لما قبض المعتضد على أبي الصقر استتر علي هذا وأخوه أحمد وكانا من كتابه ومتقدمين في الأعمال، ثم ظفر بهما وحبسا، ودعا بعلي منهما يومًا عبيد الله ابن سليمان، فجيء به وهو مقيد وعليه جبة دنسة، فقال: الله الله أيها
[ ١٨٠ ]
الوزير! وجعل يشكو ما لحقه وأخاه، فهدأه وسكنه، وأمره بالجلوس، فلما زال عنه الروع أخذ معه في أمر العمل وما يحتاج إليه، فاتصل كلامه وانبسط في ذكر الأموال والعمال انبساط رجل جالس في الصدر، وجعل يقول: ناحية كذا مبلغ مالها كذا، وهي كذا، وعاملها فلان من حاله كذا، وناحية كذا عاملها فلان ينبغي أن يشد بمشرف أو شريك، حتى أتى على الآفاق.. فتهلل وجه عبيد الله وقال له: اعتزل واعمل عملًا بما قلت به! فاعتزل علي ومعه أحد الكتاب، فأملى عليه ما طلب وجاء بالعمل، ثم كلم الوزير في أمره وأمر أخيه، فأمر بحل قيودهما والتوسعة عليهما، وقال لهما: لن يبعد خلاصكما، وأنا أسأل المعتضد في أمركما، ارجعا إلى موضعكما، والتفت إلى من حضر فقال: أرأيتم مثل هذا الفتى قط يعني ابن الفرات والله لا فارقت الأمير أو استوهبهما منه، فإني أعلم أن الملك لا يقوم إلا بهما، فأطلقهما بعد أيام واستعملهما.
ويقال إن عبيد الله قيل له: إن أردت أن يتمشى أمرك فأطلق ابني الفرات واستعن بهما؛ فنهض إلى المعتضد وأعلمه أن هؤلاء القوم قد داسوا الدنيا وعلموا أعمالها، قال: وكيف تصلح لنا نياتهم، وقد نكبناهم؟ فقال: إذا رددت ضياعهم واستخلصتهم صلحوا! فقال: إنهم غير مأمونين في السعي عليك والإفساد بيني وبينك، وأمرهم إليك؛ فخرج وأحضر أحمد بن محمد، فأدناه وآنسه،
[ ١٨١ ]
وقال له: قد استوهبتك من المعتضد لأستعين بك، وقص عليه القصة، فقال: يتقدم الوزير بإحضار الطائي وعلي بن محمد أخي؛ فقال: افعل، فأحضرهما فأخذ دواة، واعتزل بهما، فلم يزل هو وأخوه يناظران الطائي على ضمان الكوفة وسوادها وما يتصل بها، وعلى أن يحمل من مالها كل شهر ستين ألف درهم، وفي كل يوم سبعة آلاف دينار، ففعل ذلك وضمناه، وأخذا خطه وجاءا به إلى عبيد الله فسره، وكان ذلك سبب ارتقائهما إلى أن ولي علي منهما وزارة المقتدر ثلاث مرات بعد نكبات عظيمة. ولما جلس للمظالم في وزارته الثانية رميت إليه رقعة فيها:
أبا حسنٍ عزاءً وأحتسابا إذا سهمٌ من الحدثان صابا
فإنّ الله يأخذ ثم يعطي وإن أخذ الذي أعطى أثابا