أما ما سمع من كثير الحكماء فإن أول شئ يخطر على الأفئدة إذا خطر وهو أصغر من الخردلة، وأرق من الشعرة، وأوهن من البعوضة ثم تحركه الألسنة وتنبذه الأفئدة كما يحاك البرد، وكما يمد النهر فتعود أكثر من الكثير، وأوثق من الحديد، وأثمن من الجوهرة، وأحسن من الذهب وأنفع من كلهما (٢٨) لأنه يزيد في المنطق ويذكى الذهن ويعين على الإبلاغ ويتحمل به العامل ويتقلب فيه كيف شاء ويختار منه ما يشاء فينتفع به اللطيف وينبل به الثخيف ويتزيد به الكثيف ويتأيد به الضعيف ويزداد به الأدب قوة في منطقه وبلاغة في كتبه فيكون في حفظه منفعة
_________________
(١) المرا: من المراء وما راه مِراءً ومُما راةً: ناظره وجادله. الوسيط (٢/ ٨٦٦)].
(٢) (كلهما): هكذا بالأصل ولعل الصواب (كلهم).
[ ٢٢ ]
للخطباء في خطبهم وللبلغاء في بلاغتهم وكتبهم وللكرماء في بشاشتهم وللشعراء في قصائدهم فإذا كنت ممن يؤلف حكمة أو يضع رسالة أو يذكر في مهمة فلا (٢٩) قلبك ولا تكره ذهنك فإن (٣٠) إذا أُكره حل ووقف ولكن إن كنت في شئ من ذلك فاستعن التفرغ (٣١) منه على التفرغ عليه، والتأخر عنه على التقدم فيه فإن الذهن يحم كما يحم (٣٢) البئر ويصفو كما يصفو الماء.