قال بعض الحكماء: عليكم بالرحل والإرتحال ونصب البدن واحتياض الغمرات واستهال الوعور، واجتراء أودية الرغبة لارتياد المنفعة وطلب المعيشة، فان الحازم لا يدع لدعة نفسه ومصلحة شأنه مصعدًا الا صعده، ولا موطأ الا ألتمسه، ولا مرجمًا الا رجمه، ولا مضيقًا الا سلكه. وأنشدني بعضهم:
زحزح همومك بالمهرية النجب واقذف بنفسك في الآفاق واغترب
حتى تنال غنى من وجه مطلبه وتستريح من الترداد والطلب
وقال بعض الحكماء: لا تدع الحيلة في التماس المال بكل مكان. فان الكريم محتال والدني عيال. وكان يقال: اتعب يومك لراحة غدك. قال الله تعالى حثًا على الطلب: فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله. ومدح قومًا بالطلب. فقال: وآخرون يضربون في الأرص يبتغون من فضل الله. وقال عمر بن الخطاب: اقبلوا على ما يصلحكم من أمر دنياكم فإنه قوام وجوهكم وبلاغ إلى آخرتكم.
فسر في بلاد الله والتمس الغنى تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا
ولا ترض من عيش بدونٍ ولا تنم وكيف ينام الليل من كان معسرا
وفي الأمثال: أطلب تظفر. وفيها قال شاعر:
ولا تقعدن بمضيعة ذلولًا ولكن ألق دلوًا في الدلاء
تجيء بملئها ماءً وطورًا تجيء بحمأة وقليل ماءٍ
وفيها: كلب جوال خير من أسد رابض. وكان يقال: من غلا دماغه صائفًا غلت قدره شاتيًا. ولبعض الأعراب:
ألا خلني أمضي لشأني ولا أكن على الدهر كلا إن ذا لشديد
أرى السير في البلدان يغني معاشرًا ولم أر من يجدي عليه قعود
إذ ما الفتى لم يبغ إلا لباسه ومطعمه فالخير منه بعيد
آخر:
الوكر من آلة الفراخ ولا يوكر سبط الجناح هدار
أجدل ذو مخلبين مندمج يدمى له منسر وأظفار
فبالسرى والدجى وهاجرة والعيس تحت الظلام أوطار
ومهمهٍ لا يرام جانبه عسكره بالمنون جرار
إذا تجاوزت منه مسبعةً لاقتك مجهولة وأوعار
لا يألف الدهر وهو آيته حر أبي نمته أحرار
آخر:
رأتني قليل النوم غير مسهد أخا أملٍ عالٍ وهم مخالف
وقد سمعت لي منطقًا ذا أصالة وقد حمدتني في الأمور العواسف
وقد راعها مني جمال وبهجة وعلم بأنباء القرون السوالف
وقد عجبت أن لا تراني مومرًا ولا ذي تلاد مستهل الطرائف
لأكسب مالًا أو يقال: ابن حرةٍ سقته صروف الدهر كأس المتالف
وقع عبد الله بن طاهرٍ: من سعى رعى ومن نام رأى الأحلام. قال الكسروي: أخذه من توقيع لأنوشروان:
ليس للحاجات إلا من له وجه وقاح
ولسان ذا فضولٍ وغدو ورواح
قال بعض الحكماء: إني لأسعى في الحاجات، وإني لا أيأس منها. وذلك الإعذار لئلا أرجع على نفسي بلوم. قال عمرو بن عتبة: من لم يقدمه الحزم أخره العجز. وقال بعض الحكماء: الروح في الحركة وهي مفتاح الدرك، وداعية النجح. والكسل مغلاق الدرك وداعية الحرمان. وقيل لبزرجمهر: بم ادركت ما أدركت؟ قال: ببكورٍ كبكور الغراب، وصبر كصبر الحمار وحرص كحرص الخنزير. وقيل لد غفل: بم بلغت ما بلغت؟ قال: بقلب عقول ولسان سؤول. عروة بن الورد:
[ ١٠ ]
ومن يك مثلي ذا عيال ومقترًا من المال يطرح نفسه كل مطرح
ليبلغ عذرًا أو يصيب غنيمةً ومبلغ نفس عذرها مثل منجح
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه عن ربه ﷿: (يا ابن آدم احدث سفرًا أحدث لك رزقًا. عبيد الله في الحديث: سافروا تصحوا وتغنموا:
ولن يريح هموم النفس إذ حضرت حاجات مثلك إلا الرحل والجمل
وقيل لأبي الأسود: مالك كثير الجولان وأنت كبينر السن؟ قال: لئلًا أكون جليس المرأة وجليس البيت: لا تشاء العنز تبول علي إلا بالت.
فصل لعبيد الله: ليس فضل السعي بزائد في مقسوم الرزق ولكن الله جعل له سبيلًا إلى إزالة العتب عن النفس ودركا في الاستسلام لغلبة القضاء والقدر، إذ كان على المرء ألا يقبل على نفسه ذلا.
وليس عليه أن يزيل عنها قدرًا حتمًا. وهذا شبيه بقول الشاعر:
على المرء ألا يرام الضيم أنفه وليس عليه أن يساعده القدر