وقال في ذكر الأحمق ودخوله فيما لا يعنيه، وأكثرهم دخولًا فيما لا يدخل فيه وأرضاهم بما لا يكفيه عدوه أعلم بسره من صديقه وصديقه قد غص (٨) منه بريقه ولا يؤمن نصحه ولا يتوهم من خدعه ولا يأمن إلا من يخونه ولا يتحفظ إلا ممن يحفظه ولا يكرم إلا من يهينه.
أشبه شيئًا خلقًا باللئيم إن أحسنت إليه لم يشكر، وإن أسأت إليه لم يشعر لا ينفعك من وجه إلا ضرك من وجوه، وإن أقبل عليك لم ينزل (٩) وإن أدبر عنك لم يضرك، وإن أفسد شيئًا لم يحسن أن يصلحه وإن أصلح شيئًا أفسده، إن أحببته فرأى منك حسنًا لم يحسن أن ينشره وهو مع ذلك بخطائه (١٠) أشد إعجابًا من العاقل بصوابه.
_________________
(١) اجتريها: من اجترأ عليه: تشجع. الوسيط (١/ ١١٤)، والمعنى والله أعلم أتشجع عليها.
(٢) غصَّ: غصَّ بالماء غصًّا وغصصًا وقف في حلقه فلم يكد يسيغه. الوسيط (٢/ ٦٥٤).
(٣) (ينزل): هكذا بالأصل ولعل الصواب [لم ينزلك].
(٤) (بخطائه): هكذا بالأصل ولعل الصواب [بخطئه].
[ ١٤ ]
إن جلس إلى العلماء لم يزدد إلا جهلًا وإن جلس إلى الحكماء لم يزدد إلا طيشًا (١١)، وإذا جعل نفسه المحدِّث لهم يكلفهم أن يكونوا المنصتين له.
أعيى الناس إذا تكلم، وأبلدهم إذا تعلم وأصحبهم لمن يشينه وأرفضهم لمن يزينه وأشدهم في موضع اللين وألينهم في موضع الشدة وأجبنهم في موضع الشجاعة.
إن افتقر عجب من الناس كيف يستغنون وإن استغنى عجب من الناس كيف يفتقرون، لا يفهم إن حدثته ولا يفقه إن أفهمته، ولا يقبل إن وعظته، ولا يذكر إن ذكرته.
وفى ذلك أقول شعرًا:
المرء يصدع (١٢) ثم يشفى داؤه والحمق داء ليس منه شقاء
والحمق طبع لا يحول مركب ما إن لأحمق فاعلمن دواء