كتب للقاسم بن عبيد الله هو والعباس بن الحسن، وأشار القاسم وهو في آخر علته على المكتفي باستكتاب أحدهما، فقدم العباس للوزارة، وكان علي زاهدًا متواضعًا حافظًا للقرآن، عالمًا بمعانيه وإعرابه، وله في ذلك تأليف، وقد حمل عن أبيه الحديث، وله بلاغات لا تعرف لغيره من الكتاب، ثم وزر للمقتدر غير مرة في أول خلافته وآخرها، ولم يكن يهوى ذلك، بل كان يحب الاعتزال، ويقول: ما كنت أحتسب بمقامي في هذا الأمر إلا أني مجاهد في سبيل الله، خوفًا من فتنة لا تبقي ولا تذر.
ولما ضبط أمر الملك، ومنع الأيدي من الظلم، اشتد ذلك على من اعتاده، فطولب ولم يعبه أعداؤه بشيء سوى قولهم: إن شغله بمحقرات الأمور تشغله عن جليلها، لأن زمانه لا يفي بذلك؛ إلى أن صرف وحبس حبسًا كريهًا، فكتب في نكبته عدة مصاحف، وكان يحمل في وزارته إلى بيت المال ما يرد عليه مما
[ ١٨٦ ]
كان الوزراء قبله يرتفقون به؛ فقال المقتدر: قد استحييت من الله في مال علي ابن عيسى، فإني أخذته ظلمًا، وأحاله به على مال مصر، فاشترى به ضياعًا ووقفها على مكة والمدينة.
ولما استقدم من مكة بعد إخراجه إليها، والوزير إذ ذاك أبو علي محمد ابن عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وقد تبين عجزه، خلع عليه وقدم للوزارة، وأُمر بالقبض على محمد وابنيه عبيد الله وعبد الواحد، وكانوا قد ركبوا إلى دار الخلافة ووعدوا أن يسلم إليهم فسلموا إليه، فأطلق عبد الواحد وقال: إنه مظلوم؛ وعامل محمدًا وعبيد الله أحسن معاملة، ورفق بهما، وكانا قد أرادا قتله في طريق مكة، فلم يمكنهما فيه حيلة.
ورفع إليه أن رجلًا من جلساء عبيد الله قال: إن علي بن أبي طالب قتل، فمن علي بن عيسى حتى لا يقتل! فما زاد علي أن قال: أما اتقى الله ولا خافه!! ثم كان يقضي حوائج ذلك الرجل ويثني عليه؛ فلما جلس للناس ورأى تكاثرهم تمثل:
ما الناس إلاّ مع الدنيا وصاحبها فكيفما انقلبت يومًا به انقلبوا
يعظّمون أخا الدنيا فإن وثبت يومًا عليه بما لا يشتهي وثبوا
[ ١٨٧ ]
وكان علي بن بسام قد هجاه لما نفي إلى مكة، فلما ردت إليه الوزارة جلس يومًا للمظالم فمرت به في جملة القصص رقعة مكتوب فيها:
وافى ابن عيسى وكنت أضغنه أشدّ شيءٍ عليّ أهونه
ما قدّر الله ليس يدفعه وما سواه فليس يمكنه
فقال علي بن عيسى، صدق هذا ابن بسام، والله لا ناله مني مكروه أبدًا.
وأنشد الصولي مما هجي به علي بن عيسى في نكبته:
أيّامكم يا بني الجرّاح قد جرحت كلّ القلوب ففيها منكم نار
لا متّع الله بالإقبال دولتكم فإنّ إقبالكم للنّاس إدبار
وذكر أنه استشير بعد عزله في حامد بن العباس فقال: حاذق بالعمل لا يصلح للوزارة! فقيل له: قدم! فقال: بارك الله لأمير المؤمنين فيما أمضاه! ثم عزم عليه أن يتقلدها فأبى، لما نصح فيها، فلم ينفعه ذلك، فقيل له: فاخرج تعاون حامدًا، فيكون له الاسم ولك العمل! فأجاب بعد امتناع طويل. وقيل لحامد: إنا جعلنا علي بن عيسى عونًا لك، فشكر ذلك، وذكره بخير، ومشى أمر المملكة على هذا خمسة أعوام في حسن سيرة وإنصاف من ظالم، وعلي
[ ١٨٨ ]
ابن عيسى يدبر ذلك كله. وطمع حامد في الاستبداد، وتضمن عليًا بمال عظيم فلم يقدر على ذلك.