كان في أيام الرشيد على ديوان الخراج، ثم كتب للمعتصم قبل خلافته، وتولى أخذ البيعة له عند وفاة المأمون، والمعتصم إذ ذاك غاز معه، وكان الفضل في ذلك الوقت خليفةً على بغداد للمأمون، فأعطى الجند رزق أربعة أشهر، ثم ورد المعتصم يوم السبت مستهل رمضان سنة ثمان عشرة ومائتين، فاستوزره يوم وروده، ورد الأمر كله إليه، فغلب عليه لتربيته إياه.
ولما ظهر بين إبراهيم بن المهدي والفضل بن مروان من العداوة ما ظهر، قصده العباس وعلي ابنا المأمون، وعبد الوهاب بن علي، وأعلموه أنهم قد علموا على ذكر مساوئ الفضل للمعتصم، وسألوه معاونتهم والشهادة بتصديقهم، فلم يستوف كلامهم ولا أجابهم، حتى جاءهم رسول المعتصم فطلبهم، فساروا إليه، فابتدأ العباس بكل قبيح، وتكلم عبد الوهاب وعلي بأقبح وأشنع منه، وأقبل علي بن المأمون على إبراهيم، فقال له: مالك يا عم لا تتكلم، وما أحد ركبه الفضل بأكثر مما ركبك به؟ فقال له إبراهيم: ليس كل ما ركبني به الفضل يعرف، وإن أياديه السود عندي لكثيرة، إلا أن مجالس الملوك لا يغضب فيها لغيرها.. ثم أقبل على المعتصم فقال له: يا أمير المؤمنين قد رفعت الفضل إلى مرتبة لم ترفع الخلفاء
[ ١٣٠ ]
إليها أحدًا، ولا تكون محطته إلا لإحدى ثلاث خصال: إما خيانة في نفس المملكة، وإما خيانة في حرمة، وإما خيانة في نفسه بإفشاء سر يعود بضرر، ولا يعتقد الفضل ذنبًا يعادي به بني العباس، فيحاول نقل الخلافة منهم إلى غيرهم، فقد سلم من الخيانة في المملكة، وليس الفضل بمستهتر يجرم نفسه بإفشاء سر يعود منه ضرر وهو آمن منه، لأن المعروف منه أن يؤثر دنيا أمير المؤمنين على دنيا نفسه وعلى آخرته أيضًا؛ فقال علي بن المأمون: فقد ظهرت خيانة الفضل في الأموال! فقال إبراهيم: ليس من خان أمير المؤمنين مالًا يعد عدوًا، لأن الناس كلهم إلا من عصم الله يرغبون في الأموال، ويقوى بها على خدمة السلطان، ومن بلغ منزلة الفضل لم يسأ به الظن! فاستحسن المعتصم ما كان من إبراهيم وشكره له الفضل بن مروان، وندم على ما كان أسلفه من المكروه.
قول إبراهيم بن المهدي: لا تكون محطته إلا لإحدى ثلاث خصال من قول المأمون: يحتمل الملوك كل شيء إلا ثلاثة: القدح في الملك وإفشاء السر والتعرض للحرم.
ثم اتصلت مطالبة الفضل والسعاية به، وقيل للمعتصم: إنه يفعل وأنت خليفة كما كان يفعل وأنت أمير، لا يهابك! فنكبه، وكان يقول: عصى الله وأطاعني فسلطني الله عليه؛ ومما قيل في نكبته:
[ ١٣١ ]
لا تغبطنّ أخا الدنيا بمقدرةٍ فيها وإن كان ذا عزٍ وسلطان
يكفيك من غير الأيّام ما صنعت حوادث الدهر بالفضل بن مروان
إنّ الليالي لم تحسن إلى أحدٍ إلاّ أساءت إليه بعد إحسان
والعيش حلوٌ ومرٌّ لا بقاء له جميع ما الناس فيه زائلٌ فان
وندم المعتصم على عزله، فكان يقول: إذا نصر الهوى بطل الرأي! وترك أمواله لم ينفق منها شيئًا، وقال: لا أستحلها! ثم استقل بعد ذلك وتصرف للواثق والمتوكل وغيرهما، وكان ابن الزيات يعاديه، فوقف يومًا في وزارته الواثق على باب ديوان الخراج، ودعا بالفضل وقال له: إن أمير المؤمنين يقول: يا بن الفاعلة لأسفكن دمك، وآخذن مالك! قال: وأمرك بسماع الجواب؟ قال له: لا، ولكن قله! قال: لا.. ثم انصرف، وأمر ونهى ما تبين منه شيء، ثم بكر إلى دار الخلافة، فحجب، وفعل فعله بالأمس كذلك ثلاثة أيام، ثم أُدخل بعد إلى الواثق، فبكى وقال: الله في دمي وقد بلغت السبعين، وما ذنبي غير حبي للمعتصم وغلمانه، فضلًا عن ولده! ومالك ول جمعه غيري، فقد سقطت هيبتي عمن يحمله إلي، فإن ابن الزيات قال كذا وكذا، قال له: أو كلمك به على رؤوس الناس؟ قال: نعم! قال: والله لأدفعنه إليك فتستصفي ماله! فانصرف الفضل إلى مكانه ما ظهر عليه شيء من السرور. وكان
[ ١٣٢ ]
الفضل عاقلًا داهيًا جزلا، يذكر عنه أنه ما ظهر عليه سرور بفرح قط ولا حزن بمصيبة.
وتلاحى هو وأحمد بن المدبر يومًا بين يدي المتوكل قال الصولي: وكان الخلفاء لا ينكرون تنازع الكتاب بين أيديهم وابن المدبر يلي في ذلك الوقت أمر دار المتوكل كله، المطابخ والفرش وغير ذلك، وفي المجلس مرفقة قد جعلت لأمر ولم ترفع، فضرب الفضل بيده على المرفقة ضربًا شديدًا، فقام منها غبار كثير، فقال له أحمد: أتغبر بين يدي أمير المؤمنين؟ أما لك أدب! أما خدمت الملوك! فضحك الفضل وقال: من خدمتي للملوك فعلت هذا، ليرى أمير المؤمنين قلة كفايتك في فرشه، وأنك لا تهتم بنفضها، ويعلم كيف يكون فيما يبعد عنه، ولولا خوفي من سوء الأدب حقًا لضربت البساط فيرى ما هو أعظم من هذا! فبهت أحمد، وجعل يعتذر، فما مضت إلا أيام حتى عزل عن الدار.