ومن هنا تتراكم المادة النقدية، حتى إننا لنجد الأثر الأدبي الواحد وقد ظهر عنه أضعاف أضعافه من النقد، وكل نقد ينظر إلى ما سبقه مفسرًا له، مؤيدًا له أو معارضًا، حاكمًا عليه آخر الأمر. وهذا من شأنه أن يبتعد بنا عن الأثر الأدبي ذاته وعن قراءته، وهذا عيب يعد للنقد، وهو أنه غالبًا ما يصرفنا عن قراءة الأدب ذاته، فالناقد -بخاصة عندما يكون ذا شخصية- يجعلنا نرى العمل الأدبي لا بعيوننا ولكن بعينه، فنفهم منه ما يفهمه هو، ونخطئ فيه ما يخطئه، ونحكم عليه بحكمه. وهنا يمكن النظر إلى الناقد لا على أنه يفسر لنا العمل الأدبي، ولا على أنه يقربه من نفوسنا، أو يطلعنا على دقائقه، ويكشف لنا عن مكنونه، ولكن على أنه يقف عقبة في سبيل فهمنا الخاص للعمل الأدبي، ومزاولتنا الخاصة له. ولكن ينبغي ألا نذهب في اتهام النقد إلى أبعد من هذا؛ لأن النقد يؤدي إلينا في الحقيقة -وبخاصة في عصرنا الحاضر الذي يتميز بالسرعة، والذي لا نجد فيه الوقت الكافي لقراءة كل ما نريد من قديم وحديث- يؤدي
[ ٣٩ ]
إلينا خدمة كبيرة عندما يتولى عرض ذلك الأدب علينا، فنحن نتوق لأن نقرأ "المعري" في "رسالة الغفران" وفي "سقط الزند" وفي "اللزوميات"، وغير ذلك من إنتاجه الأدبي، ولكننا لا نجد الوقت لذلك؛ لأن هناك عشرات بل مئات من الأدباء غير المعري نتوق لقراءاتهم. وعندئذ يقوم النقد بمهمته التي لا تنكر، وهي أن يعرض لي المعري في كل مؤلفاته، فأعرف عنه ما لم يكن يتسع قوتي لاستنباطه من أدبه حين أطلع عليه جميعه، وكذلك الأمر مع غيره من الكتاب والأدباء، أستطيع أن أعرف عنهم -عن طريق الدراسات النقدية- شيئًا أفضل من أن أظل جاهلا بهم. أليس من الحق أننا نستفيد من خبرات غيرنا، ومن آرائهم، ومن نظراتهم إلى الأشياء، ومن أحكامهم النقدية؟ أليس حقا كذلك أننا نكون في كثير من الحالات في حاجة إلى خبرات غيرنا، وآرائهم، ونظراتهم؟ وهذا ما يجعل عمل الناقد ضرورة، برغم ما يمكن أن يكون له من سوء الأثر في تحيزنا، أو في اكتفائنا من المعرفة بما كان ينبغي أن نعرف أكثر منه، ولكن يخفف من ذلك أن الناقد الحق شخص مسلح بالمعرفة الواسعة، والقدرة الخاصة على النظر والفهم؛ ومن ثم فإنه يلفتنا في الطريق إلى ما نمر عليه دون أي انتباه، ويمدنا دائمًا بوجهة النظر الجديدة، ولسنا ملزمين دائمًا برأي الناقد، فنحن كثيرًا ما نختلف معه كما نتفق معه، وهذا يدل مرة أخرى على أننا نكسب دائمًا من عمل الناقد، على أي صورة كان موقفنا من نقده ورأيه. وسوف نعود بعد قليل إلى ذلك.
[ ٤٠ ]