وأعلى الربى
إذا الودق في مثل هذا الرباب وذا البرق في مثل هذا السنا
وقول بدّر الدين بن مخزوم:
عزيز قوم عزيز الجار والشرف عبد العزيز غدا يلقاه خير وفي
وقول بعضهم في سوداء:
ومسكية النشر مسكية ال عذارين مسكية المنظر
تثنى وقامتها للقضيب وتنظر واللحظ للجؤذر
وأحسبها في خلال الحديث تنثر عقدا من الجوهر
فكل من هذه الألفاظ المرددة في هذه الأبيات تتعلق في كل موضع بمعنى غير الآخر، والفرق بين هذا النوع وبين التكرار: أن اللفظة التي تتكرر ولا تفيد معنى زائدا غير معنى الأولى هي التكرار، واللفظة التي تردد فتفيد بمتعلقها معنى آخر غير معنى الأولى هي الترديد.
قال الشيخ صفي الدين الحلي في شرح بديعيته: وإن اتفق للشاعر توجيه اللفظة المرددة واشتراكها بمعنى آخر كان أبلغ. انتهى.
قلت: ولا يخفى أنه حينئذ يكون من باب الجناس التام.
ومثاله قول الشيخ الإمام عز الدين بن أبي الحديد في إحدى علوياته:
[ ١ / ٢٥٧ ]
إمام هدى بالقرص آثر فاقتضى له القرص رد القرص أبيض أزهرا
فلفظة القرص في أول البيت مراد بها قرص الشعير الذي آثر به المسكين، والأسير، واليتيم. وفي آخره: قرص الشمس في ردها له.
ومنه قول بعضهم في وصف كتاب:
كتاب كوشي الروض حظت سطوره يد ابن هلال عن فم ابن هلال
أراد بابن هلال الأول: أبا الحسن علي بن هلال، المعروف بابن البواب الكاتب المشهور، قال ابن خلكان: لم يوجد في المتقدمين ولا المتأخرين من كتب مثله، ولا قاربه. وبابن هلال الثاني: أبا إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي، صاحب الرسائل المشهورة والنظم البديع. وعلى ذلك بنى فحول أرباب البديعيات أبياتهم.
فبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي (ره) قوله:
له السلام من الله السلام وفي دار السلام تراه شافع الأمم
السلام الأول: من التسليم، والثاني: من أسمائه تعالى، والثالث: بمعنى السلامة، سميت الجنة بذلك، لأن الصائر إليها يسلم من كل آفة وغير ذلك.
ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
له الجميل من الرب الجميل على الوجه الجميل بترديد من النعم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
أبدى البديع له الوصف البديع وفي نظم البديع حلا ترديده بفمي
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
هو الجواد رسول للجواد بمض مار الجواد له الترديد بالنعم
الجواد الأول بمعنى السخي، والثاني: من أسمائه تعالى، والثالث: الفرس الرائع، ولكن انظر، ما معنى قوله: بمضمار الجواد؟ فإني لا أرى له هنا معنى.
وبيت بديعيتي هو قولي:
هو القسيم له أو في القسيم على نفي القسيم ولا ترديد في القسم
القسيم الأول بمعنى الجميل - من القسامة وهو الحسن - والثاني بمعنى القسم بالكسرة وهو النصيب - نص عليه في القاموس -، والثالث بمعنى المقاسم. والمعنى: أن له أوفى النصيب من كل فضل وشرف، مع نفي المقاسم له في ذلك. وقولي: ولا ترديد في القسم: تذييل، والمعنى: أن القسم مقضية قضاء فصل لا ترديد فيها.
وبيت بديعية شرف الدين المقري قوله:
جلت فتوحا وجلت معشرا كفرا طردا وجلت دياجي الأعصر الدهم
هذا البيت غير صالح للتجريد لتعلق معناه ببيت العكس قبله، والضمير في جلت عائد إلى الظبا في البيت المذكور. والترديد في لفظة جلت، فالأولى بمعنى عظمت، والثانية بمعنى أخرجت من الجلاء وهو الخروج من البلد - والثالثة بمعنى كشفت، يقال: جلى الشيء أي كشفه، ومنه جلى الصبح الظلام.