كتب للفضل بن مروان، ثم وزر للمتوكل بعد ابن الزيات، وكان يسمع الفضل يقول: نجاح بن سلمة أشد الناس إقدامًا على إهلاك الأموال! فلما ولي خافه نجاح، فاعتذر إليه يومًا من شيء بلغه فقال له الجرجرائي:
إن من الإخوان من ودّه آلٌ على ديمومةٍ يلمع
يخاله الظمآن ماءً ولا ماء به من ظمإٍ ينقع
[ ١٥٢ ]
وأنت منهم غير شك فلا ترجع عن غيٍّ ولا تقلع
ولم يزل نجاح يطالبه حتى عزل، وأسلم إليه ليحاسبه، فكتب إلى صديق له: أنا مع أمير المؤمنين وتسليمه إياي لنجاح كما قال أبو تمام:
رأيتك من محبّك ذا بعاد وممن لا يحبك ذا دنوّ
ومع نجاح كما قال في البيت الآخر:
وحسبك حسرةً لك من صديقٍ يكون زمامه بيدي عدوّ
وكتب إلى المتوكل:
يا ملكًا أملك بي منّي اصفح فدتك النفس لي عنّي
والله ما خنتك في حالةٍ عالم ما أُبدي وما أُكني
ففيم سلّمت إلى حاسدٍ منيته راحته منّي
فأمر المتوكل أن يصالح فيما كان يطالب به، تخفيفًا عنه، وكان صالح الرأي فيه. ويذكر أنه قال له قبل عزله: بلغني أنك تتشاغل بالغناء عن الأمور! فقال: ما أُنكر يا أمير المؤمنين أني أستعين بهزل على جد، وبراحة على تعب، وأما الإضاعة فلو لم أقض حقك وحق الله لقضيت حق نفسي فيما يلزمني من ذلك!
[ ١٥٣ ]
ثم كتب إليه أسماء جواريه العوامل، وعرضها عليه، فأبى أن يقبلهن، ووصله بعشرة آلاف دينار، ثم صرفه في تلك السنة.
وقال أبو محمد بن السيد البطليوسي في شرح قول ابن قتيبة: وأي موقف أخزى لصاحبه من موقف رجل من الكتاب قال ابن القوطية: هذا الرجل هو محمد بن الفضل وهذا غلط لأن محمد بن الفضل إنما وزر للمتوكل، وكان شاعرًا كاتبًا حلو الشمائل، عالمًا بالغناء.
وولي الوزارة أيضًا في أيام المستعين.