لما قتل طاهر بن الحسين علي بن عيسى بن ماهان في خروجه إليه من بغداد، دعا بكاتبه ليكتب إلى الفضل بن سهل بخبره، فلم يكن في الكاتب فضل من إفراط الجزع وشدة الزمع، مما شاهده، فكتب طاهر بيده إلى الفضل، وكان من عادته أن يخاطبه بالإمارة، فأسقط ذلك وكتب إليه: أطال الله بقاءك، وكبت أعداءك، وجعل من يشنؤك فداءك، كتبت إليك ورأس علي ابن عيسى بين يدي وخاتمه في اصبعي، وعسكره تحت يدي، والحمد لله رب العالمين.
ثم لما نظر بالأمين وأنفذ رأسه إلى المأمون، قال الفضل بن سهل: ما فعل بنا طاهر! سل علينا سيوف الناس وألسنتهم، أمرناه أن يبعث به إلينا أسيرًا، فبعث به عقيرًا.
وكان لطاهر كاتب يعرف بعيسى بن عبد الرحمن، فأنفذه إلى الفضل بن
[ ١٢٢ ]
سهل يظهر الإعتذار إليه، ويتشفى بمخاطبته إياه، وطاهر مقيم بالجزيرة والفضل بخراسان، وقد كان الشغب الذي حدث بينهما ظاهرًا، فورد عسكر المأمون بمرو، وكثير ممن بها من الوجوه عاتب على الفضل، فحضره وبحضرته عبد الله ابن مالك الخزاعي، وهو أشدهم عتبًا عليه، فكلمه بكلام كثير أغلظ له فيه، وعرض له بكل ما يكرهه، ثم قال له بعقبه: ولولا أني رسول مأمون ما قلت ما قلته! فقال له الفضل: أما خشيت في تحمل مثل هذه الرسالة القتل؟ فقال له عيسى: ما شككت في القتل، إلا أني ميلت بين أن آبى على صاحبها تحملها، وبين أن أقبلها، فرأيت أني إن لم تحملها عجل لي القتل، وحصل لي مذمة بمخالفته، وإن قبلتها كنت قد شكرت نعمته وأطعت أمره، وعشت بينه وبين الأمير أعزه الله المسافة التي قد عشتها، ثم لعلي أن أكون قد وردت من فضل الأمير وعفوه على ما أرجو ألا اُبعد عنه! فقال له الفضل: لو أطعت فيك النصحاء لأسترحت منك، ولم تك تكلمني في مجلس أمير المؤمنين ودار الخلافة بما كلمتني به، فقال له عيسى: وما رأى النصحاء أعز الله الأمير؟ فقال: أن كنت أضرب عنقك قبل أن تصل إلي، وأرد رأسك في مخلاة إلى صاحبك، فأكون قد قطعت يده ولسانه! فقال له عيسى: أنا يده ولسانه؟ والله لو أن صاحبي أخرج يده من مضربه لوجد حوله سبعين بل سبع مائة بل سبعة آلاف كلهم
[ ١٢٣ ]
أغنى وأجزى وأكفى مني، ومن أنا فيمن عضده الله تعالى به، وأعطاه من كفاته؟ فبلغ هذا الكلام من الفضل كل مبلغ، وقام مغضبًا.. فوجه عبد الله بن مالك الخزاعي إلى عيسى أن مسيري إليك لو كان يستتر لسرت إليك، ولكني أُحب أن تسير إلي، فسار إليه، فلما رآه قال له: إني أردت إتيانك لشيء أُحب فعله، قال: فليقل الأمير ما أحب! فنهض إليه وقبل بين عينيه، وقال: شفيتني من العلج في كل ما كلمته به، ولكن الذي غاظه وبلغ منه غاية المساءة آخر كلامك!.. ثم انصرف مكرمًا.
وكان الفضل مهيبًا حليما، وقال لبعض من استحجبه: إنك قد صرت حاجبي وتسمع مني السر والعلانية، وربما ذكرت الرجل واسأت ذكره، فلا يؤثرن ذلك فيك، ولا تتغيرن له، فلعل ذلك غاية عقوبتنا إياه.