كتب للمعتصم ووزر له ولأبنه الواثق بعده خلافته كلها وأيامًا يسيرة من خلافة المتوكل، وهو أحد من رأس بعلمه وبيانه وبلاغته. ولما استقصر المعتصم
[ ١٣٣ ]
أحمد بن عمار المزاري، وسأله عن الكلأ فلم يعرفه، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! خليفة أُمي، وكاتب أُمي!! فعرف مكانة ابن الزيات من الأدب، فأمر بإدخاله عليه، وقال له: ما الكلأ؟ فأجابه بما هو مشهور عنه، فاستحسن المعتصم ذلك، وقال لأبن عمار: انظر في الدواوين والأعمال، وهذا يعرض علي الكتب، فلم ير اطراح ابن عمار لقصوره، ولا بخس ابن الزيات حق منظومه ومنثوره.
وحكي أن المعتصم شاور بعض خاصته في محمد بن عبد الملك الزيات، فأشار به، فعزم عليه، ثم ورد فتح بابك على المعتصم، فسر به وأحب أن ينشأ فيه كتاب يبقى ذكره، فأشار ابن أبي دواد عليه بتكليفه ابن الزيات، ففعل ذلك، فكتب فيه كتابًا مشهورًا، أبر فيه على كل نسخة عملت في ذلك الفتح، ثم قلده وزارته، وكان حاقدًا عليه قبل إفضاء الخلافة إليه، لقصة ذكرها ابن عبدوس، وهي أن المعتصم أمر محمد بن عبد الملك أن يعطي الواثق عشرة آلاف ألف درهم، يستعين بها على أموره ويصلح بها ما يحتاج إلى إصلاحه، فدافعه بذلك مدافعة متصلة، أحوجت الواثق إلى أن شكاه إلى المعتصم، فأنكر عليه تأخير المال عن
[ ١٣٤ ]
الواثق، فقال: يا أمير المؤمنين، العدل أولى بك وأشبه بعقلك، ولك عدة أولاد، أنت في أمرهم بين خلتين: إما أن تسوي بينهم في العطية فتجحف ببيت المال، وإما أن تخص بعضهم فتحيف على الباقي! فقال له: قد رهنت لساني بشيء، فماذا أصنع فيه؟ قال: تأمر لباقي أولادك بأشياء أُخر من إقطاعات وصلات، وتطلق لهارون صدرًا من المال وتدافعه بباقيه، وتتسع أنت قليلًا، وندبر الأمر بعد ذلك بما يراه أمير المؤمنين! قال: فقال له وفقك الله، فما زلت أتعرف الخيرات في رأيك والسداد في مشورتك، وتأدى الخبر إلى هارون، فحلف بعتق عدة من عبيده، وبحبس عدة خيل، وبوقف عدة ضياع، وبصدقة مال جليل، أنه إذا ظفر بمحمد بن عبد الملك قتله، وكتب اليمين بخطه في رقعة وجعلها في درج، وأودعه دايته، فلما توفي المعتصم، وأفضى الأمر إلى الواثق، وكان ذا أناة، كره أن يعاجله فيقول الناس إنه بادر بشفاء غيظه، ثم عزم على الإيقاع به، فتقدم بأن يجمع له من وجوه كتاب الدواوين من يصلح لولاية الدواوين والوزارة، فجمع له عشرة نفر، فأثبت أسماءهم وجلس الواثق ودعا بواحد منهم، وقال له: اكتب في كذا، في أمر رسمه له، فاعتزل وكتب، وعرض الكتاب عليه، فلم يجده صنع شيئًا، ثم دعا بآخر وأمره أن يكتب كتابًا في معنى أمره به، فاعتزل وكتب، وعرض الكتاب عليه، فلم يرضه، حتى امتحن العشرة، فلم يرض
[ ١٣٥ ]
ما كتبه كل واحد منهم، فأقبل على حاجبه فقال: أدخل من الملك مضطر إليه، وهو محمد بن عبد الملك الزيات، فجيء به وهو واجم متغير مضطرب، فلما وقف بين يديه قال: اكتب إلى صاحب خراسان في كذا، فأخرج من كمه قصبًا ومن خفه دواةً، وابتدأ فكتب بين يديه، حتى فرغ من الكتاب وأصلحه، وتقدم فناوله إياه، وقد أتى فيه على جميع ما في نفسه، فلما قرأه أُعجب به جدًا، وقال له: امضه، فأخرج من الخريطة طيبًا فوضعه عليه، وناوله الخاتم، فختمه وأنفذه من حضرته ووقف بين يديه؛ فقال الواثق لخادم بين يديه: امض إلى دايتي وقل لها توجه إلي بالدرج الفلاني، فمضى الخادم، فوافى به، ففتحه وأخرج الرقعة، فدفعها إلى محمد فقرأها وقال: يا أمير المؤمنين، أنا عبد من عبيدك، فإن وفيت بيمينك فأنت محكم، وإن عفوت وصفحت كان أشبه بك! فقال: لا والله، لا يمنعني من الوفاء بيميني إلا النفاسة أن يخلو الملك من مثلك! وأمر بعتق العبيد الذين حلف بعتقهم، وبوقف الضياع وحبس الخيل وصدقة المال.
وكثرت في أيام الواثق نكبات الكتاب، كسليمان بن وهب، وأحمد ابن الخصيب وغيرهما، بسعاية ابن الزيات، فقال إبراهيم بن العباس الصولي في ذلك يخاطبه من أبيات:
[ ١٣٦ ]
إيهٍ أبا جعفرٍ وللدّهر كرّم اتٌ وعما يريب متّسع
أرسلت ليثًا على فرائسه وأنت منها فانظر متى تقع
لمّظته قوته وفيك له إذا تقضّت أقواته شبع
وقد كان أحمد بن أبي دواد حمل الواثق على الإيقاع بابن الزيات، وأمر علي بن الجهم فقال فيه أرجوزة:
هارون يا بن سيد السادات أما ترى الأُمور مهملات
تشكو إليك عدم الكفاة!
فهم الواثق بالقبض عليه وقال: لقد صدق قائل هذا الشعر، ما بقي لنا كاتب! فطرح نفسه على إسحق بن إبراهيم، وكانا مجتمعين على عداوة ابن أبي دواد، فقال للواثق: أمثل ابن الزيات مع خدمته وكفايته يفعل به هذا، وما جنى عليك ولا خانك، وإنما دلك على خونة أخذت ما اختانوه فهذا ذنبه! وبعد، فلا ينبغي لك أن تعزل أحدًا حتى تعد لمكانه جماعة يقومون مقامه، فمن لك بمن يقوم مقامه؟ فمحا ما كان في نفسه عليه ورجع له.
[ ١٣٧ ]
وحكي أن الواثق أصلح بين ابن الزيات وابن أبي دواد، فكف محمد عن ذكر ابن أبي دواد، وجعل هو يخلو بالواثق فيغريه، وكان فيما أبلغه عنه أنه قد عزم على الفتك به والتدبير عليه، إلى أن قبض على ابن الزيات، ثم أطلقه بعد مدة وأعاده إلى حاله، وقبض الواثق عليه ليس بمشهور، لأنه من خلفاء العباسيين الذين لم ينكبوا وزيرًا، وهم قليل كالهادي والأمين قبله، والمعتضد والمكتفي بعده.